
يُجمع المراقبون على أن “الثأر” كان عنوان وجوهر الكلمة الأولى التي وجهها للإيرانيين والعالم، المرشد الأعلى الجديد للجمهورية الإسلامية، مجتبى خامنئي. ويبرر البعض للرجل أن من فقد للتو والده وزوجته وابنته وأصيب برجليه، يستحيل عليه أن يفكر إلا بالثأر. ويتوسع آخرون في التبرير، بأن المرشد لم يفقد أعضاء أسرته الخاصة فقط، بل فقد أفراد أسرته الأوسع من كبار ساسة إيران وعسكرها، الذين كان يفترض أن يقفوا إلى جانبه في مهمة قيادة النظام، الذي يخوض حرباً وجودية ضد أعدائه الخارجيين. ويستعين أصحاب هذا التبرير المفترضين بحالة الرجل الجريح واضطراره للتخفي وعدم الظهور العلني، على الأقل ليلقي كلمته بنفسه، لكونه أصبح الهدف الأول للتصفية بمجرد إعلانه مرشداً أعلى، قد يكون الأخير من مرشدي نظام الملالي.
القول بتبرير اعتماد الثأر نهجاً إستراتيجياً لولاية المرشد الجديد، والتي تمتد لمدى الحياة، يفترض وجود آخرين وسط متطرفي نظام الملالي لا يؤيدون نهج الثأر، بل يسعون لإنقاذ الإيرانيين من ويلات هذه الحرب المدمرة. لكن اختيار مجتبى خامنئي دون سواه من قبل الحرس الثوري، ينفي احتمال وجود مكان لغير القائلين بالثأر في القيادة المقبلة لنظام الملالي. هذه القيادة المتمثلة بالحرس الثوري، لم تحتمل مبادرة الرئيس مسعود بيزشكيان للاعتذار من دول الخليج، وأجبرته على التراجع عن اعتذاره، واعتبرته استسلاماً أمام الأعداء. ولم تتوان عن إلغاء أي دور للمجلس الثلاثي الذي تم تعيينه لإدارة البلاد في الفترة الفاصلة عن تعيين المرشد الأعلى الجديد.
إستراتيجية “الثأر” التي أعلنها مجتبى خامنئي بإسم القيادة الجديدة التي لا يختصرها، لا تعد الإيرانيين والمنطقة بوضع نهاية قريبة للحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. بل، وكما عادة نظام الملالي و”محور المقاومة” الذي يقوده، يقدم الذرائع لكل من ترامب ونتنياهو للتصعيد والوقوف بوجه المطالبين بإنهاء هذه الحرب التي أصبحت حرب استنزاف تهدد بالتمدد لأسابيع بل وأشهر أخرى. ونظام الملالي لا يخفي سعيه لتمديد أمد الحرب، بل ويعلن أنه على استعداد لخوضها على مدى الأشهر الستة المقبلة. ووفق ما يعلنه دائماً، يعمل على توسيع رقعة الحرب لتشمل المنطقة باسرها. ويستثمر في هذا السياق كل توظيفاته السابقة في أذرعه بالمنطقة، ويعتبر أن معركته الوجودية الحالية تفرض استغلال كل طاقات هذه الأذرع التي ترهن شعوب البلدان المقيمة بينها لمصلحة نظام الملالي. وقد مهدت هذه الأذرع بقيادة نظام الملالي لهذه اللحظة، بشل قدرة هذه الشعوب على الحركة، وأفرغت دولها ومؤسساتها من أي محتوى، واستقرت في قاع “الدولة العميقة” لهذه البلدان، حيث تفاجئ القيادات والحكومات بأنها صاحبة القرار الفعلي في اللحظات المصيرية، كما شأن لبنان والعراق حالياً.
ثمة رأي شائع يصف بالصمود تعنت نظام الملالي وإصراره على جر الإيرانيين إلى الانتحارمعه. بل ويرى في هذا “الصمود” إرثاً متوارثاً من الحضارة الفارسية، وسمة مميزة للعقلية الإيرانية. ويعتبر أن هذه الميزة تقف وراء فشل الأميركيين والإسرائيليين في تفكيك نظام الملالي حتى الآن والإطاحة به.
المستغرب في هذا الرأي، اعتباره نظام الملالي الديني المتطرف وريثاً للحضارة الفارسية العريقة التي كانت تنافس في حينها الحضارة الإغريقية العظيمة. كما من المستغرب أيضاً أن يعتبر هذا الرأي أن نظام الملالي يمثل كل الإيرانيين، الذين لم يمض أكثر من شهرين على انتفاضتهم ضد هذا النظام الذي حصد منهم عشرات آلاف الضحايا في غضون أيام. كما أن القائلين بهذا الرأي يتجاهلون أن نظام الملالي يعتبر أن تجدد إنتفاض الإيرانيين ضده لا تقل مخاطره عن الغزو لأميركي الإسرائيلي الحالي، وينذر كل إيراني يفكر بالخروج إلى الشارع معترضاً، باعتباره عميلاً للغزاة وسيواجه بإطلاق النار عليه كما على العدو.
يتباهى الملالي بعزلتهم، ويعتبرونها شهادة على أن نظامهم يكاد يكون النظام الوحيد الذي يناصر الضعفاء وقضاياهم، ويتصدى للظلم والقهر واللامساواة وسواها من المفردات التي تفقد معناها في تبنيه لها. بل يسعى لتشديد هذا العزلة التي يتفرد بها (مع كوريا الشمالية)، ويعمل على إبعاد الدول التي تحاول الاحتفاظ بعلاقات طبيعية معه. فقد أثار قصفه لدول الخليج دهشة من كان على صداقة معه، مثل عُمان، ومن كان يحتفظ بعلاقات طبيعية معه. بل ودفع هذه الدول التي سعت لمنع الحرب الأميركية الإسرائيلية عليه إلى حافة الانضمام إلى هذه الحرب.
لم يلتفت نظام الملالي إلى موقف “شريكته الإستراتيجية” روسيا في مجلس الأمن الدولي أمس، حين امتنعت عن ممارسة حق الفيتو للتصويت ضد قرار إدانته جراء قصفه لدول الخليج. وقد علق الخبير الروسي بالشؤون الإيرانية نيكيتا سماغين على موقعه في الفايسبوك على موقف روسيا هذا، الذي أثار دهشته. وأشار ساخراً إلى أن روسيا، وبدلاً من مساندة إيران، تقدمت بمشروع قرار تضمن عموميات على غرار: كل ما يجري في الشرق الأوسط سيء، الحرب سيئة، المدنيون والبنية التحتية يعانون، وأحوالهم سيئة أيضاً. وهذا يقتضي من جميع الأطراف التوقف فوراً عن العمليات القتالية والامتناع عن التصعيد.
وأضاف سماغين بالقول إن الولايات المتحدة، وكما كان متوقعاً، استخدمت حق النقض ضد هذا القرار. فهي لا تخطط لإنهاء الحرب بعد، ولذا فمن غير المرجح أن يكون هذا الأمر قد فاجأ أحداً.
يواصل الخبير سخريته ويقول إن روسيا، شكلياً، هي ضد أعمال الولايات المتحدة وإسرائيل، وتقف كلياً إلى جانب “أشقائها الإيرانيين”. لكنها في الواقع، حتى على المستوى الدبلوماسي لم تقف حجر عثرة ضد ما يجري. فالعلاقات العملية مع الدول العربية وإسرائيل وترامب لا تقل أهمية عن العلاقات مع إيران، حتى وإن كانت علاقات ودية في الظاهر.
صحيفة الكرملين vz نشرت في 13 الجاري نصاً استعرضت فيه ما جاء في كلمة المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي. ورأت الصحيفة أن الثأر كان الموضوع الرئيسي لكلمة المرشد الأولى للإيرانيين.
رأت الصحيفة أن الثأر الذي وعد به مجتبى خامنئي، هو محض انتحار. الإيرانيون يريدون الإنتقام، والأميركيون يخشونه، كما تشير الاستطلاعات حول الحرب الأقل شعبية في تاريخ الولايات المتحدة. أما بالنسبة للإسرائيليين، فهم لا يخفون حقيقة أنهم سيحاولون القضاء على المنتقم المحتمل. فقد صرح نتنياهو أن السبب في عدم ظهور المرشد الجديد علنًا هو تحديدًا خطر التصفية.
وبعد أن تشير الصحيفة إلى إصابة المرشد الجديد بقدميه كسبب آخر لعدم ظهوره علناً، تقول بأن بقاءه على قيد الحياة يمكن تأويله على أنه نعمة إلهية ضمنت له تبوأ أرفع منصب في إيران. وترى أن حظوظه قبل ذلك بخلافة والده كمرشد أعلى، كانت بحت نظرية. وتستنتج من ذلك أن الأميركيين والإسرائيليين قد “توجوه ملكاً” عملياً.
وتشير الصحيفة إلى أن خامنئي الابن كان يُعتبر المرشح الأوفر حظاً في تحليلات وسائل الإعلام الإيرانية في الخارج، والتي كانت أقرب إلى الدعاية المبتذلة منها إلى التنبؤات التحليلية. فقد كانت صورته كخليفة للمرشد في هذه الصحافة مثيرة للاشمئزاز، إذ كانت توحي بالثورة وبكل الخطوات العملية المؤدية للإطاحة بالسلطة. ورأت هذه الصحيفة أن لا جدوى من الانتظار وترقب تغيير إيجابي في ظل المرشد الجديد، فهو ليس سوى المرشد القديم، لكنه أصغر سناً.
المصدر: المدن






