وقفوهم إنهم مسؤولون

عبد اللطيف السعدون

ليس ثمة خطأ أكبر من أن يذعن قادة “الإطار التنسيقي” الحاكم في العراق لطروحات طهران في مسألة تفكيك المليشيات، ووضع السلاح بيد الدولة، والتي نقلها ثلاثة مسؤولين إيرانيين، وزير الخارجية عباس عراقجي ومسؤول فيلق القدس في الحرس الثوري إسماعيل قاآني ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الذين وفدوا إلى بغداد في زيارات متتالية أخيراً، وتتضمّن الطروحات الإيرانية صيغاً إجرائية أقل ما يقال عنها إنها تكرّس بقاء المليشيات المسلّحة التي تتوزع عمليا على 12 قاعدة وموقعاً عسكرياً من البصرة حتى نينوى. ومن الصيغ المطروحة الاكتفاء بتسليم الأسلحة الخفيفة فقط قبل 30 سبتمبر/ أيلول، والاحتفاظ بالصواريخ البالستية والمسيّرات والأسلحة الثقيلة إلى وقت آخر ريثما تهدأ العاصفة. وتقترح صيغة أخرى إيداع الأسلحة الخفيفة والثقيلة معاً في مخازن سلاح خاصة، مع تسجيل كل قطعة سلاح باسم الفصيل المالك لها حتى تسهل عملية إعادتها إليه في حالات الطوارئ. وصيغة ثالثة تضع السلاح الثقيل في يد إيران “الوصية” على العراق، كي تبقيه في حوزتها إلى أمد لم يحدّد. وآخرها وليس أخيرها تجميد عمل المليشيات سنتين، والهدف من كل هذه العمليات واضح، عبور المرحلة الحالية بأمان إلى حين انتهاء ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يصرّ على حل مسالة السلاح المنفلت أساساً لشراكة اقتصادية أميركية مع العراق، أو ظهور مستجدّات أمنية تفرض عودة المليشيات إلى الواجهة. وما يخشاه مراقبون أن تعمد إيران نفسها إلى افتعال أحداث أو إثارة قلاقل داخل العراق قد تحمل طابعاً دموياً، وعندها يصير الرأي أن وحدات الجيش النظامية والصنوف العسكرية الأخرى قد لا تستطيع وحدها مواجهة أحداثٍ كهذه، وأن المليشيات بما لديها من خبرة ودراية هي القادرة على مواجهة تلك الأحداث. ومبعث هذا التوجّس ما سبق أن فعلته في الدفع برجال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى الموصل ومدن غرب العراق، ومثل هذا أمر محتمل، خصوصاً إذا ما شعرت طهران بأن نفوذها في العراق الذي تعتبره خط الدفاع الأول بالنسبة لها آخذ في التراجع.

المفارقة اللافتة أن الفصائل الرافضة تسليم سلاحها أظهرت عدم اهتمامها بما هو مطروح من صيغ، وبعضها وضع شروطاً على الدولة تنفيذها قبل مطالبتها بتسليم أسلحتها، ومنها انسحاب القوات الأميركية، وكذا انسحاب العسكر الترك، وحل فصائل البيشمركة الكردية، وبعضها هدّدت بحرق بغداد إذا ما تجرّأت حكومة علي الزيدي على مواجهتها، والظاهر أن طهران تلعب على الحبلين، فمن ناحية تتباحث مع بغداد، وتطرح حلولاً للمسألة، ومن ناحية أخرى تحض المليشيات على تصليب موقفها، واستمرار تمسكها بالسلاح.

ليس مقبولاً أن يقف قاليباف في قلب بغداد ليعلن من هناك أن المقاومة العراقية أصبحت قوة عالمية

إلى ذلك، ليس قليلا على العراقيين أن تحاول إيران ممارسة نوع من الوصاية عليهم، وليس مقبولاً أن يقف قاليباف في قلب بغداد ليعلن من هناك أن المقاومة العراقية أصبحت قوة عالمية، وأنها تشكل الخط الأمامي للدفاع عن إيران، في تحدٍّ واضح لحكومة علي الزيدي التي تسعى إلى التعامل مع السلاح المنفلت بكل شفافية وحرص.

ومع مرارة هذه الوقائع، يبدو القادة والزعماء عاجزين عن الفعل، وغير قادرين على إنتاج رؤية واضحة تستند الى ما يقولونه عن سيادة الدولة التي في مقدمة اشتراطاتها أن يكون السلاح كله في يدها وحدها، وأن تملك قرار السلم والحرب حصراً، وليس غيرها من مليشيات أو فصائل أو جيوش موازية أنشأتها دول طبقاً لاستراتيجياتها، وما تزعمه عن أمنها القومي، وهذا ما فعلته إيران معنا، ومن مكر التاريخ أن المواطن العراقي العادي نفسه يشعر بأنه عالقٌ تحت وصاية إيران أكثر مما يشعر به الحاكم نفسه.

وإذا كان علي الزيدي يريد حقا تفكيك المليشيات وسحب سلاحها خطوة أساسية نحو إعادة بناء دولة العراق، أو قل إعادة تأسيسها بعد مرور 105 أعوام على تأسيسها الأول، كما أكد مراراً، فعليه أن يكون صارماً في التقدّم إلى إنجاز هذه الخطوة من دون أن يُلقي بالاً لتلك الترّهات التي تعرضها إيران جزءاً من محاولاتها الهيمنة على القرار السياسي العراقي، وعلى المؤسّسات السياسية والأمنية العراقية، ومن ثم التوجه إلى محاسبة زعماء هذه المليشيات وقادتها على ما اقترفوه من جرائم قتل وتغييب واختطاف لعشرات، بل مئات آلاف العراقيين، وما مارسوه من عمليات نهب للمال العام على امتداد العقدين الأخيرين، ولا أبلغ عند هذا المنعطف من تمثّل الآية الكريمة “وقفوهم إنهم مسؤولون”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى