هذا القرار البريطاني شراء وقت أم استرضاء؟

داود كتّاب

             

اعتبرت الحكومة البريطانية أن السلع والخدمات الصادرة عن المستوطنات المقامة بصورة غير قانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تُشكل مخالفةً لقانون بلد المنشأ؛ إذ يتم وسمها بعبارة “صنع في إسرائيل” خلافاً للحقيقة. ولذلك ومع تصاعد عنف المستوطنين المدعوم من جيش الاحتلال، قاطعت حكومة رئيس وزراء المملكة المتحدة، أندي برنهام (مع دول أخرى) بضائع المستوطنين وخدماتهم غير القانونية. وردّت إسرائيل بعنف بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس، وسحب الاعتراف ودبلوماسييها ال 27. ومع اقتراب انتهاء فترة الشهر، أعلنت بريطانيا أنه في حال طرد 27 دبلوماسياً بريطانياً من القدس ستقوم المملكة المتحدة بردٍّ موازٍ، وهو طرد 27 دبلوماسياً إسرائيلياً من لندن.
جرى التراجع عن التهديد البريطاني في آخر لحظة، بناء على حل وسط، ليس معروفاً من اقترحه، وكيف جرى خلف الكواليس. يشمل الاقتراح تغيير اسم القنصلية العامة الى البعثة البريطانية. المعروف أن القنصلية البريطانية، والتي أنشئت عام 1838 ضمن سياسة دولية تحترم الوضع الخاص للقدس (corpus separatum)، أي منطقة منفصلة. كما تقرّر إبعاد مؤقت ل20 دبلوماسياً بريطانياً، منهم القنصل العام، والسماح ببقاء سبعة دبلوماسيين يعملون مع موظفين محليين للاستمرار في خدمة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، والتي تشمل القدس الشرقية.
أكّد بيان وزير الخارجية البريطانية إد ميليباند “أنه تم سحب عدد من الموظفين والعائلات مؤقتاً لضمان سلامتهم وأمنهم لعدم توفر ضمانات كافية، مع العمل على إعادة بناء الحضور خلال الأشهر المقبلة”، كما جدّد البيان تمسك بريطانيا بالإجراءات المعلنة في 8 سبتمبر (الخاصة بمقاطعة بضائع المستوطنات) بالتنسيق مع المجتمع الدولي دعماً لحل الدولتين.
من الواضح أن الحكومة البريطانية اختارت حلاً وسطاً يحافظ على مقر بريطانيا الدبلوماسي في القدس، ويقلل الخسائر بقدر المستطاع. وثمة من يقول إن ما قامت به بريطانيا يقترب مما تقوم به السلطة الوطنية الفلسطينية مع حكومة الإبادة الحالية، وهو شراء الوقت لغاية الانتخاب الإسرائيلية في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي.

الخطورة في الموقف البريطاني الحالي أنه ينطبق عليه مبدأ خطير وهو سياسة الاستجداء

ولكن الخطورة في الموقف البريطاني الحالي أنه ينطبق عليه مبدأ خطير وهو سياسة الاستجداء. وقد وصف خبراء ومؤرّخون سياسة الاسترضاء في العلاقات الدولية “أنها تقديم تنازلات سياسية أو مادية أو إقليمية لقوة عدوانية ومخاطر جسيمة”، ويرى المحللون أن تلك السياسة “غالباً ما تؤدّي إلى خلافات أوسع نطاقاً بدلاً من حل دائم”. ويقدم الخبراء ستة مخاطر لسياسة الاسترضاء: تُشجِّع المعتدين، تُعزِّز قدرات الطرف الآخر، تُضحِّي بأطراف ثالثة، تقوِّض الردع والثقة، تُؤجِّل القرار الحتمي بتكلفة باهظة تُخلِّف وتترك تداعيات نفسية واجتماعية.
ورغم الفرق الشاسع وعدم وجود عداء بين بريطانيا وإسرائيل، يقدّم المؤرّخون تجربة بريطانيا مع النازيين، مثالاً على خطورة سياسة الاسترضاء. حيث اتبعت بريطانيا في الثلاثينيات من القرن الماضي سياسة الاسترضاء، ونتجت منها كوارث في أوروبا، فقد كان تشرشل أبرز معارضي سياسة رئيس الوزراء البريطاني، أرثر تشامبرلين، القائمة على مهادنة أدولف هتلر، الأمر الذي شجّع الزعيم الألماني النازي على الاستمرار في التوسع واحتلال أراضي الآخر.
تقول الأستاذة الجامعية دلال صائب عريقات إن القانون الدولي، وخصوصاً اتفاقية فيينا لعام 1961 وعام 1963 توفر وسائل قانونية لمعالجة قرارات غير قانونية، مثل ما قامت به إسرائيل بخصوص القنصلية البريطانية في القدس. وكما جاء في بيان وزير الخارجية البريطاني، فإن قرار إسرائيل بخصوص قنصلية تزيد مدة وجودها عن مائتي عام غير قانوني. ولكن رئيس الدبلوماسية البريطانية يبدو أنه اختار في هذا الوقت شراء الوقت، مع الأمل أن يتم خروج حكومة المستوطنين من إدارة دولة الاحتلال، ثم يمكن عودة الأمور كما كانت. إلا أن التجربة الفلسطينية والعالمية تثبت أن الأمور ليست بهذه السهولة، وأن وعود إسرائيل بحلول مؤقتة، مثل طرد مؤقت لعشرين دبلوماسياً، ستتحوّل إلى حل دائم مهما جرى تغيير في قيادة دولة الاحتلال.
سيثبت الوقت إذا كان قرار بريطانيا شراء الوقت حكيماً، وستتم إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، أو أنه يقع ضمن سياسة الاسترضاء الخطيرة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى