اليمين المتطرّف على أبواب السلطة في البرازيل

  سلام الكواكبي

تكشف نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية البرازيلية أن المسألة لا تتعلق بمجرّد تراجع اليسار، بل بإعادة تشكّل عميقة للحياة السياسية في البلاد. ففي مواجهة لولا، يستفيد فلافيو بولسونارو من زخم سياسي إقليمي. وخلف هذه المعركة الداخلية، تبرز قضية جيوسياسية كبرى تتعلق بموقع البرازيل في أميركا اللاتينية، التي يسعى دونالد ترامب لإعادتها إلى دائرة النفوذ الأميركي.

أظهرت صناديق الاقتراع حقيقة أن البرازيل لم تعد كما كان يأمل لولا أن يجدها. ففي الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، وبعد الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، تصدّر فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس اليميني المتطرف السابق جايير بولسونارو، النتائج بحصوله على 47.03% من الأصوات، مقابل 45.16% للرئيس المنتهية ولايته. قد تبدو الفجوة محدودة، لكن دلالاتها السياسية كبيرة. فالجولة الثانية المقرّرة في الـ 25 من الجاري لن تكون مجرّد مواجهة بين مرشحين، بل اختباراً للديمقراطية البرازيلية، ولليسار في أميركا اللاتينية، ولقدرة البلاد على الحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة.

كيف يمكن تفسير وصول لولا، الرمز التاريخي لليسار البرازيلي، إلى هذا القدر من الصعوبة في المنافسة؟ لا يخلو سجله من إنجازات ملموسة، منها تراجع البطالة والفقر، والجهود المبذولة لحماية غابات الأمازون. لكن المؤشرات الاقتصادية وحدها لا تكفي لضمان التصويت في الانتخابات. ويكشف تطور المشهد السياسي في الشمال الشرقي، المعقل الانتخابي التقليدي لحزب العمال، عن جانب أساسي من هذه التحولات. فقد استفادت هذه المنطقة الفقيرة من السياسات الاجتماعية والاستثمارات العامة خلال الولايتين الأوليين للولا، وظلت عموماً مؤيدة له. لكن مؤشرات التراجع بدأت تظهر. فبعض الناخبين الذين يعترفون بالتغييرات التي تحققت باتوا يشعرون بخيبة أمل إزاء حصيلة الولاية الحالية، ويميلون إلى خيارات سياسية أخرى.

وتكشف هذه الظاهرة عن معضلة تواجه اليسار في بلدان عديدة، فالإنجازات الاجتماعية لا تتحول تلقائياً إلى رصيد سياسي دائم. الناخبون لا يصوتون فقط انطلاقاً مما حصلوا عليه بالأمس، بل أيضاً بناءً على ما يأملون تحقيقه غداً. وعندما تتباطأ وعود الارتقاء الاجتماعي وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز الأمن، قد يتراجع الامتنان للماضي أمام نفاد الصبر في الحاضر.

الأصوات التي حصل عليها المرشحون المستبعدون، فضلاً عن أصوات الممتنعين والمترددين، قد تغير النتيجة

ويعاني لولا أيضاً من وطأة الاستقطاب السياسي. فهو، في الثمانين من عمره، يجسد تجربة سياسية استثنائية، لكنه يمثل كذلك جيلاً ومنظومة يرغب بعض الناخبين في تجاوزهما. ويتمثل الخطر بالنسبة إلى معسكره في اعتبار كل اعتراض نوعاً من الجحود الشعبي، بدلاً من التعامل معه بوصفه إنذاراً يكشف حدود التجربة الحالية.

يعكس تقدم بولسونارو رسوخ تيار سياسي يجمع بين الخطاب الأمني، والنيوليبرالية، ورفض المؤسسات. ولم يؤدِّ الحكم على والده بالسجن 27 عاماً بسبب محاولته الانقلابية إلى القضاء على نفوذه، كذلك لم يمنع عائلته من الاحتفاظ بقدرة كبيرة على التعبئة السياسية. وهذا التحول ذو دلالة، فاليمين المتطرف ليس كتلة متجانسة، إذ تعصف به المنافسات والطموحات الشخصية والخلافات بشأن الطريقة المثلى للوصول إلى السلطة. فهناك من يريد مواصلة إرث عائلة بولسونارو، وهناك من يرى أن هذا الإرث أصبح عبئاً ينبغي تجاوزه. لكن هذه المنافسة لا تعني بالضرورة إضعاف المعسكر المحافظ، بل قد توسع قاعدته الانتخابية وتدفع مركز الثقل في النقاش السياسي نحو مزيد من التطرف.

وهنا تواجه قوى اليسار خطراً مزدوجاً، فعليها أن تواجه خصماً يحتفظ بقاعدة انتخابية صلبة، وأن تتعامل في الوقت نفسه مع تغير لغة السياسة نفسها تحت تأثير منافسيها. فعندما تهيمن قضايا النظام والسلطة ورفض المؤسسات على الحملة الانتخابية، يجد اليسار نفسه في موقع الدفاع، مضطراً إلى الرد على أولويات خصومه بدلاً من طرح مشروعه الخاص. لكن المواجهة البرازيلية تتجاوز حدود البلاد. فدونالد ترامب لم يخفِ رغبته في تعزيز النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية، حتى لو تطلب الأمر ممارسة ضغوط اقتصادية ودبلوماسية على الحكومات التي ترفض الانصياع له. وقد عبّر عدد من النواب الديمقراطيين الأميركيين، من بينهم بيرني ساندرز، عن قلقهم من احتمال تدخل واشنطن في الانتخابات البرازيلية، وانتقدوا، على وجه الخصوص، الضغوط التجارية والدبلوماسية التي مارستها إدارة ترامب، إلى جانب المبادرات التي قد تؤثر في المناخ السياسي عشية الاقتراع. وكان لولا قد أكد أمام الأمم المتحدة أن البرازيل ليست الفناء الخلفي لأحد.

في الأرجنتين وهندوراس وكولومبيا وتشيلي، أظهر ترامب دعمه مرشحين من اليمين، واستخدم القوة الأميركية أداةً للتأثير السياسي

ولا يتعلق الأمر هنا بمخاوف نظرية. ففي الأرجنتين وهندوراس وكولومبيا وتشيلي، أظهر ترامب دعمه مرشحين من اليمين، واستخدم القوة الأميركية أداةً للتأثير السياسي. وسيؤدّي فوز فلافيو بولسونارو إلى تسهيل الهيمنة الاميركية. في المقابل، من شأن إعادة انتخاب لولا أن تحافظ على وجود قوة سياسية قادرة على المواجهة. فالبرازيل، بحجمها ووزنها الاقتصادي ومواردها الطبيعية ودورها في المؤسسات الدولية، تمتلك قدرة على التأثير لا تضاهيها سوى قلة من دول أميركا الجنوبية. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إليها بوصفها خط دفاع أخيراً في مواجهة طموحات ترامب، من دون أن يعني ذلك أنها قادرة بمفردها على إحباطها. مع هذا، سيكون من السابق لأوانه اعتبار نتائج الجولة الأولى حكماً نهائياً على لولا. فالأصوات التي حصل عليها المرشحون المستبعدون، فضلاً عن أصوات الممتنعين والمترددين، قد تغير النتيجة. لكن صعوبة موقف الرئيس الحالي واضحة.

تقف البرازيل عند مفترق طرق، ففي الـ 25 من أكتوبر الجاري، سيختار الناخبون رئيساً للبلاد، لكنهم سيحددون أيضاً المكانة التي يريدون منحها في السنوات المقبلة للعدالة الاجتماعية والمؤسسات الديمقراطية والسيادة الوطنية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى