السياسة تهزم.. أمام مدن كسولة تدفن أموالها وتبحث عن طعامها

عصام اللحام

لا تشرق الشمس باكراً في هذه البلاد الكسولة، التي ما زالت عالقة في زمن الضحية، وتبحث عمّن تعاتبه وتحمله المسؤولية أكثر مما تبحث عمّا يمكن أن تفعله بنفسها.

يمكنك في سوريا أن تنطلق من دمشق فجراً نحو حمص وحماة وحلب من دون أن تزعج أحداً، لا أسواق، ولا ازدحام، ولا ضجيج عمل، الحركة تبدأ متأخرة، وتستيقظ المدن على مهل، كأنها تنتظر تموضع الشمس في كبد السماء قبل أن تعلن بدء يومها.

عندها فقط يبدأ الناس بالخروج إلى معركتهم اليومية بحثاً عن رزق لم يعد قليلاً بقدر ما أصبح صعب المنال، وربما أقل بركة أيضاً، بعدما أتت نيران الأسعار على كل شيء تقريباً، من الطعام والدواء إلى ما تبقى من أرواح وأحلام.

عام على الغياب.. وبلاد ما زالت تبحث عن نفسها

بعد عام من الغياب عن سوريا، تغيرت أشياء وتراجعت أخرى، تحسنت بعض الخدمات وبعض الطرق، لكن الغبار ما زال يعلو المدن الكبرى، وعلى رأسها دمشق التي تحولت إلى ورش عمل متفرقة؛ أنقاض تُزال وأساسات تُصب، في حين تتعثر مجتمعات سكنية كاملة بانتظار تجاوز مشكلات الاستملاك وحقوق الناس والإجراءات التي لا تنتهي.

بلاد تدفن أموالها

يبدو أن السوريين وجدوا ضالتهم الوحيدة في العقارات، يدفنون ما أنتجته أموالهم في الحجر والإكساء والأرض.

تكاد لا ترى حركة اقتصادية أوضح من حركة شراء العقارات القائمة والمهدمة وشراء الأراضي والمضاربة عليها، بات الحديث عن العقارات يكاد يكون الحديث الوحيد.

ونادراً ما يجمعك القدر مع شخص يبحث عن مصنع أو مشروع إنتاجي أو استثمار قادر على خلق وظائف أو جلب عملة صعبة أو صناعة قيمة مضافة، كل ما هنالك مزيد من المتاجر ومزيد من العلامات التجارية ومزيد من المنافسة على الأسواق نفسها.

خلال سنوات الثورة والحرب تعرضت الصناعة السورية لعمليات تهشيم متواصلة، وبعد التحرير تلقت ضربة من نوع مختلف، فُتحت الأسواق، وهو أمر لا مفر منه، لكن ما تبقى من الصناعة المحلية وجد نفسه فجأة في مواجهة منتجات أكثر جودة وأرخص سعراً وأقوى تمويلاً، فعاشت صناعات كثيرة حالة تشبه الاحتضار البطيء.

الخبز أهم من السياسة

بعد التحرير بأيام، كان السوريون يخوضون حوارات سياسية عالية السقف، متنوعة وبنّاءة، حول الدستور وشكل الدولة والانتخابات واللامركزية والتمثيل السياسي.

اليوم تكاد السياسة تغيب، أو على الأقل تفقد موقعها في مقدمة الاهتمامات، كل الأنظار تتجه نحو الاقتصاد، نحو الكهرباء، نحو الخبز، نحو المياه، نحو القدرة على احتمال شهر إضافي.

ولعل هذا طبيعي في بلد تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن 90 في المئة من سكانه يعيشون في الفقر، بينما يعيش 66 في المئة منهم في فقر مدقع، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن ثلثي السوريين يعيشون بأقل من 3.65 دولارات للفرد يومياً.

في بلد بهذه الأرقام يصبح الخبز أكثر إلحاحاً من الدستور، ويصبح الراتب أكثر أهمية من النقاشات الكبرى، ويتحول البقاء نفسه إلى مشروع يومي.

النجاة

لا حديث جدياً عن تنظيم يتجاوز حدود الأحياء، وتكاد تنحصر أعمال كثير من اللجان المحلية بين إصلاح رصيف أو إزالة قمامة أو ترميم مدرسة أو تقديم مساعدة لعائلة محتاجة.

وحتى هذه اللجان لا تحظى دائماً بشرعية واضحة أو تمثيل متفق عليه، وحين يحين وقت نقل مطالب الناس إلى السلطة تبدو غائبة أو عاجزة أو مترددة، ويترك الأمر للشارع، شارع ممتلئ بكل شيء، بالغض، بالحرمان، بالرغبة في التعويض، بالرغبة في الانتقام أحياناً.

فتأتي المطالبات متفرقة ومبعثرة، قبل أن تضيع تحت ضغط عبارة واحدة:

“عيب… لا يشمت بنا الفلول”.

أحزاب تستيقظ ومجتمع ما زال متعباً

في الأثناء، تعود الأحزاب الكلاسيكية إلى العمل بصمت، من اليمين إلى الأحزاب اليسارية، فهي تعرف العمل الحزبي وتتقنه.

أما السوريون فما زالوا يتدربون على النجاة من فخاخ الموت والجوع والخوف، وغير واضح هو الزلزال المطلوب لتحريك الروح العامة من جديد، لكن ما هو معروف أن المجتمعات لا تبقى طويلاً في المنطقة الرمادية.

الأمن يتحسن.. والجوع يتقدم

تبدو أولوية السلطة واضحة، إعادة بناء المنظومة الأمنية والعسكرية واحتكار العنف، وقد نجحت نسبياً في ذلك.

فالغالبية تكاد تتفق على أن الأمن تحسن، وأن حضوره بات ملموساً في الطرقات وبين المحافظات وداخل المدن، لكن لم يصل بعد لمرحلة الاستقرار التام فتوثق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقريرها عن الربع الثالث من عام 2026، مقتل ما لا يقل عن 176 شخصاً، بينهم 15 طفلاً و10 سيدات، إضافة إلى كادر طبي وعنصر من الدفاع المدني وشخص قضى تحت التعذيب، فضلاً عن مجزرتين موثقتين.

هذه ليست أرقام بلد مستقر بعد، بل أرقام بلد يحاول الاستقرار، ومع ذلك، تبدو هذه القضية أقل إلحاحاً عند كثير من السوريين من قضية الجوع نفسها.

فمن ينجح اليوم في الإفلات من مصيدة الدَّين وتأمين كفاف يومه يكاد يكون بطلاً قومياً.

الخوف الذي يؤجل الانفجار

لا أحد يخفي خوفه على البلاد، أو بصورة أدق، خوفه من خسارة البلاد، خوفه من عودة الفلول، أو من تدخلات الخارج، أو من ضياع الفرصة التي يعتقد كثيرون أنها قد لا تتكرر.

ولهذا يعض السوريون على جراحهم وأوجاعهم وجوعهم، لكن إلى أي مدى يستطيعون الاحتمال؟

لا أملك جواباً، كل ما أعرفه أن مشكلة هذه البلاد لم تكن يوماً قابليتها للاشتعال، بل سرعة اشتعالها، ومفاجأة لحظة الاشتعال.

أخيراً

ما كتبته هنا ليس دراسة ولا تقريراً اقتصادياً ولا بحثاً سياسياً، إنها مجرد محاولة لفهم ما رأيته بعد عام من الغياب، محاولة لتسجيل لحظة من عمر بلد ما يزال يتشكل كل يوم.

قد أكون مصيباً في بعض ما رأيت، وقد أكون مخطئاً في بعضه الآخر، لكن ما خرجت به من هذه الزيارة أن سوريا اليوم ليست بلداً منشغلاً بالسياسة كما تبدو على شاشات التلفزيون.

إنها بلاد تبحث عن طعامها.. وتدفن أموالها في الحجر.. وتنتظر، بصبر يثير الإعجاب والخوف معاً، أن يأتي صباح مختلف.

ومشكلة هذه البلاد لم تكن يوماً قابليتها للاشتعال، بل سرعة اشتعالها، ومباغتة اللحظة التي تشتعل فيها.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى