في الفعل السياسي الليبي

   الفيتوري شعيب

حين نقترب من المشهد الليبي المعاصر نكتشف سريعاً أننا لسنا أمام مجرد خلافات سياسية تقليدية تتنازع فيها التيارات السياسية أو الأمنية على السلطة فحسب، ولا أمام أزمة عابرة لترتيبات دستورية وقانونية لم تخرُج إلى الوجود بعد. ما تشهده ليبيا منذ سنوات أبعد من هذا بكثير، انقسام حاد، وتداخلات إقليمية ودولية، ناهيك عن غياب الإرادة الشعبية!
في العادة، تُدار العلاقات الدولية ضمن قواعد مصلحية تشمل الدبلوماسية، والتجارة، والتحالفات الاستراتيجية، غير أن الحالة الليبية شهدت انحرافاً بنيوياً هائلاً تحوّلت فيه سياسات الدول الكبرى والإقليمية إلى أبعد من هذا بكثير، فالاستراتيجيات التي تستخدم في الملف الليبي، والعقوبات الاقتصادية، واستخدام أدوات الضغط الدبلوماسي المختلفة أوجد حالة من “السياسة الفاشلة” التي لم تُنتج إلا الفشل في الحوارات والاتفاقات السياسية المختلفة التي مرّت على البلاد منذ سنوات.
وفي المقابل أيضاً، نجد أن السياسي الليبي الناشئ في بيئة مؤسّسية هشّة، والمحاط ببيئة إقليمية ودولية عاصفة، يُزرع في وعيه تدريجياً شعور عميق بالقصور الذاتي، إذ يُقنع بأن أي خطوة نحو الاستقلال الحقيقي في اتخاذ القرار ستواجه بعاصفة من العزل السياسي أو حتى الدبلوماسي، حتى تحوّل الخوف من الخارج إلى “عقيدة حاكمة” تدير مفاصل العمل السياسي، فأصبح السياسي المحلي، في أحيانٍ كثيرة، لا يركز إلا على هذا الهاجس، ويكون الفعل السياسي الحقيقي لبناء الدولة عاملاً آخر، يضمحل في ثنايا هذه المخاوف والهواجس، لينتج أزمة عقلية سياسية تغيب معها الشرعية السياسية وتحضر الاتفاقات الدولية والإقليمية في وقتٍ يجب فيه أن تستمد السياسة شرعيتها من التعاقد الاجتماعي الحر بين أفراد المجتمع، ومن قدرتها على حماية الحريات وتحقيق المصالح الحيوية، غير أن المشهد السياسي الليبي المعاصر أفرز النقيض من ذلك في عمر الأزمة الليبية.

تقف ليبيا اليوم على حافة السياسة؛ إما أن تظل رهينة لمرايا الاسترهاب الخارجي ومسرحاً تُدار فيه الصراعات، أو أن تستعيد سياستها عبر جيل جديد من النخب

أدّى هذا الفعل إلى تآكل كامل في بنية العقد الاجتماعي المحلي، حيث وجد المجتمع الليبي نفسه أمام سياسة عاجزة عن حمايته، بل وتصاعدت معها موجات اليأس والعدمية السياسية، في ظل شبه شرعية لا تجدّد منذ عشرات السنين، لتكون أي محاولة لرسم مستقبل “واقعي” للبلاد تنطلق من المحاصصة والجهوية البحتة، أو من خلال التوافقات الهشّة من دون تفكيك جذري للأزمة، لتكون في المحصلة ما هي إلا مجرد محاولة عبثية لتدوير الفشل وإطالة أمد المأساة.
تقف ليبيا اليوم على حافة السياسة؛ إما أن تظل رهينة لمرايا الاسترهاب الخارجي ومسرحاً تُدار فيه الصراعات، أو أن تستعيد سياستها عبر جيل جديد من النخب التي تؤمن بأن الاستقلال الوطني ليس شعاراً شعوبياً للاستهلاك المحلي، بل هو الشرط الحقيقي لبناء الدولة، وأن بناء أي نظام أو اتفاق على مطرقة المحاصصة التي تُفرغ المفهوم الوطني من محتواه، وسندان التدخلات الخارجية التي لا تنظر إلا لمصالحها، هو بناء هش لا يدوم وإن طال أمده.
وبالتالي، حين نُسقط هذا المعترك السياسي على واقع ليبيا الآني، حيث تتناسل المبادرات وتتوالى صيغ التوافق الهشة من لجان الحوار المصغّرة إلى خريطة الطريق المدارة دولياً، نكتشف بوضوح حقيقة تلك الدوامة؛ إذ تُختزل أزمة الدولة في صفقات تكتيكية تهدف إلى إعادة توزيع المناصب والمقدّرات، متجاهلة تماماً عجز المؤسسات السياسية والتنفيذية فعلاً سياسياً وعملاً تنفيذياً.
ولكي تتجاوز البلاد هذه الدائرة المفرغة، لا بد من تفعيل الفعل السياسي الحقيقي، الذي لا يكمن في صياغة قوانين انتخابية وحدها، أو تعديلات دستورية عابرة، بقدر إيجاد حالة من السياسة الحقيقية الفاعلة المبنية على القاعدة المجتمعية المنشأة لها، وأن يدرك الشعب قبل النخب السياسية أن أي تسوية سياسية تُبنى على حساب المواطن واستقلال قراره الوطني هي مجرّد هدنة مؤقتة، تسبق جولات أعنف من التردّي، فالاستقلال السياسي ليس ترفاً نظرياً، بل هو الشرط المنطقي الذي لا تستقيم ولا تقاوم من دونه أية دولة، بل بدونه ستظل البلاد مجرّد حقل تجارب لاتفاقات مؤقتة وسياسة عابرة لا تبني بلداً ولا تعمّر وطناً.

المصدر: العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى