
أثار اعتداء مجموعة مسلحة على الشخصية الاجتماعية في قرية المجدل في محافظة السويداء، عاطف هنيدي، وإجباره على مغادرتها، موجة غضب واسعة بين السوريين، وعبّروا عن سخطهم في مواقع التواصل الاجتماعي، وركزت ردات فعلهم على حيثيات الواقعة وتداعياتها، وطاولت مستقبل المناطق التي تسيطر عليها مجموعات المسلحين بقيادة الشيخ حكمت الهجري.
جاءت الحادثة على خلفية بيان أصدره هنيدي، حمل عنوان “السويداء ليست باشان… والموحدون الدروز ليسوا جزءاً من إسرائيل”، وانتقد فيه تصريحات الهجري بأن الدروز في السويداء “جزءٌ لا يتجزأ من دولة إسرائيل”. واستهجن فيه اختزال جماعة كاملة في شخص واحد “يحتكر النطق باسمها ويقرّر لها اسم دولتها المتخيلة “باشان”، ويحيك لها تاريخاً هجيناً، لا يشبههم، ولا يشبه ما نشأوا عليه بوصفهم جماعة من عقيدة، ولا ما ٱمنوا به من مبادئ ومنطلقات فكرية ببعديها الوطني والقومي”.
أصاب البيان سردية الارتباط المزعوم بين السويداء و”باشان”، حيث رفض اعتبار المحافظة امتداداً تاريخياً لإسرائيل، ورأى أن السردية التي تربط الموحدين الدروز بإسرائيل “تعبّر عن هوى شخصي ونزعة ذاتية واضحة نحو تشبيك العلاقة مع دولة الكيان”، ولا تستند إلى “أي سندٍ أو أساسٍ متين، لا في جوهر العقيدة التوحيدية، ولا في التاريخ المجيد للعشيرة”.
خوف ينتاب الهجري وتابعيه من الأصوات التي تفنّد مزاعمهم
وجاء في ردة فعل مباشرة، تعبر عن رفض قطاع واسع من أبناء محافظة السويداء من الموحّدين الدروز هذه السردية، وبالتالي يتجاوز ما قامت به المجموعات المسلحة بحق هنيدي حدود الخلاف على مضمون بيان سياسي، ويشير إلى حجم الخوف الذي ينتاب الهجري وتابعيه من الأصوات التي تفنّد مزاعمهم، إضافة إلى توجّسهم من زيادة حالات الغضب والاحتجاج التي بدأت بالتنامي، أخيراً، ضد مواقف الهجري وممارسات مسلحيه في المناطق التي يسيطرون عليها بالعنف والإكراه، خصوصاً بعد منع المسلحين، الذين تصفهم الحكومة السورية خارجين على القانون، تلاميذ المرحلتين الإعدادية والمتوسطة في مدينة السويداء من الذهاب إلى المراكز لأداء امتحاناتهم، الأمر الذي زاد من انتقادات عديدين من أبناء المحافظة إلى ازدياد نفوذ المجموعات المسلحة واحتكار جماعة الهجري التمثيل السياسي والاجتماعي.
تريد قوى الأمر الواقع في السويداء أن تفرض الصمت والإذعان على أهاليها تحت سطوة التهديد بالقوة، لكن هذا لن يجلب لها الإجماع على سرديتها المزعومة، بل يُفضي إلى ترسيخ الخوف داخل مناطق سيطرتها، الأمر الذي يزيد من قتامة المرحلة التي تمرّ بها المحافظة، ويعطي فكرة عن طبيعة “دولة الباشان” الموعودة، التي يطمح الهجري إلى إنشائها على وقع ممارسات القمع، والاختطاف، والتهجير، ومصادرة الحريات، والاستفراد بقرار أهالي السويداء، والتحكم بمستقبل أبنائها.
تزامنت حادثة الاعتداء والاختطاف مع احتدام سجالٍ أثارته تصريحات الهجري، وسبقها صدور مواقف عديدة من قوى وفعاليات دينية واجتماعية أكدت رفضها ربط عقيدة الموحدين الدروز بالمشاريع السياسية والإقليمية، حيث رفضت الهيئة الدينية في الجولان السوري المحتل تصريحاته، وأكّدت تمسّكها بالانتماء العربي والإسلامي للموحدين الدروز، ورفضها توظيف العقيدة في الصراعات السياسية أو خدمة أجندات خارجية. كما أكدت قوى سياسية ومدنية في جبل العرب أن الدروز وأبناء المنطقة جزء أصيل من الشعب السوري، ورفضت تحويل الجبل إلى ساحة للمشاريع الخارجية أو الصراعات الإقليمية. وأصدرت عائلات من السويداء بياناً رفضت فيه اعتبار المواقف الفردية ممثلة لأهالي المحافظة، وعبّرت فيه عن رفضها فرض أي توجهات أو أجندات من خارج إرادة المجتمع المحلي أو ادّعاء تمثيله من دون تفويض.
السويداء سورية، وستبقى كذلك، بمعنى أنها لن تتحول إلى دولة “باشان” المتخيلة
تعكس ردات الفعل، داخل سورية وخارجها، على تصريحات الهجري ومواقفه، حجم رفض أي محاولة للربط بين هوية أبناء السويداء والمشروع العدواني الإسرائيلي. كما تعكس رفض الطريقة التي تتبعها جماعة الهجري لفرض مواقفها وأجنداتها الانفصالية بالقوة. والأهم أنها تعكس خوفهم من تنامي مؤشرات التقارب البطيء التي بدأت في الآونة الأخيرة، وتمثلت في اتصالات بين دوائر في الحكومة السورية وفعاليات في السويداء، واتخاذ خطواتٍ من أجل عودة تدريجية إلى مؤسّسات الدولة، عبر تواصل دوائر إدارية في السويداء مع وزارات في دمشق. إضافة إلى تلبية احتياجاتها الخدمية، وبما ينهي عملياً القطيعة الإدارية في قطاعات أساسية، مثل التعليم والصحة والمياه والسجل المدني.
تفيد معطيات غير قليلة بأن المسمّى الانفصالي، الذي يطمح إليه الهجري، لم يستطع تشكيل مسار بديل عن الدولة السورية، لذلك ظهرت دعوات إلى التعقل والحكمة والعودة إلى حضن الدولة السورية، خصوصاً بعد الإعلان عن حلّ قوات سوريا الدينمقراطية (قسد) و”الإدارة الذاتية” واندماجهما الكامل في الجسد السوري. وبعبر الخوف من إمكانية تطبيق نموذج حلّ “قسد” على السويداء، هو من دفع الهجري إلى التصعيد في تصريحاته أخيراً، وتوظيفها سياسياً لصالح حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل كي تستخدمها ورقة إضافية، وتمارس مزيداً من الضغوط على الحكومة السورية خلال عملية التفاوض معها.
لا تستند مزاعم الهجري إلى أي أساس في عقيدة التوحيد أو تاريخ أبناء الطائفة الدرزية، لذلك لن تؤثر في النهاية على حقيقة أن السويداء سورية، وستبقى كذلك، بمعنى أنها لن تتحول إلى دولة “باشان” المتخيلة. ومع ذلك، يبقى حل مشكلة السويداء ضرورة وطنية بالنسبة إلى كل السوريين، والعمل على أساسه سيشكل مدخلاً هاماً إلى السلم الأهلي في مختلف أنحاء التراب السوري. ويمكنه الإسهام في لملمة الجراح، والتوجّه نحو مسارات تحقيق العدالة الانتقالية، وصياغة عقد اجتماعي جامع، عنوانه المواطنة المتساوية، والتوافق على إنتاج واقع سوري جديد وموحّد.
المصدر: العربي الجديد






