هل التطبيع في المغرب “حماية” جديدة؟

علي أنوزلا

مغربيات في احتجاج ضدّ التطبيع أمام البرلمان المغربي في الرباط (7/10/2026 فرانس

قد يبدو السؤال أعلاه مستفزاً لبعضهم، لكنه يكتسب مشروعيته أمام التغلغل السريع والعميق للتطبيع مع إسرائيل في مفاصل الدولة والمجتمع المغربيين، وما يقابله من تشدّد في التعامل مع الأصوات المناهضة له، يصل أحياناً إلى استعمال العنف المفرط ضد متظاهرين سلميين. فإذا كان التطبيع قرار دولة، فإنه ما زال يواجه رفضاً شعبياً واجتماعياً واسعاً. وإذا كان مجرد علاقة طبيعية مع دولة أجنبية، فما الذي يفسر هذه السرعة في توسيع مجالاته، وهذا الانفتاح الاستثنائي عليه، بينما تربط المغرب علاقات أوسع وأكثر أهمية بدول أخرى لا تحظى بالامتيازات نفسها؟ وإذا كان التطبيع، كما قدّمه وزير الخارجية المغربي، مجرّد استئناف لعلاقات سابقة، فلماذا كل هذه الحساسية الرسمية تجاه انتقاده، وكل هذا القمع والتشدد مع معارضيه؟

ثم من المستفيد الحقيقي منه؟ فإذا كانت الاتفاقيات المبرمة باسم الشعب المغربي تُقدم باعتبارها تخدم مصالحه، فلماذا لا يُتاح له التعبير بحرية عن موقفه منها؟ والأرجح أن استفتاءً حراً سيكشف حجم الرفض الشعبي لها. وفي المقابل، ما الذي يجعل أصوات أقلية ترفع شعار “كلنا إسرائيليون” أكثر حماية وأقوى حضوراً، بما يتاح لها من إمكانات إعلامية وسياسية واقتصادية، بينما تجد الأغلبية الرافضة نفسها مهمشة ومقموعة، أو عاجزة عن التعبير عن موقفها دون التعرض للتضييق والتعنيف والاعتقال والسجن؟

تضع هذه الأسئلة السردية الرسمية التي رافقت استئناف العلاقات مع إسرائيل أمام اختبار صعب، بعدما كشفت الأيام زيفها. فقد قُدم التطبيع استعادةً لروابط تاريخية واجتماعية مع مغاربة الكيان الصهيوني، رغم أنهم هاجروا من بلدهم طوعاً إلى كيان استعماري، وأصبحوا جزءاً من نسيج مجتمعه العنصري، ومجندين في صفوف جيشه الاحتلالي. كما جرى تبريره بأنه سيتيح للمغرب تعزيز دوره الرسمي في الوساطة لصالح الفلسطينيين، مع التأكيد أنه لن يكون على حساب القضية الفلسطينية، التي ظلت تحظى بمكانة خاصة في الوجدان الشعبي والخطاب الرسمي المغربي. غير أن ما شهدناه كان دعماً للاحتلال، وصمتاً عن جرائمه، وتكثيفاً للعلاقات معه، ولا سيما في المجالات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول حدود هذه العلاقات وأهدافها وآثارها البعيدة.

حماية السيادة الوطنية لا تتحقق بمجرد التأكيد الرسمي على استقلال القرار، وإنما بضمان خضوع العلاقات الخارجية للمساءلة الشعبية

ولفهم هذه التحولات، قد يكون من المفيد استدعاء تجربة تاريخية من المغرب المعاصر، هي تجربة الحماية في مطلع القرن الماضي، التي سبقتها اتفاقات تعاون وانتهت باستعمار لم ينته إلا بعد مقاومة مسلحة وسياسية. ولا تعني المقارنة هنا التطابق بين وضعين مختلفين في طبيعتهما القانونية والسياسية وسياقهما التاريخي، وإنما البحث عن أوجه التشابه في آليات تغلغل النفوذ الخارجي، وصناعة المصالح المرتبطة به، وتأثير ذلك في استقلال القرار الوطني. لقد نشأت الحماية الفرنسية في سياق تداخلت فيه الأطماع الاستعمارية مع أزمات داخلية عميقة، وتحولات اقتصادية واجتماعية أضعفت قدرة الدولة المغربية على الحفاظ على سيادتها. ولم تُقدم الحماية في بدايتها باعتبارها مشروعاً استعمارياً، بل باعتبارها وسيلة لحماية السلطان والحفاظ على شرعيته وإصلاح مؤسسات الدولة وتحديث اقتصادها. لكنها انتهت إلى نظام استعماري سيطر على السلطة، واستأثر بالثروة، وأخضع البلاد والعباد لمصالحه، وصنع فئات محلية تستمد نفوذها وامتيازاتها من استمراره، وترتبط مصالحها بتعميق تغلغله وترسيخ هيمنته.

ومن يبرر التطبيع اليوم بالضرورات الجيوسياسية وموازين القوى الإقليمية والدولية، عليه أن يتذكر أن الحجج نفسها، وإن اختلف سياقها التاريخي، استُعملت لشرعنة الحماية. فقد كان اختلال موازين القوى، وضعف الدولة، والحاجة إلى الاستقرار والإصلاح، من أبرز المبررات التي ساقت المغرب تدريجياً نحو فقدان استقلاله في بداية القرن الماضي. وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، استفادت القوى الاستعمارية من الغطاء القانوني الذي أضفته اتفاقيات الحماية على وجودها داخل البلاد، ومن هشاشة البنيات المحلية للتغلغل في قطاعات الاقتصاد والتجارة والفلاحة والمال. ومع مرور الوقت، تشكلت شبكات مصالح محلية ارتبط ازدهارها بالسلطة الجديدة، حتى أصبح استمرارها ضمانة لامتيازاتها. وفي المقابل، تحملت أغلبية المغاربة كلفة هذه الحماية التي تحولت إلى استعمار، من مصادرة الأراضي والاستغلال والتفقير والقمع والتهجير، بينما تعرضت المؤسسة السلطانية نفسها لتقليص سلطاتها وتحويلها إلى واجهة رمزية، قبل أن تحاول سلطات الحماية استبدال السلطان الوطني بآخر موالٍ لها.

لا تبدأ الحماية بالضرورة بوجود جندي أجنبي على الأرض، بل قد تبدأ حين يصبح القرار الوطني أسير مصالح نشأت خارج حدود الوطن

الدرس الأهم في هذه التجربة أن النفوذ الخارجي لا يستمد قوته من حضوره المباشر وحده، بل أيضاً من المصالح الداخلية التي يصنعها، والنخب التي يصبح بقاؤها مرتبطاً باستمراره. وهنا تحديداً تكتسب المقارنة مع التطبيع معناها السياسي، خصوصاً عندما تتجاوز العلاقات حدود التمثيل الدبلوماسي والتبادل التجاري إلى التعاون الأمني والعسكري والتأثير في قطاعات استراتيجية. فالخطر لا يكمن فقط في وجود علاقات مع كيان احتلالي مجرم، وإنما احتمال نشوء منظومة مصالح تجعل مراجعتها مستقبلاً أكثر صعوبة، حتى بالنسبة إلى الجهات التي ترعاها اليوم. فالعلاقات غير المتكافئة قد تنتج مع الوقت تبعيات تتجاوز إرادة أصحاب القرار أنفسهم، وتمنح الطرف الأكثر قوة قدرة متزايدة على التأثير في الخيارات السيادية.

لذلك، فإن السؤال الذي يطرحه استحضار تاريخ الحماية ليس فقط كيف فقد المغرب استقلاله سنة 1912، وإنما كيف استطاع الاستعمار صناعة نخب اقتصادية وسياسية واجتماعية تدافع عن مصالحه واستمراره، حتى عندما تعارضت تلك المصالح مع المصلحة الوطنية. وهذا هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم بشأن التطبيع، بعيداً عن المبالغة أو إسقاط التاريخ بصورة آلية على الحاضر. فالتجربة التاريخية لا تثبت أن التطبيع سيقود حتماً إلى حماية جديدة، لكنها تنبه إلى مخاطر التبعية عندما تتداخل المصالح الخارجية مع مراكز النفوذ الداخلي، وتتقلص مساحة الاعتراض الشعبي، وتُمنع وتُقمع الأصوات المُسائِلة والمُحتجة.

ولعل ما يزيد هذه المخاوف مشروعية طبيعة المشروع السياسي والاستيطاني الصهيوني، وسجل سياساته تجاه الفلسطينيين، واتساع مجالات التعاون معه رغم الرفض الشعبي المغربي. لذلك، فإن حماية السيادة الوطنية لا تتحقق بمجرد التأكيد الرسمي على استقلال القرار، وإنما بضمان خضوع العلاقات الخارجية للمساءلة الشعبية، وصون حق المواطنين في معارضتها والمطالبة بإلغائها، ومنع تحولها إلى مصالح نافذة يصعب إخضاعها للإرادة الشعبية الوطنية. فالحماية لا تبدأ بالضرورة بوجود جندي أجنبي على الأرض، بل قد تبدأ حين يصبح القرار الوطني أسير مصالح نشأت خارج حدود الوطن، ثم وجدت داخله من يحرسها ويدافع عن استمرارها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى