”  أريدها أن تُسرق”: عزمي بشارة والمعرفة العربية في زمن الذكاء الاصطناعي

مصطفى البقالي

يعيد الذكاء الاصطناعي طرح سؤال قديم على العقل العربي، ويُلبسه هذه المرة لبوساً تقنيا يُغري بالحياد، وهو بعيد عنه. من يكتب معرفتنا التي ستتكلم بها نماذج الذكاء الاصطناعي؟ هل ننتجها أم نكتفي بما يكتبه عنا ولنا الآخرون؟
تتنازع النقاش العربي في الذكاء الاصطناعي حاليا نزعتان. تبالغ إحداهما في الاحتفاء والتمجيد، وأخرى تبالغ في التحذير والوعيد. نقف حائرين بين من يبشرنا بمستقبل أفضل مع تطور التقنية ومن يحذّرنا من أن من نستعين به اليوم، سنستعيذ منه غدا كما نستعيذ من الشيطان، بعد أن يأخذ مهننا وأموالنا وأسرارنا، وحتى ما تبقى من إنسانيتنا، غير أن النزعتين، على تناقضهما، تلتقيان في حضور “الدهشة”، وإن اختلفت أسبابها.
من هذه النقطة بالذات، انطلق المفكر العربي، عزمي بشارة، في حواره المفتوح مع الجمهور الذي افتتحت به وزارة الثقافة القطرية الدورة الخامسة من “موسم الندوات” في الدوحة، حين أجاب عن أسئلة الحاضرين بشأن إشكالات راهنة في السياسة والفكر والثقافة والتكنولوجيا، وتكلم بلغة من يفكر أمام جمهوره، ويصوغ حجاجه عبر بناء متماسك، تتوالى فيه مسائل يقود بعضها إلى بعض. ومن قضايا كثيرة ومتشابكة ناقشتها مداخلات عزمي بشارة في الندوة، استوقف كثيرين تأصيله للقضايا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أيضاً، منطلقاً في هذا من تراكم معرفي غزير في التأليف والتنظير والتجربة، سواء في الفكر والجغرافيا السياسة، وصولاً إلى الإنتاج الإعلامي وإنشاء منصات تواصل اجتماعي تتحدث عنا بلغتنا، مع استحضار سياق المكان واللحظة العربية الراهنة، وما يحصل في الضفاف الأخرى من العالم.
… إذا امتلك شخص مطعماً أو مستشفى، فسيخضع بالضرورة لقوانين لم يضعها ولم يشارك في صياغتها، لأن ما يملكه صار فضاء عاماً يرتاده الناس. يتساءل بشارة هنا: هل يمكن افتتاح جامعة لا تخضع لقوانين التعليم؟ ويجيب بأن وسائل التواصل أخطر من الجامعة. بهذا المثال، ينقل السؤال من المستخدم إلى مالك المنصة نفسها. إن فتحت أغلب المواقع التقنية المتخصصة الآن، فستجدها مشغولة بتقديم أخبار النماذج الجديدة وقدراتها، وتقديم النصح للمستخدم “الغِر” الذي يسهل خداعه وتوريطه في دوامة الإدمان، لكنك لا تجد فيها دائماً من يسأل عن “المُلاّك الكبار” الذين يملكون المنصّات نفسها. يضع بشارة هنا الملكية نفسها في قلب النقاش، لأن المنصّة في نظره ملكية خاصة، غير أنها تحوّلت إلى “فضاء عام” يؤثر في حياة البشر ويتحكم فيه مالكو “وسائل إنتاج” يحرّكهم منطق الربح وحده.

لمواجهة التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، يجب أن نغادر بداية زاوية الشخص “المندهش” والمرتبك، إيجاباً أو سلباً، وننتقل إلى مرحلة التعامل العقلاني

يقول يورغن هابرماس إن المجال العام يتكون في كل نقاش يجتمع فيه الأفراد، لا تملكه جهة ولا يخضع لمالك. لكن في حالة المنصّات التي يفترض أنها تنتمي لهذا الفضاء العام، نجد أن لها مُلاّكاً يتحكمون فيها ويقرّرون من يملك حق الكلام أو يتعرض للإسكات. ولهذا يطالب بشارة بقواعد قانونية ملزمة، كي يستعيد المجال العام ما انتزعه المال منه. ومن شاهد الصورة التي جمعت مالكي المنصّات في البيت الأبيض، لا بد أن يلتقط ما يقف خلفها من معانٍ خفية مخيفة، تبدو فيها هيمنة من اختار لهم بشارة من معجم السياسة وصف “طغمة” واضحة، تملك قرار وسائل تواصل عابرة للحدود، ولا تكفي لضبطها تشريعات الدول منفردة. لذلك يطالب بضرورة وجود سلطة دولية تنظمها، إذ لا يجوز ترك الفضاء العام في يد رجال أعمال، بعضهم هواة، لا يحركهم وازع سوى الربح.
… لمواجهة التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، يجب أن نغادر بداية زاوية الشخص “المندهش” والمرتبك، إيجاباً أو سلباً، وننتقل إلى مرحلة التعامل العقلاني الذي يبحث في المخاطر ليتجنبها وعن الفوائد ليستفيد منها. يذكر بشارة هنا أن الآلة الحاسبة نفسها عند ظهورها، أربكت فئة كبيرة من الناس، لكنهم ألفوها، كما ألفوا الحواسيب عند ظهورها أول مرة.
قد تبدو الدعوة بديهية، لكنها حين تأملها تبدو ناقدة للرافضين الذين يرون في الذكاء الاصطناعي شرّاً ومؤامرة، أو المغرقين في الاحتفاء، فكلاهما أراح نفسه من عناء التفكير وطرح الأسئلة الحقيقية.
وحين سئل بشارة عن تأثير الذكاء الاصطناعي على المدارس وإمكانية تغييبه التفكير النقدي لدى طلاب المدارس، ذكّر بأن غالبية مدارس البلدان الإسكندنافية أعادت الورقة والقلم، لأن الطلاب لم يعودوا يعرفون الكتابة ولا الحساب. وذهب أبعد من ذلك إلى المطالبة بقوانين واضحة، تحدد سنّ استخدام وسائل التواصل في عمر السادسة عشرة. ويرفض أن تُترك الأمور بين ردّة فعل عنيفة تقاوم التغيير، وتسليم يترك المنصات تتحكم في حياتنا وفي ما نتعلّمه.

يقرّ بشارة صراحة بنقص في إنتاج المعرفة باللغة العربية، “معرفة من منظورنا الحضاري”. لكنه لا يُحمّل الذكاء الاصطناعي مسؤولية هذا النقص

