
أثارت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى مدينة بنغازي شرقي ليبيا، الأحد، تساؤلات بشأن أبعاد التحرك الدبلوماسي لدمشق، ولا سيما مع مشاركة رئيس جهاز الاستخبارات العامة، وطرح ملفات حساسة تتعلق بالمفقودين السوريين، ومكافحة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ووجود مجموعات سورية مسلحة على الأراضي الليبية.
وتباينت وجهات النظر بشأن دلالات الزيارة في ظل الانقسام الليبي، وسط مساعٍ سورية لإعادة تنشيط العلاقات الثنائية، وحماية مصالح الجالية السورية، بعيداً عن الاستقطابات الداخلية. فهل تمهّد الزيارة لتفاهمات أمنية وسياسية جديدة، أم تصطدم بتعقيدات المشهد الليبي؟
دمشق تفتح قنوات التواصل مع شرق ليبيا
خلال حلقة الأحد من برنامج “سوريا اليوم” على شاشىة تلفزيون سوريا رأى الكاتب السياسي أحمد الهواس أن زيارة الشيباني إلى بنغازي تأتي استكمالاً لتحرك دبلوماسي بدأ في طرابلس في 30 آب الماضي، عندما أعاد افتتاح السفارة السورية بعد إغلاق استمر نحو 14 عاماً.
وأوضح الهواس، أن الزيارة الجديدة تتناول مجموعة من الملفات، أبرزها إعادة تشغيل القنصلية السورية في بنغازي، وتعزيز التعاون الثنائي، ومتابعة أوضاع السوريين المفقودين في ليبيا.
وأشار إلى أن العلاقات بين البلدين تستند إلى روابط تاريخية واجتماعية واقتصادية، إذ استقبلت ليبيا أعداداً كبيرة من السوريين منذ عهد معمر القذافي، في ظل تسهيلات تتعلق بالإقامة والعمل، فضلاً عن وجود مؤسسات وشركات مشتركة في قطاعات النقل والزراعة.
واعتبر أن دمشق لا ترغب في التعامل مع ليبيا بوصفها طرفين متنافسين، وإنما باعتبارها دولة واحدة، رغم الانقسام السياسي والعسكري بين الشرق والغرب.
من جانبه وصف الكاتب والأكاديمي جبريل العبيدي خلال الحلقة زيارة الشيباني بأنها خطوة سياسية مهمة جاءت في توقيت مناسب، ضمن سلسلة من التفاهمات والتحركات الإقليمية.
وقال العبيدي إن العلاقات السورية الليبية ليست مرتبطة بطبيعة الأنظمة الحاكمة، بل تستند إلى روابط تاريخية بين الشعبين، مشيراً إلى أن الجالية السورية تشكل حضوراً اجتماعياً واقتصادياً بارزاً في بنغازي.
واعتبر أن انتقال الشيباني من طرابلس إلى بنغازي يحمل رسالة سياسية مفادها أن دمشق تسعى إلى بناء علاقات مع ليبيا بمختلف مكوناتها، بعيداً عن الاصطفافات الداخلية.
وأضاف أن سوريا الجديدة لا تريد أن تكون جزءاً من الاستقطابات الدولية أو الإقليمية، وأن لقاء المسؤولين في شرقي ليبيا قد يساعد على معالجة ملفات ظلت معلقة خلال السنوات الماضية.
مشاركة رئيس الاستخبارات تضع الملفات الأمنية في الواجهة
شكلت مشاركة رئيس جهاز الاستخبارات العامة السوري في زيارة بنغازي محوراً رئيسياً في النقاش، وسط تساؤلات بشأن طبيعة الملفات التي يجري بحثها مع القيادات العسكرية والأمنية في شرقي ليبيا.
ورأى الهواس أن حضور رئيس الاستخبارات إلى جانب وزير الخارجية يشير إلى وجود ملفات أمنية تتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية، وفي مقدمتها ملف السوريين المفقودين، واحتمال وجود سوريين شاركوا في الصراع الليبي الداخلي.
وأوضح أن مكافحة تنظيم الدولة تمثل مجالاً محتملاً للتعاون بين الجانبين، بالنظر إلى تجربة سوريا وليبيا في مواجهة التنظيم، وما قد تمتلكه الأجهزة الأمنية من معلومات تتعلق بعناصره وشبكاته.
واعتبر أن استقبال صدام حفتر للوفد السوري، وإعلانه دعم استقرار سوريا وتقدير جهودها، يعكسان توجهاً نحو تطبيع العلاقات وفتح قنوات للتنسيق الأمني.
بدوره، شدد العبيدي على أن بنغازي تمثل مركز الثقل العسكري والأمني في شرقي ليبيا، وأن مناقشة الملفات الحساسة مع قيادتها أمر طبيعي في ضوء نفوذها الميداني.
وقال إن قيادة الجيش في شرقي ليبيا تسيطر على أكثر من 70 في المئة من الأراضي الليبية، وفق تقديره، معتبراً أن ذلك يمنحها دوراً أساسياً في معالجة القضايا الأمنية.
وقارن العبيدي بين الوضع الأمني في بنغازي وطرابلس، واصفاً الوضع في العاصمة الليبية بالهش نتيجة لانتشار التشكيلات المسلحة وتعدد مراكز النفوذ.
وأكد أن الدول التي تربطها بليبيا مصالح أمنية تجد نفسها معنية بالتواصل مع القيادة العسكرية في بنغازي، نظراً إلى قدرتها على اتخاذ القرارات المتعلقة بالمناطق الخاضعة لسيطرتها.
المفقودون السوريون والليبيون.. ملف إنساني معقد
برز ملف المفقودين باعتباره أحد أبرز القضايا المطروحة خلال زيارة الشيباني، وسط مطالبات بالكشف عن مصير السوريين الذين اختفت آثارهم خلال سنوات الصراع الليبي.
ووصف الهواس الملف بأنه قضية إنسانية ومأساوية، مشيراً إلى تقارير تحدثت عن فقدان أعداد من السوريين خلال النزاعات التي شهدتها ليبيا، إضافة إلى اتهامات وُجهت لبعضهم بالمشاركة في القتال إلى جانب أطراف ليبية.
وقال إن معالجة هذا الملف تتطلب تعاوناً مباشراً بين السلطات الليبية والأجهزة الأمنية والعسكرية، للكشف عن أماكن اختفاء هؤلاء الأشخاص، وتحديد ما إذا كانوا ما يزالون على قيد الحياة أو قُتلوا خلال النزاعات.
وقسم الهواس التعاون الأمني المحتمل إلى مسارين، يتعلق الأول بالمفقودين السوريين، في حين يرتبط الثاني بتبادل المعلومات بشأن تنظيم الدولة، خصوصاً أن بعض قياداته وعناصره قدموا من دول شمال أفريقيا، ومنها ليبيا.
أما العبيدي، فشدد على أن قضية المفقودين لا تقتصر على السوريين، موضحاً أن هناك أيضاً ليبيين مفقودين في سوريا، ما يستدعي معالجة الملف بصورة متبادلة.
وطرح تساؤلات عن طبيعة الأشخاص المفقودين، وما إذا كانوا عمالاً مدنيين أو أفراداً انخرطوا في تشكيلات مسلحة، مؤكداً ضرورة تحديد هوياتهم وظروف اختفائهم.
واعتبر أن الاجتماعات المباشرة بين المسؤولين الأمنيين السوريين والليبيين يمكن أن تسهم في تفكيك تعقيدات هذا الملف والوصول إلى تفاهمات عملية.
الاقتصاد وإعادة تفعيل الشركات المشتركة
لم تقتصر المناقشات على الجانب الأمني، إذ اعتبر الهواس أن إعادة بناء العلاقات الاقتصادية تمثل أحد الأهداف المهمة للتحرك السوري.
وأوضح أن ليبيا تمتلك موارد نفطية وإمكانات اقتصادية كبيرة، فضلاً عن وجود شركات ومؤسسات سورية ليبية مشتركة توقفت أو تراجعت أنشطتها خلال سنوات الصراع في البلدين.
وأشار إلى أن العلاقات التجارية كانت تشمل قطاعات النقل والزراعة والمنسوجات والملابس، وأن السوق الليبية كانت تستقبل منتجات سورية بصورة واسعة.
ورأى أن الإدارة السورية الحالية تتحرك وفق سياسة تقوم على تقليل الخلافات مع محيطها العربي، وبناء علاقات مستقرة تتيح فرصاً للتعاون الاقتصادي.
واعتبر أن إعادة تنشيط المؤسسات المشتركة قد تخدم مصالح البلدين، خصوصاً في ظل حاجة سوريا إلى توسيع شراكاتها الاقتصادية.
هل تستطيع دمشق الحفاظ على التوازن بين طرابلس وبنغازي؟
وفي ما يتعلق بقدرة دمشق على التعامل مع الانقسام الليبي، أكد الهواس أن مهمة سوريا ليست تحقيق التوازن بين القوى المتنافسة داخل ليبيا، وإنما بناء علاقات طبيعية مع الدولة الليبية.
وأوضح أن زيارة الشيباني إلى طرابلس، ثم انتقاله إلى بنغازي، لا تعني التعامل مع دولتين منفصلتين، بل مع مناطق مختلفة داخل دولة واحدة.
وأشار إلى أن افتتاح قنصلية سورية في بنغازي، بالتفاهم مع الحكومة في طرابلس، من شأنه تخفيف الأعباء عن السوريين المقيمين في الشرق الليبي.
ولفت إلى أن مدناً مثل بنغازي ودرنة والبيضاء وطبرق تضم عائلات سورية استقرت فيها منذ عقود، وأصبحت تربطها بالمجتمع الليبي علاقات اجتماعية وعائلية واقتصادية.
وأوضح أن اضطرار السوريين المقيمين في الشرق إلى السفر لمسافات طويلة لإنجاز معاملاتهم القنصلية يمثل عبئاً إضافياً، خصوصاً في ظل الظروف الأمنية والتنقل بين المناطق الليبية.
واتفق الضيفان على أهمية استعادة العلاقات السورية الليبية وتطوير التعاون المشترك، رغم اختلاف قراءتيهما لبعض المحطات السياسية السابقة.
وبينما شدد الهواس على ضرورة التعامل مع ليبيا بوصفها دولة واحدة، ركز العبيدي على أهمية التواصل المباشر مع القيادات الفاعلة في شرقي البلاد لمعالجة الملفات الأمنية العالقة.
وتبقى نتائج زيارة الشيباني مرتبطة بمدى ترجمة اللقاءات السياسية والأمنية إلى خطوات عملية، ولا سيما في الكشف عن مصير المفقودين، وإعادة تشغيل القنصلية السورية في بنغازي، وتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين.
المصدر: تلفزيون سوريا






