“البديل” في ألمانيا… صدمة الواقع وحنين إلى الماضي والشعبوية

سوسن جميل حسن

بعد عام 1990، ولم يكن قد مضى وقت طويل على هدم جدار برلين، وردّة فعل على التغيرات المفاجئة لإعادة التوحيد، التي أربكت عديدين من مواطني جمهورية ألمانيا الديمقراطية، انبثق مصطلح جديد هو “أوستالجيا”، وهو مبني من كلمتين: الشرق، والحنين، وكانت كلمة جديدة تشير إلى الحنين إلى ألمانيا الشرقية القديمة (جمهورية ألمانيا الديمقراطية). وقد جرى استخدام هذا المصطلح بعد ذلك لدول أخرى في أوروبا الشرقية، ما أضاف معنى موسّعاً لـ”حنين إلى النظام الشيوعي”. وكان الشوق إلى “أيام أفضل” غالباً أقل عقلانية وأشد عاطفة. شعور شخصي بالخسارة وفقدان التوجّه.

ما الأسباب التي تجعل شريحة كبيرة من سكان ألمانيا حالياً، المنحدرين من ألمانيا الشرقية، تسعى إلى تجميل ماضي جمهورية ألمانيا الديمقراطية، بل ينمّون المبالغة في الجوانب الإيجابية، مثل الأمان الاجتماعي أو شعور الانتماء للجماعة، بينما يتم التهوين من قمع الدولة والمراقبة والاقتصاد المعتمد على نقص الموارد. إنه الحنين استراتيجيةً للتغلب على معاناتهم من العيش في مرحلة ما بعد الوحدة التي تنمّي الرغبة في العودة إلى أيام ألمانيا الشرقية، فيعمل الحنين ملاذاً عاطفيّاً في مواجهة التغيرات المفاجئة بعد عام 1990، بغض النظر عن الواقع التاريخي. مع فتح الستار الحديدي وإعادة توحيد ألمانيا، اختفت الحياة التي كانت مضبوطة بشكل صارم من الدولة الشيوعية، وكان فيها جميع العاملين موظفين، بالإضافة إلى المنتجات الاستهلاكية الألمانية الشرقية “الرخيصة” التي كانت متوافرة للجميع، لصالح سوق تنافسية ومجتمع ليبرالي، حيث الوظائف تخضع لتقلبات اقتصاد السوق، بينما تقلل المنتجات الغربية الألمانية أو المستوردة، التي هي أكثر وفرة ولكن أغلى، من القوة الشرائية، من دون نسيان مشكلات السكن، وارتفاع إيجاراته، بينما كانت الأمور متاحة للجميع في النظام الشيوعي، عدا الناحية الثقافية التي تعد جزءاً مهمًاً من الهوية، إذ جرى طمس جوانب عديدة منها. فجأة يتحول النظام الأبوي الألماني الشرقي إلى الرأسمالية والمسؤولية الفردية، ليجد جزء من السكان من ألمانيا الشرقية، الذين تكيفوا مع 45 سنة من النظام الشيوعي، أنفسهم وقد وُضِعوا بين عشية وضحاها أمام اقتصاد السوق من دون مرحلة انتقالية تقريباً.

الفوز الصادم يوم 6 سبتمبر/ أيلول لحزب البديل من أجل ألمانيا في ولاية ساكسونيا-أنهالت، ولأوّل مرّة منذ الحرب العالمية الثانية، يتصدّر حزب يميني متطرف الانتخابات الإقليمية بحصوله على هذه النسبة المرتفعة (نحو 44% من أصوات الناخبين)، وهي إحدى الولايات الشرقية، ربما يمكن فهم تنامي شعبية الحزب استناداً إلى هذه الظاهرة (الأوستالجيا). بالطبع ليست السبب الوحيد، إنما هي سبب لا يمكن إغفاله.

تأسس في 2013 على يد أساتذة جامعات كانوا ضد اليورو، وكان حزب البديل من أجل ألمانيا في البداية ليبراليّاً جديداً لا يحمل هوية واضحة، لكنه تحول تدريجيّاً، خصوصاً منذ موجة الهجرة عام 2015 واستقبال المستشارة أنجيلا ميركل المهاجرين، واليوم هو أحد أحزاب اليمين المتطرّف الأكثر تشدداً في أوروبا، وهو معادٍ جداً للإسلام والهجرة، وميّال بشكل رسمي إلى روسيا، بينما ألمانيا هي الداعم الأوروبي الرئيسي لأوكرانيا.

لأوّل مرّة منذ الحرب العالمية الثانية يتصدّر حزب يميني متطرف في الانتخابات الإقليمية الألمانية بحصوله على هذه النسبة المرتفعة

… ينفجر النظام العالمي اليوم إلى كتل أيديولوجية وسياسية وعسكرية متورطة في مواجهة شاملة، والعنف يخرج عن السيطرة ويتصاعد إلى أقصى حد في سياق تفاقم التوترات الدولية، وتغلب القوة على القانون، فمنذ جائحة كوفيد لم يهدأ العالم، من الحرب الروسية الأوكرانية، إلى الحروب في الشرق الأوسط، وحرب الإبادة في غزّة، ثم الحرب الأميركية على إيران وتداعياتها على مستوى العالم، علاوة على تحولات السياسة الأميركية في عهد دونالد ترامب، انفجرت في معظم الدول أزمات متنوعة، وواجهتها تحدّيات كبيرة، والشعوب تدفع الثمن بطريقة أو بأخرى. ليست الدول الأوروبية في منأى، بل دول الاتحاد الأوروبي جميعها تعاني، بعد أن كانت قد حققت في 80 عاماً الماضية تقدماً كبيراً كان يبدو مستحيلًا في بعض مجالاته، واليوم هذا الاتحاد مهدد بالتفكك، في وقتٍ عليه أن يكون أكثر وحدة من قبل وبسرعة، إذا ما أرادت أوروبا أن تكون من أقطاب العالم الجديد متعدّد الأقطاب.

تمدّد مصطلح “أوستالجيا” ليشمل دولاً أخرى في أوروبا الشرقية، ما أضاف معنى موسعاً ليصبح “حنيناً إلى النظام الشيوعي”. والدليل صعود اليمين المتطرّف في أكثر من دولة من التي كانت ملحقة بالاتحاد السوفييتي، اطّراداً مع الأزمات الاقتصادية وتردّي الحياة المعيشية للشعوب، ففي عام 2008، ضربت الأزمة الاقتصادية أوروبا بشدّة، وخلال عشر سنوات، تقدّم اليمين المتطرف في جميع البلدان. واليوم أيضاً، توفّر العواقب الاقتصادية سبباً في عودة الشعبوية. فلماذا صعد حزب البديل واستقطب مزيداً من المؤيدين في هذه الولاية، بل وتفيد استطلاعات الرأي بارتفاع نسبة تأييده في ولايات أخرى؟ ساكسونيا-أنهالت منطقة أفقر من غيرها، ولديها مشكلات أكبر في انخفاض الولادة والبطالة مقارنة ببقية البلاد، كذلك فإن المناطق في ما كانت تسمّى ألمانيا الشرقية تمتلك ثروات خاصة أقل، وعدداً أقل من مقارّ الشركات الكبيرة، واستثمارات أقل. الأجور والإنتاجية أقل من متوسّط غرب ألمانيا (جرى الالتفات إلى هذه النقطة في 2023 وتم توحيد الأجور في مجمل ألمانيا)، نسبة الالتزام بالعقود الجماعية أقل، والسكان أكبر سنّاً. كما لا يزال المواطنون من ألمانيا الشرقية ممثلين بشكل ضعيف في المناصب القيادية المهمة في المجتمع. مع الإشارة إلى بقاء آليات العمل وتنظيمه متأثرة بما كان في ألمانيا الشرقية مثل مشاركة النساء في سوق العمل وهي مرتفعة، ورعاية الأطفال موسّعة بشكل كبير، والفجوة في الأجور بين الجنسين أصغر بكثير.

 المناطق في ما كانت تسمّى ألمانيا الشرقية تمتلك ثروات خاصة أقل، وعدداً أقل من مقرّات الشركات الكبيرة

كان هذا الفارق في المستوى بين المناطق الشرقية والغربية نتيجة السرعة في التحوّل بعد الوحدة، والنتائج التي نجمت عنه، ما أدّى إلى تأثيرات في حركة الاقتصاد والأسواق، وفي فقدان مئات آلاف وظائفهم، ففي غضون عامين، اختفت عدة ملايين من الوظائف أو جرى تحويلها إلى عمل جزئي، أو برامج إيجاد فرص العمل، أو التقاعد المبكر، أو حلول انتقالية أخرى. كانت إعادة التوحيد تعني لغالبية سكان الشرقية “الحرية” وفرصاً جديدة وانقطاعاً عن الوضع الاجتماعي السابق، لكنهم فوجئوا بأن الواقع يعني تقريباً تبديلاً كاملاً للنظام المؤسّسي، كذلك للنمطين الحياتي والاجتماعي. فكان تصاعد الحنين أو “الأوستالجيا”. وعلى هذا الوتر، كان حزب البديل يدوّن معزوفته، فيدغدغ مشاعر السكان ويحيي في نفوسهم عالمهم القديم، حتى إن زعيم الحزب في الإقليم أورليش زيغموند كان يركب دراجة “سيمسون”، رمز الصناعة الشرقية، وينزل إلى الناس، ويعدهم بتخفيض الضرائب والحدّ من معاناتهم.

كان القرن العشرون قرن انتشار الدول القومية. وربما سيكون القرن الحادي والعشرون قرن إعادة تشكيل الوحدات السياسية إما بالعودة إلى الأشكال القديمة، أو عبر نموذج لا يمكن رسم تصوّر له، خصوصاً في ظل التقنيات الرقمية والتطور الصاروخي للذكاء الاصطناعي. فاليمين الشعبوي يعارض فتح الحدود، في خطابه، خوفاً من تراجع الهوية الاجتماعية والثقافية للبلاد بسبب الهجرة، فتركز الأحزاب الشعبوية اليمينية المتطرفة خطابها على تهديدات الهوية الوطنية.

إذا كان هذا يحصل في أقوى دولة في الاتحاد الأوروبي، ويهدّد استقرارها السياسي والاجتماعي، بل يهدّد أوروبا بمجملها، فماذا يمكن القول في سورية المنهكة؟ هناك شرائح كثيرة تعاني فيها من التهميش وتضييق العيش والعطالة، مع تنامي الشعبوية الكبير وتغولها في المجتمع، ألا يُخشى من “نوستالجيا” لما كان قبل 2011، ونسيان استبداد تلك المرحلة وفسادها؟

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى