
رغم كل الآثام التي تحيط بنا، وكل الشرور التي استقرّت على رقابنا، فإن العالم، كما يبدو اليوم، لا يزال بخير، ولا تزال ثمة مساحة تفيض بالأمل والمحبة، وثمة أصوات تنتصر للمظلومين، وتدافع عن حقوق البشر، وحرية الأوطان.
القاضية نافي بيلاي مثال على ما نقوله، هي من ناشطات جنوب أفريقيا، معروفة بشخصيتها الشجاعة المملوءة بقوة روحية متأجّجة مصاغة على نية تغيير العالم، ومنطلقة من إيمان بمستقبل حر ومزدهر للإنسان في أيما مكان. في سيرتها أكثر من محطة عبرت فيها عن وقوفها إلى جانب الناس العاديين ضحايا الحروب والتمييز العنصري، وقدّمت لنا دروساً في الثبات والقوة الأخلاقية والالتزام بقضايا الإنسان العادلة، وقد اشتهرت بمواجهتها نظام الفصل العنصري في بلادها، ولعبت دوراً محورياً في الدفاع عن النشطاء السياسيين أمام القضاء، وكان لها حضورها الفاعل في تقرير محاكمة جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وساهمت بنشاط في عمل المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة رواندا، وعملت مفوّضاً سامياً لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وأكثر ما يهمنا إسهامها في فضح المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في غزّة وإدانتها، إذ خلصت، في تقريرها الذي قدمته بصفتها رئيسة لجنة التحقيق الدولية، إلى وجود أدلة على ارتكاب إسرائيل جرائم حرب وإبادة جماعية بحق الفلسطينيين.
سجل بيلاي في مجال إرساء نظام قانوني دولي عادل كان وراء منحها جائزة نوبل للسلام. وبهذه الخطوة الجديرة بالإشادة، تكون لجنة الجائزة قد سدّدت ديْناً عليها، ديناً أخلاقياً وسياسياً، وتكون قد تمثلت بما هو مطلوب منها، نزاهة ومصداقية وشفافية. ولعلها أرادت بمنح الجائزة إلى بيلاي أن تكفر عن الخطيئة التي ارتكبتها في العام السالف، بمنحها الجائزة إلى الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو التي تمثل النقيض لبيلاي، يمنيية متطرفّة حد النخاع، معادية للعرب، وداعمة للطروحات الإسرائيلية. ومن “مآثرها” الشريرة تعهدها بالتعاون مع حزب الليكود وزعيمه بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة، ووعدها بنقل سفارة بلادها إلى القدس إذا ما وصلت إلى السلطة، ودعوتها مراراً إلى التدخل العسكري الأجنبي في بلادها، وحثها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على ذلك.
المتأمل في سيرتي نافي بيلاي وماريا كورينا ماتشادو يكتشف كمية الصدق في توصيف الأولى، وكمية الكذب في توصيف الثانية
إذن، ثمّة ما هو فارق بين بيلاي وماتشادو، ولا شيء يجمع بينهما سوى أنهما حصلتا معا على جائزة نوبل للسلام، وفي ديباجة استحقاق بيلاي الجائزة، جرى ذكر دفاعها عن حقوق الإنسان، وسعيها إلى إرساء معالم نظام قانوني دولي يحترم البشر، فيما قيل في ديباجة العام الماضي أن ماتشادو نالت الجائزة لدفاعها عن الديمقراطية في بلدها. والمتأمل في سيرتي المرأتين يكتشف كمية الصدق في توصيف الأولى، وكمية الكذب في توصيف الثانية. صحيح أن ماتشادو كانت معارضة شرسة لنظام تشافيز، وقد حظيت في فترة سابقة بدعم شعبي لا يستهان به، لكن النظام على عهد الرئيس مادورو عمل على شيطنتها، ومنعها من الترشّح في انتخابات الرئاسة التي فاز بها، ويبدو أن هذا أحدث عندها نوعاً من ردات الفعل، فاندفعت إلى أن تتبنى مواقف متطرفة، وطالبت واشنطن بالتدخل عسكرياً لإطاحة نظام الحكم في بلادها، فيما اعتبرت هذه المطالبة موقفاً خيانياً ليس من “الشافزتاس” فحسب، ولكن أيضاً من شخصيات وطنية معارضة. ومع مجمل ارتكاباتها السياسية والفكرية، اعتبر تماهيها مع الطروح الأمريكية تقويضاً لمزاعمها بأنها مناصرة للحرية والديمقراطية، وحتى الرئيس دونالد ترامب نفسه اكتشف أن من الصعب اعتبارها قائدة لفنزويلا، فهي لا تحظى بالدعم أو الاحترام داخل بلدها كما قال، بذلك تكون ماتشادو قد خسرت نفسها قبل أن تخسر الآخرين.
ومن المناسب هنا الإشارة إلى ردة فعل رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو على فوز بيلاي بجائزة السلام، ووصفه لها بـ”متعصبة فقدت بوصلتها الأخلاقية، وساهمت في شيطنة اليهود”، أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقد أثار سخرية بعضهم عندما بدا مستاء من عدم حصوله، هو شخصياً، على الجائزة، رغم أنه، كما قال، أنهى ثماني حروب، وعلى وشك أن ينهي حربين أخريين!
وفي كل الأحوال، ليس أمامنا بعد كل هذه الوقائع سوى أن نحيي خطوة لجنة جائزة نوبل الأخيرة التي شكلت نقطة مضيئة على طريق إرساء قواعد نظام قانوني دولي يحترم البشر، ويضمن لهم حاضرهم ومستقبلهم، ويجنبهم الآلام المرة التي أنزلت بهم في أزمنة غاب فيها العدل واستوطنت الشرور، وبالمقابل نتمنى لو كان بالإمكان سحب جائزة العام الماضي من ماتشادو، لكن الأمور لا تسير دائماً على النحو الذي نرغب فيه ونتمناه.