وفي الجامعات، يجيز بشارة للطالب والباحث أن يستعملا الذكاء الاصطناعي وسيلة للبحث، ويراه مفيداً يسهّل العمل ويزيد الإنتاجية، وقد يقوم مقام مساعدَين باحثَين بلا راتب. لكنه في الآن نفسه يحظر التأليف بالنيابة حظراً قاطعاً، ويرى أن من يفعل هذا يستحق العقاب. ولكي تحفظ هيبة البحث العلمي وجدية الجامعات، يقترح العودة للامتحان الوجاهي، كي يمتحن الطالب في الورقة التي كتبها. فمن كتب النص، يتوقع منه أن يكون قادراً على الدفاع عنه بصوته. وهذا برأيه قد يكون حلاً يميّز بين ما كتبه الطالب بنفسه وما ولّده نموذج ذكاء اصطناعي.
ويقرّ بشارة صراحة بنقص في إنتاج المعرفة باللغة العربية، “معرفة من منظورنا الحضاري”. لكنه لا يُحمّل الذكاء الاصطناعي مسؤولية هذا النقص، فهو يرحّب بما يتيحه من إمكانات كبيرة في الترجمة التي صارت سهلة، أو بما يوفره من قدرات مهمة في جمع المعلومات والتنقيب فيها. غير أنه يفصل بين استعمال الأداة وإنتاج ما تتدرب عليه. فالمنصات تتعلم مما تجده منشوراً، والمهمة عنده أن نضع أمامها معرفة عربية منسقة تستطيع الآلة “أن تسرقها”. ثم يضيف: “أنا أريدها أن تُسرق”.
نميل عادة إلى استنكار استعمال المحتوى من دون إذن، وتخوض في ذلك صحف ودور نشر غربية معارك قضائية ضد شركات الذكاء الاصطناعي، لعل أشهرها دعوى نيويورك تايمز على شركتي “أوبن إيه آي” ومايكروسوفت، وقد لحقت بها هذا العام دعوى نحو 400 صحيفة محلية أميركية، فيما اتهمت موسوعة “بريتانيكا” وقاموس “ميريام وبستر” شركة “أوبن إيه آي” بتدريب نماذجها على مقالاتهما. أما الدكتور بشارة فيقف في الجهة المقابلة، لأن ما لا “يُسرق” لا يدخل ذاكرة الذكاء الاصطناعي. فالنماذج تتعلم بشراهة في كل الاتجاهات، وإذا خلت مصادرها من معرفة عربية رصينة، فستجيب المستخدم العربي عن تاريخه ومجتمعه بما كتبه عنه غيره. وعلى عكس “بريتانيكا” التي ترفض أن يدرّب الذكاء الاصطناعي على إنتاجها، يرغب بشارة في أن تكون الموسوعة العربية “أرابيكا” مصدراً موثوقاً للنماذج الذكية. وينوه بمحاولات دول خليجية، مثل قطر، لبناء مشاريع في هذا المجال، بما يحمله هذا من معنى يتعلق بالكرامة الوطنية والإنتاج المحلي.

يستبعد بشارة أن يكون المطلوب من العرب اختراع شيء جديد في الذكاء الاصطناعي، ويرحّب، في الوقت نفسه، بكل متخصّص أو عالم عربي يساهم في منصات أو خوارزميات جديدة

ويستبعد بشارة أن يكون المطلوب من العرب اختراع شيء جديد في الذكاء الاصطناعي، ويرحّب، في الوقت نفسه، بكل متخصّص أو عالم عربي يساهم في منصات أو خوارزميات جديدة. ويضرب المثل بالصين، إذ لم تحاول اختراع الطائرة ولا الذكاء الاصطناعي، وأخذت الموجود وطورته بقدراتها واستثمرت فيه. ثم يستدعي التجربة العربية، ويرويها بمرارة من عاشها. قبل عشر سنوات شارك عن قرب في محاولة لإنشاء منصة تواصل عربية اسمها “باز”. استُثمر فيها المال وتوفر الحماس، ولم ينجح الأمر. ظل الشاب العربي يختار المنصات الغربية لأنها أكثر تطوّراً، وما إن تلحق بها حتى تكون قد سبقتك خطوة أخرى. وفي حديثه عن المال، يُذكّر بأن رأسمالاً عربياً استثمر في منصة “إكس”، لكنه لم يؤثر. ويقارنه بإسرائيل التي تستثمر في هذه الشركات وفي يدها “أجندة تأثير” تتجاوز جني الأرباح.
وينوّه بشارة بدور خبراء من أصول عربية ومسلمة في وادي السيليكون، يفضح بعضهم من حين إلى آخر ما يجري، كما حدث في شأن الخوارزميات في حرب غزة، وبوجود صحافيين عرب في مؤسسات مثل نيويورك تايمز. ويرى أن هذا الحضور الفردي لا يغني إطلاقاً عن إنتاج المضامين. وتنتهي الخلاصة إلى جملة مثقلة بالمعاني: “لا يوجد مشروع عربي”.
الأزمة إذاً أكبر من نقص المال أو التكنولوجيا، إذ يملك العرب رأس المال والكفاءات المنتشرة في أكبر مختبرات العالم. ولكن ينقصهم المشروع الذي يجمع الاثنين لتحقيق هدف واحد، لأن المال الذي لا يحمل مشروعاً، يتحوّل إلى مجرّد حصة في شركات الآخرين. قد تربح منها لكنك تغيب عن صناعة قرارها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى