كل هذه الكآبة في لبنان

   يقظان التقي

                                

يعمّ اليأس اللبنانيين الذين أنهكتهم الأزمات السياسية والأمنية والمالية المتفاقمة منذ عام 2019، ويعيشون حياة يومية غير محتملة على شفا جرف انفجار اجتماعي اقتصادي، بما يكفي لاحتمال عودة الناس والنقابات إلى الشارع، حين تقرّ الحكومة موازناتها بناءً على الضرائب المفروضة على الشرائح الفقيرة، لا الأغنياء، باعتبارها مسألة تقنية، لا دليلاً على انهيار وظيفة الدولة نفسها التي تحمّل المجتمع الأكثر هشاشة كلفة الانهيار. والمصائب لا تأتي فرادى: حرب كارثية، وتضخم ضريبي، وغلاء في الأسعار، وخناق مصرفي على الودائع، وخطاب كراهية مذهبي وطائفي لا يشبه أي خطاب وطني عادي. ولا أحد ينجح في إقناع اللبنانيين، لماذا تفشل في كل مرة وظيفة الدولة في تحمّل مسؤولياتها الأساسية، ومسألة فائض الانتظارات التي لا يعرف فيها مصير البلاد، ولا مشاريع الإصلاح والإنقاذ من دون تقدّم يذكر في خدمات يخصص فيها اللبناني جزءاً كبيراً من معاشه لتأمين والكهرباء (28%). وهذا ما يعكس واقعاً معيشياً يضغط على شرائح واسعة، حيث حذرت “يونيسيف” (منظمة الأمم المتحدة للطفولة) من أن أربع أسر من كل خمس في لبنان تواجه صعوبة في تحمّل كلفة الغذاء، وتدفع الأطفال إلى الجوع والتهرّب من التعليم والانخراط في العمل.
اللبنانيون مرهقون نفسياً من الأزمات المتتالية وواقع تتضاعف فيه الأعباء تحت ضغط تمدّد الحرب والنزوح وتعقيدات ديمغرافية تختلف معها الأوضاع القانونية والاجتماعية والصدمات، نتيجة التصعيد العسكري الذي بدأ في 2 مارس/ آذار 2026 الذي حصد أكثر من 4353 ضحية و12320 جريحاً خلال أشهر، ونزوح أكثر من مليون شخص ودمار طاول نحو 69 قرية ومدينة جنوبية. وليس أخطر ما يعيشه لبنان اليوم، الحرب الإسرائيلية بحد ذاتها، بل الطريقة التي يتعامل فيها المسؤولون مع نتائجها. فلم يعد هناك مكان للقبور في قرى الشريط الحدودي المدمرة، والبحث جارٍ عن أمكنة “ودائع موتى” في صور وصيدا وعكار، أو عن مقبرة وطنية جماعية لدفن الضحايا! والمشكلة ليست في الكآبة في حد ذاتها، بل في ما نفعله بها. والمكتئبون مقتنعون بأنه كان من الممكن سياسياً العودة إلى عصرٍ من الرفاهية، ويحلمون بإحياء ما عرفوه أو ما يتخيلون أنهم عرفوه في لبنان قبل الحرب، وتكرار عبارة “كان الماضي أفضل”، وهو أمر ليس بنّاءً كفاية لبناء المستقبل، بل وهم قاتل بأثر رجعي في المفهوم الفرويدي لليأس والندوب والعجز والاستياء. فعصر الوفرة هذا لم يكن سوى فترة استثنائية ولّدت بدورها عدم الاستقرار والهشاشة والأزمات الهيكلية وصعوبة تشكيل هيكل الإدارة الحديثة، التي تختزن اليوم حشداً من الموظفين “المعلبين” طائفياً ومذهبياً. ورغم الإجراءات التي اتخذتها حكومة نواف سلام لوقف الحرب ولتحسين ظروف البلاد والمضي بخيار الإصلاح، لكنها تبقى ضمن منطق العمل السياسي قصير الأجل، ومن دون تحوّلات جذرية، أو قوة كامنة تحولها إلى مسار وطني عام. فيأتي اليأس عند كل حراك دولي لرئيس الجمهورية جوزاف عون، أو مؤتمر دعم الجيش في باريس، أو زيارة سلام للأمم المتحدة ولقاءات الكونغرس، ولقاءات صندوق النقد الدولي. فالكل يتعاطى مع لبنان كأنه شبه دولة، وهم يعلمون بأنها فشلت منذ 50 عاماً في مدى قدراتها المحدودة للخروج من أزماتها، ولإطلاق مسار التعافي السيادي والنهوض الاقتصادي والاستثماري.

المكتئبون كثر، ومقتنعون بأن لا حلول قريبة في المنطقة، وبأنه كان من الممكن المباشرة في الإصلاح الداخلي والإنقاذ، واستخلاص الأطراف السياسية كل الدروس من تجارب الحرب

فقد اللبنايون إرادة أن يكون لهم منزل، تقاعد، عمل، مجتمع، رفاهية، مستقبل. وبدأوا يخسرون كل ما يمنحهم الشعور بالأمان. والحرب البربرية الإسرائيلية يعرفونها جيداً منذ عقود من السنين، تدمّر كل شيء، ليس فقط الجنوب الذي تغادره قوات حفظ السلام الدولية (يونيفيل). ليس كمجرد زمن سياسي، بل لجهة ما ينالهم من التداعيات في الرزق والمعيش، وقد ارتبط حضور القوة الدولية بتنفيذ مشاريع حيوية وتمويلها للمياه والكهرباء والطرق والمدارس والصحة والبيئة وخدمات عامة ومساعدات اجتماعية وتربوية لتعليم اللغات والرياضة، من دون أن يكون هناك من يملأ الفراغ، في أثر مباشر على الاستقرار والنهضة والاستثمارات، ما ينعكس على المجتمعات كافة، التي يمكن اعتبارها مجتمعاً واحداً، أو حتى وطناً.
المكتئبون كثر، ومقتنعون بأن لا حلول قريبة في المنطقة، وبأنه كان من الممكن المباشرة في الإصلاح الداخلي والإنقاذ، واستخلاص الأطراف السياسية كل الدروس من تجارب الحرب ونقدها ساحات لحروب الآخرين. فالمأزق الجماعي يستدعي مراجعة الخيارات وتحمّل المسؤولية عن نتائجها. لكن يتوقف هذا سياسياً عند تمسك حزب الله بسلاحه، كي لا يحكم على نفسه بالعجز، والاستياء عندما يؤكد مسؤوليته في الحرب، وعن تردي الأوضاع. فالتضحيات مهما عظمت، لا تمنح أحداً حق الوصاية على الناس وأمنهم وبيوتهم وحيواتهم. ويعكس هذا التشاؤم قلقاً من أن يبقى لبنان في حالة من الجمود، مقسوماً بين وجهتي نظر: الأولى حكومية، وعنوانها اتفاق الإطار وعدم التراجع عنه، فيما الثنائي الشيعي يراهن على إمكانية توصل طهران وواشنطن إلى اتفاق يكون فيه لبنان جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع، بدلاً من أن تكون عافيته واستقراره هدفاً وطنياً جامعاً، بدءاً من وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الأهالي إلى قراهم والإعمار. وهذا هدف من أجل لبنان نفسه، وليس من أجل أي طرف آخر. ليس الهدف فقط إزالة سلاح الحزب، أو مخاصمة إيران، بل من حيث مساعدة لبنان بحد ذاته لوقف قابليته للانفراط والانهيار.

اللبنانيون مستهلكون بشكل أفضل للكآبة، فيما تقترب الحكومة والعهد من إتمام سنتهما الثانية، والخسائر لا تتوقف، بشرية ومادية ونفسية

يأس منتشر على نطاق واسع من الهوس بالنظر في “مرآة الرؤية الخلفية”، ما يمنع تقدّم العمل سياسياً، مع أن حكومة سلام تتمتع بشجاعة على القيام بأمور سيادية مختلفة عن الماضي. وعلى الرغم من هذا، لا تتقدم الأمور بالسرعة والدينامية الكافية. ويلمس الداخل والخارج تردداً في تنفيذ التزامات معلنة، حيث لا مبادرات لحصر السلاح تعزز أوراق لبنان التفاوضية في الوقت الضائع. وعلى الرغم من المبررات التي يقدمها الموقف الرسمي لعدم إقدامه على خطوات تتسبب بمواجهات داخلية، أو حرب أهلية نتيجة ضعف الموقف حيال حزب الله ومواقفه المتشددة (مطمئناً إلى أن الدولة أضعف من أن تدخل معه في مواجهة مباشرة)، بما في ذلك إقناعه بخيارات غير محسومة في اتجاه الدولة، التي تبقى هدفاً وشرطاً لاستعادة باب الاستقرار الوطني السياسي والاقتصادي والمجتمعي، وفي طليعة مهامها قرار الحرب والسلم. ومعلوم أن الأمر يرتبط بتسويات تجريها الولايات المتحدة الأميركية في مفاوضاتها مع الجانب الإيراني، فيما بقاء إسرائيل في الجنوب قائم، وتواصل شنّ الغارات وتنفيذ عمليات تفجير واسعة لحين الحصول على ثمن سياسي من لبنان.
تزداد المرارة اللبنانية (هيدي مش عيشة)، ولم يعد لدى اللبنانيين القدرة على  الصمود بالحد الأدنى مقابل عدم التقدم في الواقع الداخلي، وفي انتظارات تطول لفرصة سياسية تأتي من الخارج ومفاوضات لحفظ ماء الوجه، ولانتزاع سيادة دخلت عليها مفاهيم مستحدثة على كل المستويات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، والأمل في البحث عن حياد ما، ولا يمكن تخيل شيء آخر قبل أن “تفرط” الأمور نهائياً، كأن يرتفع سقف المطالب الأميركية، ويدير العالم ظهره مجدّداً للبلاد سنوات مقبلة، ما يجعل اللبنانيين مستهلكين بشكل أفضل للكآبة، فيما تقترب الحكومة والعهد من إتمام سنتهما الثانية، والخسائر لا تتوقف، بشرية ومادية ونفسية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى