الباشا ضدّ “باشان”

أنس أزرق

بعد أيام من تحرّر سورية من الاستبداد الأسدي، عدتُ إلى بلدي بعد أعوام طويلة من الغياب، مكلّفاً من إدارة التلفزيون العربي بإجراء حوارات وصناعة أفلام عن أحوال السوريين وأوضاعهم، والوقوف على مواقف نُخبهم ممّا جرى وإلى أين تسير البلاد.

اقترحتُ أن يكون أوّل من أقابلهم الشيخ حكمت الهجري في دارته ببلدة قنوات القريبة من السويداء، لموقفه الذي كان متقدّماً في أثناء حراك السويداء ومبادرة المناطق الثلاث. وكنتُ أظنّ أنّ دوره يمكن أن يكون شبيهاً، من حيث التمسّك بالوحدة السورية والانحياز إلى الحراك المناهض للاستبداد، بالدور الوطني الذي مثّله الباشا سلطان الأطرش في قيادة الثورة السورية الكُبرى ضدّ الانتداب الفرنسي. وكان حراك السويداء قد أعاد بعض الأمل المفقود إلى الحالة السورية الثورية التي انكفأت بعد عام 2018.

وصلنا إلى دارة قنوات التي تحيط بها أعمدة رومانية قديمة، ونسّقنا مع الشيخ سلمان، نجل الشيخ حكمت. كان سلمان نحيف الجسد ولا يشي مظهره ولا حديثه بالدور الذي يلعبه الآن. سألته: “هل تستعدّ لتكون وريث أبيك وتصبح شيخ عقل الطائفة؟”. أجابني: “ذلك في يد القدر”.

شدّد سلمان على أمرَيْن: أن يُنادى الشيخ بعبارة “الرئيس الروحي لطائفة المسلمين الموحّدين الدروز”. وطبعاً هناك ثلاثة شيوخ عقل للطائفة في سورية: يوسف جربوع، وحمود الحناوي، وحكمت الهجري، لكنّه كان يريد التزامنا بهذه العبارة من دون الشيخَيْن الآخرَيْن. وألّا نطرح أسئلة تتناول العلاقة مع إسرائيل، متعلّلاً بالقول: أنت تعرف أنّنا لا نريد الإساءة إلى إخواننا الدروز في فلسطين، ولا سيّما شيخ عقل الطائفة هناك موفّق طريف.

تحوّل خطاب الهجري من اعتبار وحدة سورية أرضاً وشعباً خطّاً أحمر إلى الحديث عن استقلالية “جبل باشان” وحقّ تقرير المصير، ثمّ إلى التحالف مع إسرائيل

لم أجب بشيء، والتزمت بالطلب الأوّل من دون الثاني، وطرحت على الشيخ حكمت أسئلة عن وحدة سورية، وعن الدعوات التي كانت تصدُر في تلك الأيام إلى ضمّ بعض قرى جبل الشيخ للكيان الإسرائيلي. أجاب بأنّ هذه الأفكار غير مسؤولة، وأنّهم، مع جميع السوريين، يرفضونها ويتمسّكون بوحدة سورية أرضاً وشعباً. ووصف سقوط النظام بأنّه “فرحة لكلّ السوريين بعد زوال هذه الحقبة السوداء”، مرحّباً بالعهد الجديد وحسن إدارته. خرجتُ من عنده وأنا أكثر تفاؤلاً.

لاحقاً، تحوّل خطاب الهجري من اعتبار وحدة سورية أرضاً وشعباً خطّاً أحمر إلى الحديث عن استقلالية “جبل باشان” وحقّ تقرير المصير، ثمّ إلى التحالف مع إسرائيل في مقابلة مع صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، وصولاً إلى اعتباره الدروز “جزءاً لا يتجزّأ من دولة إسرائيل”، متحدّثاً عن قواسم عقيدية وتاريخية مع اليهود.

ومن الصعب فصل اختيار تسمية “جبل باشان” عن السياق الإسرائيلي الذي أحاط بظهورها مجدّداً، فالاسم قديم ويرد في النصوص التوراتية، لكنّه اكتسب دلالةً سياسيةً جديدةً بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأوّل 2024، عندما احتلّ الإسرائيليون المنطقة العازلة ومواقع في سورية، وأطلقوا على عمليتهم اسم “سهم باشان”. ثمّ ظهر الاسم في خطاب حكمت الهجري بديلاً سياسياً ورمزياً من “جبل العرب”.

قد يفسّر أحدهم هذا الانقلاب بما حصل من خلاف مع العهد الجديد، ثمّ أحداث السويداء في يوليو/ تموز 2025، التي أخطأ العهد الجديد في إدارتها كما أرى. لكنّ الخلاف والخصومة مع دمشق ومن يمسك الحكم فيها شيء والقول إنّ الدروز “جزء لا يتجزّأ من دولة إسرائيل” شيء آخر. ومن يعرف تاريخ سورية يعرف أنّ العلاقة بين جبل العرب وحكومة دمشق قلّما كانت سمناً على عسل، لكنّ هذا لم يحل دون تمسّك بني معروف بتاريخهم العروبي والوطني.

انقسم الدروز خلال الحرب العالمية الأولى بين من بقي مع العثمانيين ومن ثار عليهم

ربّما يتّفق معظم الدروز السوريين في موقفهم تجاه أحداث السويداء، ولا سيّما ما حصل من قتل وتنكيل واستفزاز على أيدي مجموعات موالية للحكومة الجديدة، لكنّهم بالتأكيد لا يتّفقون جميعاً مع مواقف الشيخ الهجري المعلنة أخيراً، ولا مع ربط هُويّة الدروز بإسرائيل عقائدياً وتاريخياً. وهذا ما عبّرت عنه أصوات من داخل السويداء، من أبرزها بيان الباشا عاطف هنيدي، الصادر من قلب المنطقة التي يسيطر عليها أتباع الهجري.

رفض الباشا عاطف (أبو عمر) هنيدي في بيانه في 3 سبتمبر/ أيلول الجاري ما وصفها بـ”المغالطات التاريخية والدينية التي لا تأتلف مع حقائق التاريخ والجغرافيا ولا مع أصول مذهب التوحيد نشأةً وعقيدةً”، ورفض احتكار الهجري الحديث باسم الدروز السوريين وصناعة هُويّة لهم عبر ربطهم بإسرائيل عقائدياً ودينياً، كما رفض مشروع “دولتهم المتخيّلة باشان” و”تاريخاً هجيناً”، متمسّكاً بوحدة سورية ومستدعياً إرث سلطان باشا الأطرش ورفضه مشاريع التقسيم الطائفية.

لم يكن هذا الخطاب غريباً عن الرجل الذي انحاز إلى الثورة السورية منذ بدايتها، وعمل على تعرية ألاعيب النظام، ولا سيّما محاولات الأخير نشر الفتنة بين سهل حوران وجبلة، أي بين أهالي محافظتَي درعا والسويداء. فبذل، مع آخرين، جهوداً كبيرة لمنع حوادث القتل والخطف بين أبناء المحافظتَيْن، ورفض أيّ دعوة إلى التقسيم، حاملاً شعار “سورية حرّة واحدة موحَّدة”. وكتب مقالاً بعنوان “لجبل العرب عدو واحد هو إسرائيل”، وأيّد عام 2024 وثيقة المناطق الثلاث الصادرة عن فعّالياتٍ في السويداء ودرعا وحلب، وركّزت على الديمقراطية والمساواة ووحدة الأراضي السورية ورفض الاحتلال والتدخّل الخارجي. واختتم الباشا بيانه بالتوقيع من مضافته في “المجدل – جبل العرب”، ولم يكن اختيار “جبل العرب” هنا تفصيلاً عابراً في مواجهة خطاب “باشان”، بل استدعاءً لهُويّة سياسية وتاريخية تشكّلت خلال أكثر من قرن.

