من السابقة إلى السياسة في المغرب

نور الهدى سعودي

عين ملك المغرب، محمد السادس، في 29 الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيلها، بعد تصدّر حزبها، الأصالة والمعاصرة، نتائج انتخابات مجلس النواب، تطبيقاً للفصل 47 من الدستور. للمرة الأولى، تصل امرأة إلى رئاسة الحكومة في المغرب، بعد انتخاباتٍ توقفت فيها نسبة المشاركة عند 38.08% من المسجّلين، بينما بقي نحو 62% خارج التصويت. يضع الرقمان المشهد الجديد أمام مفارقة يصعب تجاوزها: سابقة تقع في أعلى موقع حكومي، وقاعدة انتخابية ضيقة قياساً بحجم الهيئة المسجلة. تبدأ الولاية المقبلة من هذه المسافة بين اتساع الممكن داخل المؤسسة وضيق المشاركة في صنعها، وهي مسافةٌ سترافق الحكومة أكثر مما سترافق لحظة التعيين نفسها.
وتكتسب السابقة معناها السياسي من الطريق الذي سبقها، فالمنصوري تنسق منذ فبراير/ شباط 2024 القيادة الجماعية لحزبها، ضمن مسار حزبي يعود إلى مرحلة تأسيس “الأصالة والمعاصرة”، ودخل الحزب انتخابات سبتمبر وهي في مركز قيادته قبل أن ينتهي الاقتراع بتصدّره المشهد البرلماني. جاء التكليف بعد ذلك في المجرى الذي يرسمه الفصل 47 للحزب الفائز. بهذا المعنى، صنعت الحياة الحزبية شرط السابقة قبل أن تمنحها المؤسّسة الدستورية صورتها الرسمية، وهو ما يفتح سؤالاً أوسع عن الكيفية التي تنتج بها الأحزاب قياداتها، وعن قدرة هذا المسار على أن يصبح قابلاً للتكرار خارج حالة شخصية واحدة. وقد ارتبط اعتماد القيادة الجماعية سنة 2024 بفكرة الحدّ من شخصنة المشروع السياسي، بينما تنتقل المسؤولية حالياً إلى موقع تنفيذي شديد التركيز، سيقترن أداؤه باسم رئيسة الحكومة مباشرة.
غير أن الخريطة التي حملتها إلى المنصب لم تولد من قطيعة مع التجربة الحكومية السابقة. حصل “الأصالة والمعاصرة” على 97 مقعداً، و”التجمّع الوطني للأحرار” على 66، و”الاستقلال” على 65، وهي القوى نفسها التي شكلت الأغلبية المنتهية ولايتها، وتملك مجتمعة 228 مقعداً من أصل 395. انتقلت الصدارة داخل المجال الحكومي نفسه، وبقيت مكونات أساسية من حصيلة السنوات الماضية قادرة حسابياً على بناء أغلبية جديدة. هنا يصبح التغيير مسألة في توزيع المسؤولية أكثر منه انتقالاً بين مجالين منفصلين للحكم والمعارضة؛ فالقوى التي ستقدّم وعداً للمستقبل تحمل معها جزءاً من سجلها القريب، وسيقاس التجديد بمقدار ما يغيره الموقع الجديد في طريقة التسيير، لا بمجرّد تبدل ترتيب المقاعد.

القوى التي ستقدّم وعداً للمستقبل تحمل معها جزءاً من سجلها القريب، وسيقاس التجديد بمقدار ما يغيره الموقع الجديد في طريقة التسيير، لا بمجرّد تبدل ترتيب المقاعد

وتعيد نسبة المشاركة هذا كله إلى حجمه الاجتماعي. 38.08% هي الأدنى منذ انتخابات 2007. وتعدد دوافع الغياب يجعل القراءة السياسية أكثر حذراً، فغير المصوتين لا يشكلون كتلة ذات موقف واحد، إلا أن اتساع المسافة عن الصندوق يظل مؤشّراً على علاقة تحتاج إلى أكثر من موسم انتخابي كي تُستعاد. المقاعد تقيس موازين القوة داخل المنافسة، أما نسبة المشاركة فتكشف حجم المجال الذي جرت داخله تلك المنافسة. وربما يوجد هنا ما يستحقّ تفكيكاً أبعد من خطاب “العزوف” الذي كثيراً ما يحمل الناخب وحده مسؤولية ابتعاده: ماذا تصنع الأحزاب في السنوات الفاصلة بين اقتراعين كي يصبح حضورها جزءاً من الحياة السياسية اليومية، لا حضوراً يستعيد كثافته، كلما اقترب موعد التصويت؟
ستدخل الحكومة المقبلة هذه المسافة الاجتماعية وهي تحمل برنامجاً مرتفع السقف. وعد “الأصالة والمعاصرة” بإيجاد مليون منصب شغل صاف خلال الولاية، ووضع هدفاً لنمو متوسّط يقارب 5% بين 2027 و2031. الأرقام التي حملت وظيفة تعبئة انتخابية ستتحوّل، مع بدء الحكم، إلى معايير تستعاد عند تقييم الحصيلة. وفي 30 سبتمبر، أعلنت المندوبية السامية للتخطيط أن النمو في الربع الثاني من 2026 تباطأ إلى 4% بعدما بلغ 5.8% في الفترة نفسها من السنة السابقة. فصل اقتصادي واحد لا يكفي للحكم على ولاية كاملة، غير أنه يضع البرنامج منذ البداية أمام اقتصاد له إيقاعه وقيوده، ويجعل الانتقال من الوعد إلى القدرة الفعلية على التمويل والتشغيل جزءاً من المعركة السياسية نفسها.
يتضاعف ضغط هذه الوعود كلما اقترب أفق 2030. المونديال يسرع الاستثمار ويفرض رزنامة صارمة للإنجاز، بينما تتحرك المدرسة والمستشفى ضمن زمن اجتماعي أبطأ وأشد تعقيداً. في التعليم، يشير البنك الدولي إلى أن قرابة 60% من الأطفال في سن العاشرة كانوا، وفق معطيات 2023، غير قادرين على قراءة نصّ بسيط وفهمه بنهاية المرحلة الابتدائية. القيمة السياسية لأفق 2030 ستظهر في قدرة الدولة على نقل ثقافة الموعد والإنجاز إلى مجالاتٍ يصعب اختزال نجاحها في صورة افتتاح، فالمشروع الكبير يكتسب معناه الكامل عندما يمتد أثره إلى الحياة اليومية، وعندما يصبح تسارع الاستثمار قادراً على دفع الإصلاح الاجتماعي إلى إيقاع أكثر اقتراباً من انتظارات الناس.

المشروع الكبير يكتسب معناه الكامل عندما يمتد أثره إلى الحياة اليومية، وعندما يصبح تسارع الاستثمار قادراً على دفع الإصلاح الاجتماعي إلى إيقاع أكثر اقتراباً من انتظارات الناس

وفي الجهة الأخرى من أوجه نتائج الانتخابات، عاد حزب العدالة والتنمية بحصيلة من 54 مقعداً، واختار مجلسه الوطني بالإجماع موقع المعارضة. وقد سبقت اللغة التي دخل بها الحزب هذا الموقع اكتمال صورة الحكومة نفسها؛ ففي 24 سبتمبر رفع عبد الإله بنكيران سقف الخصومة مع الحزب المتصدّر، واضعاً تغيير الحكومة والعودة إلى الانتخابات ضمن أفق خطابه السياسي، في حين حملت كلمته أمام المجلس الوطني في 26 سبتمبر نبرة مغايرة، ربط فيها المعارضة بما ستفعله الحكومة ووصفها بالقوية والمعقولة وغير الشعبوية. المسافة بين الموقفين تفتح سؤالاً يتجاوز صاحبهما إلى معنى المعارضة نفسه: أتبني موقعها انطلاقاً من الخصم الذي وصل إلى الحكم، أم من السياسات التي ستصدر عنه وما يمكن أن يوضع في مواجهتها من بدائل؟ استعادة الوزن البرلماني تمنح الحزب مجالاً أوسع للمراقبة والمساءلة، وتضعه في الوقت نفسه أمام اختبار يتعلق بقدرته على تحويل الخصومة الانتخابية إلى اختلاف سياسي منتج، يجد معناه في البرامج والاختيارات أكثر مما يجده في مجرد تبدل المواقع.
تبدأ الولاية المقبلة من خريطة أعادت توزيع مواقع القوة داخل تجربة حكم لم تنقطع تماماً، في حين بقيت نسبة 38.08% حاضرة في خلفية المشهد أثقلَ رقمٍ تركته الانتخابات. وتدخل الحكومة مرحلة يتسارع فيها أفق 2030، بينما تستعيد المعارضة وزناً يسمح لها بإعادة بناء وظيفتها داخل المجلس. فهل تستطيع الحكومة تحويل وعودها إلى سياسة توسع معنى المشاركة خارج موسم الاقتراع؟ وهل تستطيع المعارضة أن تجعل استعادتها للقوة البرلمانية طريقاً إلى توسيع المجال السياسي نفسه؟ وكيف يمكن لحياة سياسية تصنع سابقة بهذه الدلالة أن تضيق المسافة بينها وبين معظم المغاربة الذين بقوا خارج اختيار من يمثلهم؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى