عبد الناصر…. ذكرى الرحيل

د. مخلص الصيادي

“نعيش معك.. نسير معك.. نجوع معك……وحين تموت! نحاول ألا نموت معك”

محمود درويش … قصيدة الرجل ذو الظل الأخضر

للشعراء تجلياتهم، واستقراءاتهم للمستقبل، فالشعر الصادق فيه من الإلهام الكثير. يوم أن قالها الشاعر الفلسطيني الكبير، الراحل محمود درويش، ما كان أحد يعتقد أن وقائع الأحداث ستجري في المسار التي جرت فيه، وكان أكثر الناس حذرا وتهيبا من المستقبل ينظر إلى ما تطرحه هذه القصيدة باعتباره تنبيه وحذر أكثر مما هو رصد لما ستأتي به الأحداث.

عشنا معك يا عبد الناصر، من يوم أن عرفناك وأنت تطوي ورفاقك صفحة من صفحات تاريخ مصر، وتفتح صفحة أخرى، تكون فيها مصر على سجيتها، قلب أمتها العربي، وقلب عالمها الإسلامي، ومنارة الشعوب الواقعة تحت سيطرة المستعمر، وتحت أغلال الفقر والتخلف والتبعية، والمتطلعة إلى التحرر والتقدم والاستقلال.

عشنا معك في موقفك، موقف مصر العظيمة من ثورة الجزائر، ومن التهديدات التي كانت تحيط بسوريا، وتعرفنا على موقفك الخالد من تحرير الاقتصاد الوطني وجعله في خدمة الشعب وقوى العمل والإنتاج فيه، وذلك حين مكنت الفلاح المصري من تملك الأرض بقانون الإصلاح الزراعي، وهو “القانون / الفكرة” التي كانت الأحزاب تتصارع عليها دون أن تجرؤ على دفعها لواقع التنفيذ، وفي موقفك يوم أن أعلنت شامخا أن مشروع السد العالي العظيم سيبنى بأموال المصريين، بعد أن أرادت القوى الغربية ـ عبر سيطرتها على مصادر التمويل الدولية ـ أن تجعل من مشروع بناء السد ـ  مدخلا للتحكم بمستقبل مصر الاقتصادي، فأعلنت بشموخ غاب عن حياتنا طويلا أن في مرفق قناة السويس ما يُمكًن من بناء هذا المشروع الحيوي لنهضة مصر، فأعلنت تأميم القناة التي حفرها المصريون بسواعدهم ورووها بدماء أبنائهم، ثم فرط فيها الحكام تخاذلا أمام القوى الغربية، وتحقيقا لنزواتهم وحفلاتهم.

عشنا معك وأنت تقف على منبر الأزهر الشريف ترفض الإنذار الاستعماري بالاستسلام وتعلن: سنقاتل… سنقاتل. وتواجه عدوانا ثلاثيا تآمرت فيه فرنسا وبريطانيا مع الكيان الصهيوني لتجهض مسار مصر التحرري النهضوي.

عشنا معك وأنت تحتضن الحنين السوري للوحدة مع مصر حفظا لاستقلال سوريا، ومنعة لها من الأطماع التي كانت تحيط بها، وتحقيقا لمسار تاريخي يفرض وحدة الأمة العربية الممزقة، وقد حملناك في قلوبنا وعقولنا وأبصارنا قبل أن نحملك على أكتافنا وأن تزور الإقليم الشمالي رئيسا للجمهورية العربية المتحدة، التي ولدت فكسرت أسوار ” سايكس ـ بيكو”، مخترقة المحرمات ومعلنة ولادة فجر جديد للأمة.

عشنا معك بالألم والأمل يوم أن نجحت قوى الردة في حياكة مؤامرة الانفصال، وتمكنت من هدم أول وحدة في تاريخ العرب الحديث، وشوهت الفكر والتاريخ والانتماء القومي للحياة الوطنية السورية، وراح أبواق صناع هذه المؤامرة يتعللون مرة بدور قرارات التأميم في التحريض على الانفصال، ومرة بأن سوريا حكمت في عهد الوحدة بالأجهزة الأمنية، ومرة بأن تكاليف الوحدة كانت ثقيلة على الاقتصاد السوري، وكل هذه أقوال مرسلة لا تقوم فيها حجة، ولقد حسم الشعب السوري موقفه من هذه الطغمة منذ اليوم الأول، وكانت المقاومة المستمرة والمتصاعدة دليلا على عمق وعي الشعب لمسألة الوحدة، ولم يستمر حكم الانفصال الرجعي أكثر من سنة ونصف السنة، وكان حكما مهلهلا شهد خلالها  تشكيل خمس حكومات جاء عمر أطولها ـ وهي حكومة خالد العظم ـ ستة اشهر.

عشنا معك وأنت تبذل جهودا جبارة لبناء تجربة وحدوية جديدة في العام 1963، تجمع مصر مع سوريا والعراق… وأنت تقدم عرضا واضحا وصريحا وحاسما يكشف حقيقة التآمر الذي جرى على دولة الوحدة، ودور البعث فيما جرى، وتحذر من أوهام النظر الى الوحدة بأنها مدخلا لمكاسب حزبية ضيقة، بدل أن تكون إنجازا لهدف قومي استراتيجي يغير خارطة المنطقة وموازنها.

وكنت تحاول ألا تتكرر التجربة المرة للبعث مع دولة الجمهورية العربية المتحدة، في مشروع ميثاق الوحدة الثلاثية وقد كان الوجود البعثي في الوفدين العراقي والسوري كبيرا، وقد صدق حدسك وتخوفك، وظهر سريعا أن البعث الذي جعل الوحدة أولى شعاراته كان منذ ذلك الوقت حزبا انفصاليا بامتياز، وكان محاربا ومتصديا لأي قوة أو جهد وحدوي، حتى لو جاء هذا الجهد بين بلدين يحكمها الحزب نفسه.

عشنا معك وأنت تحول مصر إلى قبلة لكل العرب، ولكل حركات التحرر، ولكل المظلومين في العالم، لكل أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، وتجعل من الأزهر الشريف القلعة التي يأوي إليها عشرات الآلاف من طلاب “علوم الدين والدينا”، فيعودون إلى بلادهم وقد تحرروا من ذل التبعية الفكرية للغرب الاستعماري، ومن أوحال الجهالة بدينهم.

وتغلبت متسلحا بالتفاف الشعب وقواه داخل مصر والعالم العربي، على كل محاولات خنق الثورة بالحصار الاقتصادي التي حاولتها الولايات المتحدة وحليفاتها. وحملت حادثة الباخرة كليوباترا في 13 / 4 / 1960 وجها من أوجه مكانة مصر وتأثيرها وقدرتها على مواجهة الحصار.

عشنا معك النهضة الصناعية، والتقنية، والزراعية، التي تحققت، فرفعت مصر إلى مركز مهم في سلم الدول الناهضة، فيما كانت البلاد تخوض في الوقت نفسه، معارك مختلفة على أكثر من صعيد.

وحين سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نسبة النمو الاقتصادي في مصر ما بين 1960 / 1965 أشار إلى نحو 6،5% بالمئة وفق تقدير البنك الدولي، فيما سجل نمو الدخل الفردي الحقيقي نحو 3،6%. وهذه أرقام مهمة جدا عالميا، وذات دلالة أكبر في ظروف مصر.

عشنا معك وأنت تتخذ قرارك العظيم بدعم ثورة اليمن، ومحاولاتك التي لم تنقطع لمنع تحويل هذا الانتصار لثورة شعب شقيق عربي عزيز إلى “ثقب أسود” يحاول أن يودي بثورتك وبإنجازاتك وبقيادتك.

عشنا معك وأن تتابع بقلق ثوري مشروع نجاح القوى الاستعمارية في الانقضاض على قوى التحرر وثوراتها في دول عدة في إفريقيا وآسيا. وكان إحساسنا من إحساسك بأنك ستكون المستهدف في مسار هذا الهجوم الغربي، وقد كان، وجاءت هزيمة / نكسة حزيران / يونيو لتكون عنوانَ ذلك الاستهداف، مستعينة بكل الأمراض والعيوب والثغرات التي تنمو في جسد الثورة والنظام والأداء. وكذلك بما كان يعشعش في جسد النظام العربي من اختراقات وأمراض، بل وأوبئة.

عشنا معك وأنت تتقدم لتحمل مسؤولية النكسة / الهزيمة، وحدك، رغم أنك لست وحدك المسؤول عنها، لكن هذا شأن القيادة الحقيقية التي تحمل العبء كله، وقد رد الشعب على الموقف العظيم بتحمل مسؤولية ما حدث، فتقدم هذا الشعب ولأول مرة في التاريخ المعروف إلى “القائد المهزوم” يطلب منه البقاء حتى تسترد الأمة عافيتها، وتسترد كرامتها، وفي هذا القرار الشعبي ـ الذي خضع له النظام العربي ـ ثقةٌ لا محدودة بصدقك في عملك وقولك وإخلاصك، وفي قدرتك على تحمل المسؤولية، وقد كان، وبدأت تعيد لنا الأمل في استعادة الكرامة، ولم يمر أكثر من ثلاثة أسابيع على ذلك اليوم الأسود إلا وعادت القوات المسلحة المصرية لتقوم بدورها المشرف المعهود في التصدي للعدو، ولم يتوقف هذا المسار من معركة  رأس العش في الأول من يوليو / تموز 1967   حتى رحيلك في 28 / 9 / 1970، وقد جهزت الجيش والشعب والأمة لمعركة التحرير.

عشنا معك نتشرب منك مواقف العز والكرامة والإخلاص وأنت تعلن في أقسى المواقف، والمراحل، الالتزام بالقضية الفلسطينية: الأرض والمقدسات والشعب والمقاومة، وتعلن بوضوح: “أن المقاومة الفلسطينية وجدت لتبقى ولسوف تبقى حتى تعيد تأسيس وطنها الفلسطيني وحتى يمارس هذه الوطن دورة في النضال الشامل لأمته العربية”، وأنه في معركة إزالة آثار العدوان فإن الضفة وغزة والجولان لهم الأولوية على سيناء.

وحين انتهضت لوقف المأساة في أيلول الأسود في الأردن، كنت تضع آخر لحظات حياتك، وآخر إنجازاتك، وآخر مشهد لك في دنيانا في ميزان القضية الفلسطينية، التزاما وشرفا ومسؤولية.

عشنا معك كل هذه المسيرة، ولم تكن كلها وردية، ولم تكن كلها انتصارات، وإنجازات، كان فيها هزائم ونكسات، ومراحل ضعف، وقرارات جانبها الصواب، لكن المسيرة كلها كانت مسيرة كرامة، وعزة، وإباء.

كان العالم يعرفنا من خلال ناصر، وكان العالم يخافنا أو يخشانا، أو يحترمنا، أو يتحالف معنا، من خلال ناصر.

كنت بتوجهك وتطلعك حاضرا وكنا معك في كوبا، وفي تشيلي، وفي الأرجنتين، وفي الكونغو، وفي تنزانيا، وفي بقاع كثيرة من العالم. وكنت تبني إطارا للمواقف الدولية العادلة من خلال بناء حركة عدم الانحياز، وكنا حاضرين معك في هذا المسعى.

كنا معك وكنت تمثلنا خير تمثيل وأنت تحاور وتتبادل الرسائل الحضارية مع الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي، الذي كان يحمل بشاراتٍ لدور متميز للولايات المتحدة، دور لم تكتب له فرص الولادة.

منذ أن ظهرت في عالمنا يوم 23 يوليو / تموز 1952، وحتى رحيلك في 28 / سبتمبر / أيلول 1970، كنت وكنا من نسيج واحد، وفي مسار واحد، فيك تَجَمًع حاضر أمتنا، وكذلك تاريخها الحضاري والأخلاقي والديني، ولأن وعيك استطاع أن يتمثل ذلك كله، فقد استطاع مشروعك النهضوي الوحدوي أن يستوعب ما تريده الأمة لنفسها، ومسؤوليتها تجاه محيطها وإقليمها والعالم.

ورحلت ولما تتجاوز 52 عاما، كان ذلك مفاجئا، وقيل في تفسير رحيلك الكثير، قال البعض: قتلتموه بمشاكلكم وهمومك واستهتاركم. وقال البعض: بل بالسم قتل. وقال آخرون: وصل إليه الأعداء فاغتالوه، وقيل: ما زال الوقت مبكرا للتعرف الى طرق التخلص من ناصر، وقيل، وقيل… لكن الحقيقة المؤكدة الصارخة أنه رحل، وأن من جاء بعده، وما جاء بعده على مدى الفترة الماضية كلها كان اغتيالا لعبد الناصر ومحاولات لم تتوقف لتصفية آثاره ومشروعه ومنجزاته، وتطلعه والروح الوطنية والقومية والتحررية والدينية التي استند إليها وتغذى منها.

منذ رحيلك قبل ستة وخمسين عاما، ونحن نحاول أن نتصدى لكل القوى التي تعمل لأجل أن “نموت”، ونحاول ألا نموت، ونحن على يقين، يقين المؤمن بأن هذه الأمة لا تموت، وأن هذا المشروع الذي استوعبه ناصر من تاريخنا، وحمله بصدق وعزيمة وشرف مستهدفا ـ  ومعه قوى الأمة الحية ـ مستقبلنا، لا يمكن أن يموت، ولا يمكن أن يستبدل بغيره، ولا يمكن أن يتم تجاوزه حتى ينجز هو ذاته.

“نعيش معك ،، نسير معك .. نجوع معك.. وحين تموت نحاول ألا نموت معك”.

في هذه المناسبة الحزينة التي تجمع بين يومين أسودين: يوم رحيل جمال عبد الناصر، ويوم نجاح مؤامرة فك عرى الجمهورية العربية المتحدة، مررت عبر وسائل التواصل الاجتماعي على الكثير من المقالات والرسائل والتعليقات، وقد أتى أصحابها على كثير مما ذكرت.

لكن مقالة واحدة كتبها صديق صدوق، وأخ عزيز، كتبها استحضارا من ذاكرته لذلك اليوم الحزين، يوم الرحيل، فقدمها طرية طازجة ببراءتها ببساطتها، شدتني بقوة، وجاء فيها:

((يوم الثامن والعشرين من سبتمبر ١٩٧٠ كنت في طريقي من دمشق إلى حلب فوصلتها مساءً، وتناولت طعام العشاء في بيت جدتي، وأويت إلى الفراش مبكراً، فلم أسمع بالنبأ الحزين وقت إذاعته، ولكنني فوجئت قبل أن توقظني جدتي لتطلعني الخبر، بأن شيخاً وقوراً بثياب بيضاء، ولحية بيضاء، يحدثني في أمر ما لا أتذكر ما هو، ولكنني سألته من أنت؟  فقال أنا عبد الناصر، فأوشكت أن أسأله عن هذه الهيئة غير التي نعرفها عنه، فإذا بجدتي تهز كتفي قائلة جمال عبد الناصر في ذمة الله. وهكذا كان وداعي لهذا الرجل الذي ما جاء حلب إلا وكنت في انتظاره ووداعه. رحم الله رجلاً مر بنا كطيف حلم، داعب مخيلتنا بآمال في الحياة الحرة الكريمة التي كان يسعى لتحقيقها لكل عربي، ولكن مشيئة الله عزوجل لم تترك له من العمر ما يمكنه من ذلك. نسأل الله عز وجل أن يعوضنا عنه بمن يستطيع أن يعيد إحياء شعلة لازالت تتقد تحت الرماد))

28 / 9 / 2026    اسطنبول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى