
لا تزال التوغلات والتجاوزات الإسرائيلية والانتهاكات التي ترتكبها قواتها داخل الشريط الحدودي السوري مستمرة، على الرغم من الإدانات من مختلف دول العالم، والمطالبات بالتوصل إلى تفاهم يعيد الوضع إلى اتفاق عام 1974.
يوم الاثنين الفائت، توغل الجيش الإسرائيلي في ريف القنيطرة، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف محيط بلدة عابدين بريف درعا الغربي، ما أدى إلى نفوق عدد من رؤوس الماشية نتيجة سقوط إحدى القذائف على حظيرة في أطراف البلدة.
كما اعتقلت دورية تابعة للجيش الإسرائيلي، مؤلفة من 5 آليات عسكرية، راعي أغنام خلال توغل لها في منطقة المعكر الواقعة جنوب غربي قرية الحانوت في ريف القنيطرة، واقتادته إلى داخل الأراضي المحتلة. كما توغلت قوة عسكرية مؤلفة من 5 سيارات في وادي الرقاد، واقتحمت أحد المنازل، وأطلقت قنابل دخانية قبل اقتحامه، ثم انسحبت إلى الداخل المحتل.
والسياسة الإسرائيلية القائمة على الاعتداء على الأراضي السورية مستمرة منذ سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، تحت ذرائع مختلفة، أبرزها مؤخرا الوجود التركي والتعاون بين تركيا وسوريا، والاستهداف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور العسكري شمال سوريا تحت ذريعة وجود أجهزة وأسلحة تركية.
معادلة الخروج المتبادل
في تقرير نشره موقع “سكاي نيوز عربية”، في التاسع عشر من الشهر الجاري، حول ما أسماه “صفقة خروج من سوريا”، تقوم على معادلة تركيا مقابل “إسرائيل”، أشار التقرير إلى أن سوريا تتحرك عبر مسارات سياسية وأمنية متوازية لمواجهة الوجود الأجنبي والتحركات الإسرائيلية، وسط طرح معادلة تقوم على خروج القوات التركية مقابل انسحاب “إسرائيل” من الأراضي السورية التي دخلتها، بالتزامن مع استعداد سوريا لاتفاق أمني مع “إسرائيل” برعاية أميركية.
وبحسب التقرير، فإن سوريا مستعدة للدخول في اتفاق أمني مع “إسرائيل”، لكن بشرط تمسكها بحقوقها ورفض استمرار الاحتلال، كما أن سوريا مستعدة لإبرام اتفاق مع تركيا لخروج قواتها من الأراضي السورية مقابل انسحاب إسرائيلي كامل، وأن صيغة الخروج المتبادل هي أحد المسارات المطروحة لمعالجة هذا الوجود.
إلا أن التقرير استبعد، في الوقت نفسه، أن يؤدي خروج تركيا تلقائيا إلى وقف التجاوزات الإسرائيلية داخل سوريا، حيث تعتبر “إسرائيل” أن الوجود التركي ذريعة لاستمرار اعتداءاتها، في ظل مخاوفها من تركيا بوصفها دولة إقليمية قوية ومنافسة لها.
وأكد الكاتب والصحفي أحمد مظهر سعدو، خلال حديث لـ”الثورة السورية”، أن “إسرائيل” من غير الممكن أن تتوقف عن توغلاتها أبدا من دون اتفاق أمني مع سوريا يضمن لها معظم متطلباتها، ولا يبدو أن تحقيق هذا الاتفاق سيكون قريبا، بل هو مؤجل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، وكذلك الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي.
وحول اعتبار الوجود التركي في سوريا ذريعة لـ”إسرائيل” لاستمرار توغلاتها، أوضح سعدو أن ذلك ليس إلا ذريعة إسرائيلية، فـ”إسرائيل” تعتقد أنها منتصرة في المنطقة العربية ومدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، وليس بمقدور أحد أن يلزمها بأي اتفاق.
هل هناك وجود للميليشيات في الجنوب؟
لم تتوقف “إسرائيل”، منذ سقوط نظام الأسد، عن استخدام تقارير مضللة تبثها جهات إعلامية ومنصات إعلامية ترتبط بـ”إسرائيل”، وحتى تلك الموالية لها في سوريا، تتحدث عن وجود مجموعات وخلايا تابعة لفيلق القدس الإيراني، وحزب الله اللبناني، وحركة حماس الفلسطينية، في حين أن سياسة الدولة السورية كانت واضحة منذ اليوم الأول، وتقوم على رفض جعل سوريا منصة لاستهداف أي دولة أو أي طرف في الجوار، بما فيه “إسرائيل”.
وركزت الدولة السورية، في العديد من المناسبات والمحافل الدولية، على أنها تسعى إلى إعادة بناء الدمار الذي خلفته الحرب التي شنها نظام الأسد على السوريين، والوصول إلى صفر مشاكل مع مختلف الدول. كما أكدت الدولة السورية، بشكل “عملي”، مواجهتها للميليشيات من خلال منع نقل السلاح وتهريبه عبر الأراضي السورية من إيران إلى لبنان، وتمكنت القوات الأمنية السورية خلال الأشهر الماضية من إحباط عشرات الشحنات من الأسلحة التي كانت متوجهة إلى حزب الله اللبناني.
وفي هذا السياق، فإن ما يقوم به الإعلام الإسرائيلي والإعلام الموالي له من استخدام هذه الاتهامات هو تسويق لسوريا أمام المجتمع الدولي على أنها لا تزال مصدرا للتهديد، في حين أن التهديد الأكبر قادم من “إسرائيل” تجاه سوريا والشعب السوري، وتسعى “إسرائيل”، من خلال الحديث المستمر في هذا الاتجاه، إلى الاستمرار في التحرك في الجنوب السوري.
وأشار أحمد مظهر سعدو إلى أن التقارير التي تتحدث عن الميليشيات والفصائل الفلسطينية ليست سوى كذبة إسرائيلية أخرى، تريد “إسرائيل” من خلالها إيجاد ذريعة للاستمرار في التوغلات والاعتداءات، فلا وجود في الواقع لا لحزب الله ولا لحماس، و”إسرائيل” أكثر من يعرف ذلك.
الدبلوماسية والاعتماد على الذات
شهدت الدبلوماسية السورية، منذ بداية الدولة الجديدة، توجها نحو علاقات دولية وإقليمية متنوعة تقوم على المصالح المشتركة بين سوريا وهذه الدول، وركزت سوريا على التوجه نحو العمق العربي منذ البداية، وصرح المسؤولون السوريون، وعلى رأسهم الرئيس أحمد الشرع، بذلك في العديد من المناسبات واللقاءات. وفي الوقت نفسه، حافظت سوريا على علاقة قوية ومتينة مع تركيا، لكن من دون الاعتماد عليها فقط.
وكانت الزيارة الخارجية الأولى للرئيس أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية، تلتها زيارات إلى دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة الأردنية الهاشمية. وكانت الزيارة الأخيرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة خلال منتدى دبي للإعلام العربي، حيث جمعه لقاء مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، وكانت تتويجا لتطور العلاقات بين البلدين الشقيقين.
كما تطورت العلاقات السورية، على الجانب الآخر، مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية بشكل عام، وخاصة فرنسا وألمانيا ودولا أخرى، وهو ما شكل رصيدا سياسيا خارجيا مهما لسوريا، وأسهم في عودة سوريا إلى المجتمع الدولي كدولة فاعلة وليست دولة “ملف”، كما كانت سابقا.
أي إن سوريا تعتمد على التنوع في علاقاتها في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية. وحسب أحمد مظهر سعدو، لا يجب أن تراهن سوريا على دولة بعينها، بل لا بد من موقف عربي متماسك وقوي، ونشاط دبلوماسي سوري عالمي، وخاصة مع الولايات المتحدة.
وأضاف سعدو أن المطلوب كان وما يزال المزيد من الدبلوماسية والاعتماد على الأصدقاء من الدول وفق منطق المصالح لا العواطف، كما لا بد من الاعتماد على الذات من خلال تعزيز البنية الداخلية للسوريين، وإظهار خيارات أخرى للسوريين، كما حصل منذ مدة في درعا وبيت جن بريف دمشق.
سعي إسرائيلي لتقويض بناء الجيش السوري
في شهر آب الفائت، شنت طائرات إسرائيلية غارات جوية على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، ما أدى إلى أضرار مادية من دون وقوع إصابات بشرية. وجاءت الغارات بعد تقارير إسرائيلية حذرت مؤخرا من تنامي جهود إعادة بناء سلاح الجو السوري، الذي كانت “إسرائيل” قد أعلنت سابقا عن تدمير قدراته بعد سقوط نظام الأسد.
وكانت “هيئة البث الإسرائيلية” قد ذكرت، في تقرير نشر قبل نحو أسبوع، أن عمليات الرصد والمتابعة كشفت محاولات لإعادة النشاط الجوي السوري، بما يشمل تجنيد طيارين وتدريبهم على استخدام المقاتلات والمروحيات. وأضاف التقرير أن سوريا أجرت مناورات بطائرات سوخوي في شمال البلاد.
كما كانت صحف إسرائيلية قد حذرت، في أيار الماضي، من إعادة بناء القدرات العسكرية السورية في مجال الدفاع الجوي، مشيرة إلى دعم تركي حصلت عليه دمشق في هذا المجال.
وكان الباحث في مركز جسور للدراسات عبد الوهاب عاصي قد أكد، في حديث لـ”الثورة السورية”، أن الاستهداف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور العسكري يهدف إلى منع سوريا من إعادة بناء قوتها الجوية، بعد رصد تدريبات جوية وتخريج عدد جديد من ضباط وعناصر القوى الجوية، وإعادة تشغيل عدد من الطائرات والمنشآت العسكرية.
وبحسب عبد الوهاب عاصي، فإن الاستهداف الإسرائيلي للمطار لا ينفصل عن التحفظات الإسرائيلية السابقة على توسيع الحضور العسكري التركي في سوريا، وخاصة تحويل المطارات السورية إلى قواعد تركية أو مشتركة، ونشر الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي التي قد تقيد حرية عمل الطيران الإسرائيلي. لكن وجود قاعدة تركية معروفة داخل مطار تفتناز، على مسافة تقارب 40 كيلومترا من أبو الظهور، من دون تعرضها للاستهداف، يشير إلى أن “إسرائيل” لا تسعى، في المرحلة الراهنة، إلى إنهاء الوجود العسكري التركي في شمال سوريا، بقدر ما تحرص على منع تحوله من انتشار بري ثابت إلى بنية جوية ودفاعية واستراتيجية.
وأكد عاصي أن استهداف مطار أبو الظهور يعتبر تطورا ملحوظا، فهو ينقل التحذير الإسرائيلي من المطارات الواقعة في وسط سوريا، مثل “تي فور” وتدمر وحماة، إلى مناطق تعتبرها “إسرائيل” مناطق نفوذ تركي في الشمال السوري.
وبذلك، توجه “إسرائيل” رسالة مفادها أن اعتراضها لن يقتصر على مواقع الانتشار التركية، وسيمتد إلى أي منشأة سورية في الشمال أو الوسط يمكن أن تستخدمها أنقرة لإسناد إعادة بناء القوات الجوية السورية أو نشر قدرات تحد من التفوق الجوي الإسرائيلي.
“إسرائيل” بين الاتفاق الأمني وفرض الشروط
في نيسان الماضي، نشرت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية تقريرا أشارت فيه إلى أن سوريا، بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول عام 2024، لم تعد جزءا من “المحور الإيراني”، كما أن سوريا سعت جاهدة إلى تحقيق السلام منذ سقوط الأسد، وأظهر السوريون رغبتهم في إعادة بناء بلادهم وتحقيق السلام. ومع ذلك، لم تستغل “إسرائيل” الفرصة لبناء علاقات إيجابية مع دمشق، بل إن المسؤولين الإسرائيليين ينظرون إلى الحكومة السورية الجديدة على أنها حكومة غير مستقرة.
وعلى الرغم من خوض “إسرائيل” عدة جولات من المفاوضات مع سوريا بهدف التوصل إلى اتفاق أمني، وفي مرحلة ما كان الوصول إليه قريبا، فإن هناك تناقضا بين تصريحات المسؤولين فيها من جهة، ومحاولات التهميش أحيانا لما تقوم به الدولة السورية من جهة أخرى.
ورأى نوار شعبان، الباحث في مركز عمران للدراسات، خلال حديث سابق لصحيفة “الثورة السورية”، أن الإعلام الإسرائيلي إعلام متذبذب، ففي الوقت الذي تصدر فيه تصريحات حول العلاقة مع سوريا، هناك خطاب بحثي أكاديمي إسرائيلي، سواء عبر المعهد القومي الإسرائيلي، أو مركز ألما، أو حتى مواقع مثل “آي 24″، يحاول التركيز على سوريا بوصفها منطقة يجب الحذر منها، ويتناول أحداثا بعينها فقط وفق رؤيته. فعلى سبيل المثال، تم اعتبار إطلاق الهوية البصرية الجديدة لوزارة الداخلية السورية خطرا، وانتشار القوات السورية على الحدود مع لبنان على أنه ليس لحماية السيادة السورية، وهناك دائما محاولات من الإعلام الإسرائيلي لتهميش ما تقوم به الحكومة السورية من أجل الحفاظ على سيادتها.
وأشار شعبان إلى أنه لا توجد رغبة حقيقية لدى “إسرائيل” في التوصل إلى اتفاق مع سوريا، بل توجد رغبة في فرض شروطها عليها. ففي الجولات السابقة من المفاوضات، أرادت فرض شروط فقط، فمن يريد التفاوض للتوصل إلى اتفاق لا يقوم بدعم مكونات معينة من أجل أن تبقى إشكالية، كما يجري، بحسب قوله، بدعم “إسرائيل” للهجري في السويداء.
ولكن، حتى الآن، من غير الواضح ما إذا كانت “إسرائيل”، بحكومتها الحالية، يمكن أن تغير مسار سياستها في المنطقة، سواء تجاه سوريا أو تجاه المنطقة بشكل عام. ففي أكثر من مرة، ألمحت الحكومة الإسرائيلية إلى أن اتفاقا أمنيا مع سوريا قد لا يكون كافيا، وإنما التوجه نحو اتفاق سلام شامل هو الأفضل.
المصدر: الثورة السورية






