أولويات الأجندة السودانية

عمر العمر

وسط مشاهد الانهيار السودانية برزت موجة جدل فكري عابرة تمنح ثقة في معافاة شريحة نخبة سودانية من فجاجة مستنقع الحرب، لكن من المجدي أن يتجاوز هذا الجدل تفسيرَ المواقف السياسية الراهنة أو السابقة. حينئذٍ يعطل تبادل المساهمات إيقاعَ التقدم الفكري، حيث تصبح مرافعاتٍ تشرح (وتبرّر) الانتماء السياسي بشقّيه الفكري والنضالي. هذا ملمح غالبٌ، إذ انغمس الجدل بين المتحاورين في محاولات الفصل بين المانيفستو السياسي وأدوات النضال. هذا نهج لا يعين المتحاورين على الانعتاق من أغلال الماضي برؤى غايتها إضاءة المستقبل. الأفضل تجديد المقاربات التقليدية للإشكالات السودانية المزمنة، فالعزف على أوتار الاستعلاء العرقي والتهميش الجهوي، مثلاً، سينفد ذخيرة من القدح الذهني، من دون بلورة لحن قومي يرقص الجميع على إيقاعاته طرباً. ربما لو صوّب المتحاورون جهودهم لجهة إصلاح حال الدولة المركزية، مثلاً آخر، باعتبارها بؤرة الضعف السوداني، لأمكن إحداث تقدّم على جبهة الوحدة الوطنية.

***

الموجة المثيرة للاهتمام مشبّعة بموضوعية لا تخطئها عين العاقل، لكنها لم تنج من اللجوء إلى الشرح والتبرير في تفسير المواقف الذاتية، لذلك اختلط الخاص بالعام، بل ربما غلب الأولُ على الآخر. هذا عنصر إرباك يضيف الى المشهد الوطني تعقيداً بدلاً من الذهاب لجهة تفكيك الأزمة، فالجدل يطول ولا ينتهي حينما ينفتح على الفرز بين الرؤى الفكرية والأدوات النضالية لأي تنظيم سياسي أو عسكري. هذا منطق ملتبس عرضة للتبرير أكثر مما هو للإقناع، فعقيدة التنظيمات السياسية (المسلحة خصوصاً) لا تحتمل هذا الفصام إلا في حال الاستثمار المؤقت. هذا ترفٌ لا يحلّله التنظيم لأعضائه القدامى، بينما قد يبيحه لقادمين جدد، بغية تحقيق كسب رخيص. من هنا يفتقر الحديث عن الفصل بين الفكر والبندقية داخل تنظيم سياسي مسلح إلى رشد المنطق، بل إنه ليس إلا محاولات تبرير عاطلة عن رجاحة الفكر.

***

فكما لدى التنظيم السياسي مشروعٌ وطني، فإنه يختار لتنفيذه أدواتَ تحقيقه. هي وسائل تتراوح بين النضال السلمي أو العمل المسلح. وربما المزاوجة بينهما، لكن الأعضاء ليس لديهم فقط حق المفاضلة بين الوسائل، بل هم مجبورون على الالتزام بتكريس جهودهم وإمكاناتهم التزاماً بخدمة المشروع، فللتنظيم هيمنة استثمار أفضل ما لدى أنصاره من قدرات، ولكن ليس للأعضاء رفاهية حرية الاختيار بين أدوات تنفيذ المشروع. هناك فالق فارقٌ بين توظيف مساهمات أصحاب القدرات الإبداعية في الفكر والثقافة وهرطقة أصحاب الادعاءات بحرية انتقاء المسار الفكري، ونبذ حمل البندقية داخل التنظيم المسلح، فالقيادة العليا (وهي ذات الطابع العسكري غالباً) هي مصدر القرار في توظيف الطاقات، لذلك كثيراً ما يكابد حملة الفكر من هيمنة حملة البندقية داخل التنظيم السياسي. حتى حينما لا يكون التنظيم ذا طابع عسكري، يعاني أهل الفكر من سطوة ضباط الإدارة التنظيمية، إذ يمثلون مراكز القوى الغالبة داخل التنظيم.

حينما لا يكون التنظيم ذا طابع عسكري، يعاني أهل الفكر من سطوة ضباط الإدارة التنظيمية، إذ يمثلون مراكز القوى الغالبة داخل التنظيم

***

بقدر ما هناك من تقاربٍ بين إطفاء نار الحرب وبناء السلام وإعادة بناء الدولة توجد فواصل تقتضي ترتيب المهام، بحيث تصبح كل مرحلة مكملة للسابقة. كما توجد مؤهلات وشروط لرجال كلٍّ منها، فمن المستحيل إعادة بناء الدولة قبل إحلال السلام. كما أنّ بناة السلام ليسوا هم رجال تسوية إنهاء الحرب. هؤلاء هم قادة العمليات القتالية الميدانية. أما بناة مرحلة السلام فهم أصحاب عقول تخطيط مسارات الخروج من تحت الأنقاض إلى غُرف النقاهة ثم آفاق البناء والتعمير. ربما تندرج مهمة إعادة بناء الدولة ضمن أجندة عملهم، لكن إعادة بناء الدولة تتطلب مؤهلات أوسع تضيف مهارات السياسة إلى التخصصات. من هنا يصبح وقف الحرب (ليس إنهاؤها) البند الأول ذا الأولوية القصوى على أجندة العمل السوداني الوطني. هكذا تصبح محاولة نصب طاولة للحوار السياسي، بغض النظر عن أطرافها أو أجندتها، قفزة في المجهول. إنها تضع حصاناً أمام العربة، إذ تتجاهل نداء الساعة السودانية الأعلى نبرة والأكثر إلحاحاً، وهو وقف الاقتتال. تهيئة مناخ السلام يبدأ بعد إسكات المدافع والمسيرات، وتهيئة إعادة بناء الدولة يبدأ عقب استرداد السلام.

إعادة بناء الدولة مسألة تقترن أكثر من غيرها بما تسمّى “جذور الأزمة“

***

إعادة بناء الدولة مسألة تقترن أكثر من غيرها بما تسمّى “جذور الأزمة”. أو هكذا ينبغي مقاربتها، فكل العناوين المتداولة ضمن هذا الباب المفتوح على الماضي، بما في ذلك غياب العدالة، وبطء وتيرة التنمية، وضعف حركة التقدّم، ومعاناة وطء التهميش، كلها ناجمة عن قعود مؤسسة الدولة، بل هي إنتاج تلقائي لهذا العجز، ففي إعادة بناء الدولة لا ينبغي التركيز فقط على بعث مؤسّساتها، بل الأجدى صبّ الجهود على معالجة كيفية استنهاض قدرات الدولة من أجل بسط نفوذها وتعبئة مواردها وتوفير الخدمات على كامل ترابها، فحينما تصبح الدولة قادرة على الوفاء بواجباتها والتزاماتها السياسية والاجتماعية ينتفي وجود ثغرات الشكايات من معاناة الأطراف والتهميش والاستعلاء في كل صورها. كلها عاهاتٌ ناجمة عن ضعف الدولة المركزية، فتتشكّل فراغاتٌ تسمح بظهور مجموعات مطلبية وجماعات ضغط تتخذ أشكالاً متباينة بدءاً من زعماء المناطق والعشائر، مرور بأمراء الحرب، وصولاً إلى منظمات وحشود عابرة للحدود.

***

ليت الجدل يطاول في تجاوز المقاربات التقليدية للأزمة السودانية الفرز بين سيادة الدولة وسيادة الأمة، فالأولى تختص بعلاقة الدولة وترابها الوطني، بينما تهتم الأخرى بعلاقة الدولة والشعب. وكثيراً ما يدور الجدل السوداني على الأولى، حينما ينفتح الكلام عن إعادة بناء الدولة، لكن الحديث يغفل ويتجاهل سيادة الأمة، وهي مفتاح بناء الوحدة الوطنية، فسيادة الأمة لا تعني فقط بسط هيبة الدولة على محيطها الجغرافي، بل أكثر من ذلك تركز على هوية الشعب وطموحاته، وتعزيز مفهوم المواطنة، وصون كرامة المواطن. هذه هي الدروب المفضية إلى السلام والاستقرار والبناء والرفاهية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى