
باتت تفصيلات المعروض أمام القضاء العراقي من قضايا فساد ونهب للمال العام تفوق أشد الخيالات جموحاً، خصوصاً وقد وثقت بما عثر عليه من عملات نقدية (دولار ودينار) بالمليارات، وأكوام من الذهب، وكشفت عن أساليب إخفاء تجاوزت كل ما عرف في حالات مماثلة في بلدان أخرى ابتليت مثل العراقيين بآفة الفساد، وإنْ على نحو أقل وطأة. وفي الحالة العراقية الماثلة، أخفيت العملات النقدية داخل الجدران، وفي أنابيب المجاري، وفي حفر مردومة بالطين، فيما استقرّت كرات الذهب في حقائب وصناديق لا تثير الشبهات، وذلك كله لكي لا تصل إليها العيون.
آخر حلقات هذا المسلسل صدور أحكام قضائية بالسجن، واسترداد عملات نقدية تصل إلى مليارات وحلي ذهبية عن كسب غير مشروع في ثلاث قضايا فساد، الواحدة منفصلة عن الأخرى، أبطالها أعضاء في البرلمان، امرأتان ورجل، نعم أعضاء في البرلمان، يمثلون الشعب، ويدافعون عنه وعن حقوقه!
يذكّر هذا المسلسل المثير بحكاية بائع البطيخ الذي قدم إلى بغداد ومعه سبع بطيخات بهدف بيعها هناك، وكان كلما مر بسور من أسوارها الستة استولى الحارس على واحدة من بطيخاته، وعندما وصل إلى قلب المدينة لم يبق لديه سوى بطّيخة واحدة، فقرّر أن يشكو الأمر إلى الملك، وعندما قابل الملك استولى الأخير على البطيخة السابعة، وأمر بسجنه، عندها قال للملك: لقد تأكدت الآن أن ولايتك يا سيدي هي ولاية بطيخ.
شكلت “العملية السياسية” الماثلة على مدى الأعوام العشرين السالفة في العراق المناخ المناسب لشرعنة ظاهرة الفساد
تتكرّر حكاية “ولاية بطيخ” في العراق منذ أزيد من 20 عاما، وتتناسل يوميا، وفي كل مرة تتساقط أسماء كبيرة، ومواقع خطيرة، وزراء سابقون، وبرلمانيون، ووكلاء وزارات، وأيضا شخصيات تتظاهر بالتقوى والنزاهة، بعضهم أخذ الجمل بما حمل وهرب، وشفعت له جنسيته الثانية للاستقرار في البلد الآخر، وآخرون التصقوا بكراسيهم، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منهم. أكثر من هذا، هناك من نصح هيئات النزاهة والمحاكم بعدم الاقتراب من “حيتان” الصف الأول، لأن هذا قد يؤدّي إلى سقوط المعبد على ساكنيه. … وللعلم فقط، حصيلة الأعوام العشرين من المال المنهوب وصلت إلى أكثر من تريليوني دولار بشهادة منير حداد مستشار رئيس الحكومة.
ما العمل إذن؟ … يحتاج هذا كله إلى وقفة تؤسس لواقع اجتماعي وسياسي جديد لا يعتبر الفساد مجرّد ظاهرة عابرة أو سلسلة من السلوكيات غير النزيهة التي تشرعن اختلاس المال العام باعتباره “مالاً سائباً” يدخل في ملكية من يعثر عليه، ويتم التعامل به على هذا الأساس حتى من قبل أحزاب وكتل ترفع راية مكافحة الفساد في صدر برامجها الانتخابية ثم سرعان ما تطويها بعد أن قد تكون قد وصلت إلى المواقع التي توفر المال والذهب.
نحن أمام نظام معقد ومتعدد الشبكات يعمل على كسب الولاءات، والحفاظ على الامتيازات، وإسكات صوت الشعب، وفي هذا النظام ينظر من هم في السلطة إلى عملية الاستئثار بالموارد العامة باعتبارها الوقود الذي يُبقي ماكينة السيطرة على المجتمع شغالة دائما، ولا ننسى التأثير المتعدد الأوجه لهذه الظاهرة الشريرة، والذي لا يقتصر على حجم الأموال المستغلة، بل يقوّض أسس الثقة، ويجعل المواطنين يشعرون بأن لا قيمة لأصواتهم، كما تعيق هذه الآفة الاستثمارات الوطنية والأجنبية مُحوّلةً البلاد إلى منطقة عالية المخاطر تزدهر فيها المليشيات ومافيات الجريمة المنظمة التي تجني الأرباح عبر صفقات غامضة.
معضلة لا سبيل لحلها من دون إسقاط “العملية السياسية”، وإعادة هيكلة المؤسسات وفق معايير أخلاقية حديثة
ولا يمكن أن يختفي هذا كله بمجرد إحالة صغار “الحيتان” إلى القضاء، أو حتى بسنّ قوانين أو إنشاء مؤسسات وهيئات تُصبح، في نهاية المطاف، جزءاً من المشكلة، بل ينبغي أن تتكرّس مبادئ الشفافية مدعومة بنظام مفتوح، تكون البيانات فيه متاحة للجميع، مع إشاعة قيم احترام الملكية العامة، والعمل على إعادة بناء الدولة على أسس النزاهة والوطنية والإخلاص.
ما هو مطلوب إذن تغييرٌ جذريٌ في بنية النظام، خصوصاً وقد شكلت “العملية السياسية” الماثلة على مدى الأعوام العشرين السالفة المناخ المناسب لشرعنة ظاهرة الفساد وتقنينها، ولخداع السواد الأعظم من المواطنين الذين أصبحت بالنسبة إليهم زيارة مراقد الأئمة، وممارسة اللطم، قدس الأقداس التي تصرف عقولهم عن القضايا الحيوية والهامة، وتشيع لديهم القناعة الزائفة التي تقوم على انتظار من يأتي ليقيم دولة الحق والعدل.
نحن إذن أمام معضلة لا سبيل لحلها من دون إسقاط “العملية السياسية”، وإعادة هيكلة المؤسسات وفق معايير أخلاقية حديثة تضمن تداول السلطة والخدمة العامة، وتمنع حدوث ظواهر شاذة كالتي نلاحظها اليوم. وبغير هذا يظل “الحيتان” الكبار في مأمن، ويظل المواطنون ينتظرون مجيء “غودو” الذي قد لا يجيء.
المصدر: العربي الجديد