في هذه المضافة لبس عاطف هنيدي، المولود في 1961، عباءة الزعامة بعد وفاة والده فضل الله هنيدي عام 2017، وورث عنه أيضاً لقب الباشا. لكن تاريخ المضافة أقدم من عاطف ووالده، ويمتدّ إلى القرن التاسع عشر، مع بروز إسماعيل هنيدي في المرحلة التي شهدت أفول زعامة آل حمدان وصعود قوى وبيوت زعامة جديدة في الجبل. وتفيد المصادر التاريخية بأن آل هنيدي كانوا من العائلات الحاضرة في التحوّلات التي رافقت هزيمة الحمدان وانتقال موازين القوّة. وفي كتاب “جبل الدروز”، للصحافي حنّا أبي راشد، تظهر صورة لإسماعيل بن هنيدي (1831 – 1911)، ويقدّمه المؤلف بوصفه “زعيم بني هنيدي الأوّل”، كما يشير إلى موقعه في الحياة العامّة للجبل.

بعد انتهاء تسيّد عائلة حمدان في جبل العرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على يد آل الأطرش وحلفائهم، تبلورت في الجبل بيوت زعامة زمنية (دنيوية) بارزة، من بينها آل الأطرش وآل عامر وآل هنيدي، إلى جانب المرجعيات الدينية التي استقرّت لاحقاً في بيوت الهجري وجربوع والحناوي. ولا يعني ذلك وجود تقسيم رسمي ثابت للسلطة بين ستة بيوت، بقدر ما يعكس خريطة نفوذ اجتماعي وسياسي وديني تشكّلت تاريخياً وتبدّلت موازينها مع الزمن. أمّا تسلسل الزعامة في بيت هنيدي، وفق رواية عاطف هنيدي، فيبدأ من الجدّ الأكبر فضل الله هنيدي (1876-1926)، ثمّ ابنه داود حتى عام 1962، ثمّ فضل الله، والد عاطف، وصولاً إلى عاطف بعد وفاة والده عام 2017.

انقسم الدروز خلال الحرب العالمية الأولى بين من بقي مع العثمانيين ومن ثار عليهم. وكان من بين المنحازين إلى الثورة العربية سلطان الأطرش وفضل الله هنيدي وحمد عامر. وانضمّ هؤلاء إلى الأمير فيصل بن الحسين، ودخل رجال من الجبل دمشق في سياق انهيار الحكم العثماني وقيام الحكومة العربية. وبعد ذلك نال سلطان الأطرش وحسين الأطرش وفضل الله هنيدي لقب الباشوية من الأمير فيصل، الذي أعلن الحكومة العربية في سورية. ووفق الرواية المتداولة في الأسرة والمصادر التي تناولت تلك المرحلة، خلع الأمير فيصل على فضل الله هنيدي لقب “الباشا”، ومنحه رتبة أمير لواء تقديراً لدوره.

هبّ نحو ثلاثة آلاف مقاتل درزي، ومنهم الباشا فضل الله، للمشاركة في معركة ميسلون، لكنّهم وصلوا بعد انتهاء المعركة. ويمكن معاينة صورة فضل الله في كتاب “جبل الدروز” للصحافي حنّا أبي راشد، الذي كتب مادّته عن الجبل في زمن الثورة السورية الكُبرى. وتحت الصورة يرد وصف لفضل الله بوصفه من زعماء الجبل الذين يعتمد على آرائهم وحكمتهم.

عكس توزيع السلطة بين زعامات جبل العرب في القرن التاسع عشر خريطة نفوذ اجتماعي وسياسي وديني تبدّلت موازينها

انتُخب فضل الله في المجلس النيابي الدرزي خلال مرحلة تقسيم سورية وقيام دولة جبل الدروز في عهد الانتداب الفرنسي. ثمّ اشترك في الثورة السورية الكُبرى ضدّ الفرنسيين إلى جانب سلطان باشا الأطرش وعبد الرحمن الشهبندر، وشارك في معارك عديدة حتى استشهد عام 1926. ورثتْه الذاكرة الوطنية والعائلية بوصفه واحداً من رجال الثورة، ورثاه سلطان باشا الأطرش، كما كتب عنه عبد الرحمن الشهبندر وشكيب أرسلان.

وليست العودة هنا إلى فضل الله استطراداً في تاريخ أسرة. فحين وقّع عاطف هنيدي بيانه في سبتمبر/ أيلول الجاري باسم “المجدل – جبل العرب”، كان يستدعي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إرث بيت ارتبط بالثورة العربية وبميسلون والثورة السورية الكُبرى. ولهذا يصبح الخلاف على اسم الجبل خلافاً على الرواية التاريخية التي يريد كلّ طرف أن يستند إليها.

ولا يمكن تجاوز تاريخ هذه العائلة من دون التطرّق إلى سيرة ابنها الضابط مزيد هنيدي، الذي كان أحد أعضاء اللجنة العسكرية البعثية الأولى مع ممدوح شاغوري وعبد الغني عيّاش ومحمّد عمران، وترأّسها بشير صادق. وباستثناء محمّد عمران، نُقل أعضاء هذه اللجنة إلى سلك الخارجية، فشكّل عمران اللجنة العسكرية الثانية التي ضمّت لاحقاً صلاح جديد وحافظ الأسد وأحمد المير وعبد الكريم الجندي ومنير الجيرودي وعثمان كنعان.

بعد انقلاب 8 آذار (1963) أعيد مزيد هنيدي إلى الخدمة العسكرية، وتسلّم قيادة الشرطة العسكرية، ثمّ قيادة قوى الأمن الداخلي، ومن ثمّ قيادة الجبهة، قبل أن يعيّن ملحقاً عسكرياً في موسكو. وانحاز إلى صف القيادة القومية والرئيس أمين الحافظ في صراعهما مع اللجنة العسكرية، وتحديداً مع الضباط الذين قاموا لاحقاً بحركة 23 شباط (1966). وعلى أثر الحركة استُدعي إلى دمشق واعتُقل فترة.

عنى بيان عاطف هنيدي تمسّكاً باسم “جبل العرب” وبالإرث السوري والعربي لبني معروف

وبسبب تاريخ عائلة هنيدي ورمزيتها اكتسب بيان عاطف هنيدي دلالته التي تتجاوز صاحبه، فالمواجهة لم تعد فقط بين رجلَيْن مختلفين على الموقف من دمشق، بل بين تصوّرَيْن لهُويّة الجبل وموقعه: تصوّر يعيد تقديمه باسم “باشان” ويربط مستقبله بإسرائيل وتصوّر يتمسّك باسم “جبل العرب” وبالإرث السوري والعربي لبني معروف.

قبل نحو عامَيْن، خرجت من دارة حكمت الهجري في قنوات أكثر تفاؤلاً بمستقبل سورية، لكنّني، مع تغيّر خطابه لاحقاً، من الحديث عن وحدة سورية إلى “باشان” وحقّ تقرير المصير، ثمّ إلى التحالف مع إسرائيل والقول إنّ الدروز “جزء لا يتجزّأ من دولة إسرائيل”، بدأت أندم على تلك المقابلة، وعلى التفاؤل الذي خرجتُ به من مضافة الهجري. لم يكن الندم لأنّني أجريت المقابلة، فهي اليوم وثيقة لموقفٍ قاله الرجل في لحظة سياسية محدّدة، بل لأنّني حمّلت كلماته يومها أملاً أكبر ممّا احتملت التطوّرات اللاحقة.

وحين صدر بيان عاطف هنيدي من مضافته في المجدل، رافضاً “باشان” ومتمسّكاً بـ”جبل العرب” وبوحدة سورية والإرث الوطني لبني معروف، استعدتُ شيئاً من ذلك التفاؤل. فالصوت الذي كنت أبحث عنه قبل عامَيْن في قنوات وجدته هذه المرّة في المجدل.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى