
تشهد فرنسا منذ أكثر من شهر موجة احتجاجاتٍ واسعة، كان تلاميذ الثانويات أول من أشعل شرارتها الأولى، قبل انضمام طلبة الجامعات والمدارس العليا، ثم النقابات، وأخيراً حركة السترات الصفر، وقد بلغت هذه المظاهرات ذروتها السبت 17 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، مطالبة بتحسين أوضاع التعليم الثانوي والجامعي وتعزيز القدرة الشرائية للفرنسيين، في ظل الارتفاع الحاد لأسعار الطاقة والمواد الأساسية.
وعلى الرغم من تأييد غالبية الفرنسيين مطالب المحتجين، لم تخلُ الاحتجاجات من أعمال تخريب ونهب طاولت مرافق عامة وممتلكات خاصة، في تطور مفاجئ صدم الجميع وزاد الطين بلة والأزمة حدّة. كان في وسع الحكومة احتواء هذا التصعيد، لو أنها أخذت مطالب هؤلاء “الصبيان” على محمل الجد، واستجابت، ولو جزئياً، لبعض مطالبهم المشروعة، وقدّمت بالمناسبة حلولاً جدّية لتحسين الظروف المعيشيّة وأوضاع الدراسة في الثانويات والجامعات، لكن الحكومة ماطلت، معتقدة أن الحل يأتي به الزمان، على غرار ما حدث مع “السترات الصفراء”. لم يكن هذا الرهان في محلّه؛ فقد أدّى إلى تفاقم الأزمة وتحوُّلِ احتجاج طلابي محدود إلى حراك شعبي واسع، التحقت به فئات مجتمعية لرفع مطالبها.
في الواقع، لا تملك الحكومة الحالية هامشاً واسعاً للمناورة، لا على الصعيد السياسي أو الاقتصادي. فهي، أولاً، حكومة أقلية رهينة معارضتَين شديدتَين على أقصى اليمين وأقصى اليسار، ما يجعلها مهدّدة بالسقوط في أي وقت. ثانياً، كونها منهكة بمديونية متفاقمة تُكبِّل يدها ولا تسمح لها بتقديم أي دعم أو عوْن، شأن رب الأسرة المثقل بالديون، العاجز على تحسين أوضاع أبنائه بسبب تبذيره وسوء تدبيره.
يرجع هذا الوضع الهش، بالأساس، إلى سياسات الرئيس ماكرون منذ أزمة كوفيد، حين تبنّى دعم الاقتصاد تحت شعار “مهما كان الثمن”، بيد أن فوائد هذه السياسة ذهبت أساساً إلى الشركات قبل الأُجَراء، وجنى ثمارها الأثرياء قبل الفقراء، في وقتٍ زاد العناء، وعيل صبر كثيرين بسبب ارتفاع الأسعار والغلاء، والتراجع الحاد في القدرة الشرائية لدى الطبقات الشعبية، خصوصاً في ضواحي المدن الكبرى، تلك التي عرفت أحداث الشغب.
لم يستخلص ماكرون العبر بعد من دروس أزمة “السترات الصفراء”، إذ لا يزال يراهن مجدّداً على عامل الزمن، لتراجع الاحتجاجات
مع هذا كله، يبدو أن الرئيس لم يستخلص بعدُ العبر من دروس أزمة “السترات الصفراء”، إذ لا يزال يراهن مجدّداً على عامل الزمن، لتراجع الاحتجاجات، مع الدعوة إلى إطلاق حوارات مطوّلة لن تنتهي إلى حلول ملموسة، في انتظار انتخابات 18 إبريل الرئاسية، تاركاً مهمّة حل الأزمة حقيقةً ومعالجتها فعلياً لمن سيؤول إليه حكم البلاد.
ويطرح هذا التسويف المقصود عدة أسئلة جوهرية، فتفاقم الأوضاع وتصاعد الأزمة سينعكسان حتماً على الظروف الاقتصادية، وعلى مجريات الحملة الرئاسية ونتائجها، وكان بإمكان ماكرون الإقدام على طرح حلول جريئة وصعبة سيذكرها له التاريخ، مقدّماً بذلك مصلحة فرنسا على مصالح الأحزاب الضيقة، فماذا بقي من الشجاعة السياسية؟ وكيف السبيل إلى استعادة المبادرة وثقة المواطنين؟ أهو تعثر عابر في الأداء الحكومي، أم هو خللٌ عميقٌ في منظومة الحكم والقيادة السياسية؟
يتجلى هذا الخلل في نقاط عدّة:
أولاً، اللجوء إلى المقاربة الأمنية بدل المبادرة إلى طرح أفكار للحل، تجري مناقشتها وإعادة صياغتها من الفرقاء السياسيين والفاعلين في المجتمع المدني، حتى تصبح مقبولة لتمتصّ هذا الغضب الشعبي العارم، وهذا التقاطب الحاد في المجتمع، لكن خطاب ماكرون لم يقترح أي شيء، وكان من أول منتقديه أقرب الناس إليه.
ثانياً، اتساع نطاق المظاهرات: ومن ذلك دعوة “السترات الصفراء” إلى مظاهرات اليوم السبت، بالرغم من أحداث العنف والنهب والتخريب التي حدثت السبت الماضي، ويدلّ هذا على عمق الأزمة وإصرار بعض الفئات على بلوغ أهدافها “مهما كان الثمن”.
ثالثاً، تلاشي الأحزاب التقليدية وصعود الأطراف السياسية المتشدّدة: فمن جهةٍ نرى اليمين المتطرّف العنصري، بكل ما يحمل من سيئات ظاهرة وباطنة، وهو المدعوم إعلامياً ومالياً؛ ومن جهة أخرى اليسار المتشدّد، الذي يتعرّض لاتهامات وانتقادات شتى، بسبب مواقفه السياسية الداعمة للفئات المستضعفة داخلياً وخارجياً، لكن ليست كل مواقفه سمناً على عسل. وهذا ما يزيد المشهد السياسي انقساماً وضغينة.
ارتفاع الأسعار والغلاء وتراجع حاد في القدرة الشرائية لدى الطبقات الشعبية
رابعاً، تجييش الرأي العام وتوظيف الأحداث. كشف تحقيقٌ لموقع Mediapart نُشر يوم 19 أكتوبر بناء على شهادة ضابط مخابرات، تلقي أجهزة المخابرات توجيهات لإلصاق مسؤولية الحراك وتبعاته لحزب فرنسا الأبية (LFI) وبالتالي تحميله المسؤولية السياسية والمعنوية على أعمال التخريب. وقد اتهم وزير الداخلية الفرنسي نشطاء اليسار المتطرف الراديكالي بارتكاب الأعمال التخريبية، متناقضاً في هذا مع تصريح المدعية العامة في باريس، أنّها لا تستطيع تأكيد انتماء منفذي أعمال العنف التي شهدتها العاصمة يوم 17 أكتوبر إلى “اليسار المتطرّف”.
تَناقُض الروايات، بغض النظر عن الإجراءات الأمنية اللازمة، وعن العقوبات التي يجب أن ينالها المخرِّبون أيّاً كانت توجهاتهم، بلغ أروقة الجمعية الوطنية الفرنسية، بعد احتجاج نواب “فرنسا الأبية”، فقد اضطر وزير الداخلية إلى التأكيد أن أجهزة الاستخبارات لا تستهدف الأحزاب. ويوحي هذا الجدل بضحالة الأسلوب السياسي في فرنسا وتدنّيه إلى مستويات لم نعهدها من قبل.
صحّت اتهامات موقع Mediapart أم لم تصح، مؤكّد أن أحداث فرنسا وفّرت فرصة ثمينة لدوائر اليمين المتطرّف، داخل فرنسا وخارجها، للتلاعب بالرأي العام عبر نشر الأخبار الكاذبة والروايات المضللة والمصطنعة، كالتي أظهرت صورة زوجين في الثمانينيّات، زُعِم أنهما سُلبا وجرى تجريدهما من ملابسهما الخارجية على يد المتظاهرين، قبل أن يكشف تحقيق صحافي لبرنامج Quotidien الذي تبثه قناة TMC، أنّ الصورة مفبركة وزّعها حسابٌ من خارج فرنسا يُدعى @DloceVenezia74 فُضح مصدره، وهو واحد من آلاف حسابات أخرى تؤجج الصراعات وتنفث السموم والأحقاد وتغذي مسلسل الخوف والكراهية، وتستهدف فئات بعينها في فرنسا وغيرها.
المصدر: العربي الجديد






