هل بدأت بريطانيا الخروج من تاريخ أسْوَد؟

     محمود الريماوي

               

مع اقتراب ذكرى مضي عام على الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين، خطت لندن أخيراً بقيادة العمّالي آندي بيرنهام خطوة أخرى بحظر منتجات المستوطنات غير الشرعية، وحظر تمويل أو المشاركة في بناء أماكن هذه التجمّعات. ورغم أن هذا القرار ذو قيمة رمزية، نظراً إلى ضآلة صادرات المستوطنات قياساً إلى جملة الصادرات الإسرائيلية، إلا أنه يرتدي أهمية سياسية مؤكّدة، وهو ما استشعرته حكومة المستوطنين في تل أبيب بقيادة بنيامين نتنياهو، حين عمدت على الفور إلى إعلان إغلاق القنصلية البريطانية في القدس وسحب تصاريح الإقامة من دبلوماسيين بريطانيين يقيمون في رام الله، وإخراج ممثلين بريطانيين مما يسمى المركز الدولي لغزة، وهو مركز للمتابعة والمراقبة، ويخضع لسيطرة حكومة الاحتلال. وقد جاءت ردّة الفعل الإسرائيلية العصبية مع إعلان 12 دولة، بينها فرنسا وكندا وإسبانيا والسويد والنرويج، تأييدها الخطوات البريطانية، ومع خشية تل أبيب من تنامي هذه الموجة من الإجراءات العقابية ضد الغزو الاستيطاني للضفة الغربية المحتلة، وضد حملة التطهير العرقي التي يتعرض لها أبناء الضفة أصحاب الأرض بصورة منهجية، بتعاون سلطات الاحتلال مع المستوطنين الإرهابيين. وصفة الإرهاب هذه أطلقها عليهم السفير الأميركي في تل أبيب مايك هاكابي، رغم نزعته الصهيونية الصريحة. أما نعت ما يجري في الأراضي المحتلة بأنه يبلغ درجة التطهير العرقي، فقد قاله رئيس الحكومة البريطانية بيرنهام لدى عرضه حيثيات وقف التجارة بين بلاده والمستوطنات الإسرائيلية. وقد أنحى الرجل باللائمة على “الحكومة التي لطالما تردّدت في التحرك خوفاً من تهمة معاداة إسرائيل، واليوم، نعلن عن خطوات محددة الأهداف، لا تستهدف الشعب الإسرائيلي، بل سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية غير المقبولة”. وأضاف أن “معاناة الشعب الفلسطيني وصمة عار في ضمير العالم، ولا يزال الفلسطينيون الأبرياء، بمن فيهم الأطفال، يُقتلون في غزّة، ولا تزال الأزمة الإنسانية قائمة، مع وصول مساعدات قليلة جداً”.

منذ عشرات السنين تردّد الدول الأوروبية، وبريطانيا من ضمنها، قناعتها بأن المستوطنات المقامة في الأراضي المحتلة غير شرعية

واضح أن هذه الخطوة متأخرة جداً، فمنذ عشرات السنين تردّد الدول الأوروبية، وبريطانيا من ضمنها، قناعتها بأن المستوطنات المقامة في الأراضي المحتلة غير شرعية، وعقبة أمام إقامة حل الدولتين، لكن هذه الحكومات، باستثناء قرارات محدودة لبعض الحكومات، تتمنع عن اتخاذ إجراءات ملموسة ضد الغزو الاستيطاني، كما امتنعت بريطانيا بالذات عن وصف ما جرى ويجري في قطاع غزّة بأنه حرب إبادة، وما يقتضيه هذا الموقف الصحيح الذي لم يُتخذ من إجراءات لوقف هذه الجريمة الكبرى. والأسوأ أن تقارير عدة تحدثت عن استمرار بريطانيا بتزويد إسرائيل بالأسلحة في ذروة حرب الإبادة، وها هو بيرنهام الذي تولى رئاسة الحكومة في بلاده قبل سبعة أسابيع يستذكر ما يجري في القطاع: “صعبٌ استيعاب حجم الدمار، أكثر من 70 ألف قتيل، من بينهم 20 ألف طفل على الأقل، وتمزّقت العائلات والمجتمعات، ونزح الملايين. ويعيش سكان غزة الآن على ثلث مساحة القطاع فقط”… ومغزى هذه التصريحات أن مجمل سلوك حكومة نتنياهو في الضفة الغربية كما في غزة يستحق الإدانة التامة. وبما أن نتنياهو والمؤسّسة الإسرائيلية بمجموعها يهزأون عادة بالتصريحات المندّدة، وحتى بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فإن الفيصل في اتخاذ إجراءات فعّالة ذات طبيعة صارمة لوقف التوحش الإسرائيلي، ولإزالة ما سمّاها بيرنهام وصمة العار على جبين الإنسانية أو ضمير العالم. وكان وزير الخارجية إد ميليباند (يهودي)، قد أعلن، الثلاثاء الماضي، اتخاذ حكومة بلاده حزمة إجراءات تشمل: حظر تجارة البضائع مع المستوطنات غير الشرعية في فلسطين، التأكيد للمرّة الأولى أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير شرعي، بصرف النظر عن قرار محكمة العدل الدولية، ولكن تماشياً معه، فرض عقوبات على الأفراد والشركات التي تدعم أو تسهل أو تستفيد من المستوطنات غير الشرعية. ويشمل هذا أي شركات أو مستثمرين يشاركون في مشروع إي1. كما جرى الإعلان عن حزمة من المساعدات الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها لغزّة.

واجب الحكومة في لندن الرد على قرار إغلاق القنصلية في القدس وسحب الإقامة من دبلوماسيين بريطانيين، وفق الأعراف السياسية والدبلوماسية المتبعة في الدول

واستناداً إلى هذا الموقف “التاريخي” المعلن بلاشرعية احتلال الأراضي الفلسطينية، فإن الاستيطان المقترن بالاحتلال يعتبر غير شرعي، وهكذا يجب أن تُفهم عبارة حظر التجارة مع المستوطنات غير الشرعية في فلسطين. وبينما وصف السفير الفلسطيني في بريطانيا حسام زملط هذه الإجراءات بأنها نقطة تحول في السياسة البريطانية، فقد طالبت صحف بريطانية، ومنها الاندبندت، بمزيد من الإجراءات للضغط على حكومة الاحتلال لوقف سياستها التوسّعية، والتوقف عن التنكيل الدموي بالفلسطينيين. وذكّرت الصحيفة بـ”المسؤولية التاريخية لبريطانيا عن الوضع في إسرائيل وفلسطين”، في إشارة إلى إطلاق وعد بلفور عام 1917، الذي أسس لقيام الدولة الإسرائيلية على أرض فلسطين، واقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وديارهم، وما تبع ذلك الوعد من فرض انتداب وظيفي، بغرض تمكين المنظمات الصهيونية من إقامة دولتها، ويا له من تاريخ أسود يعود إلى أزيد من قرن مضى.

وبعيداً عن اقتراح إجراءات إضافية وضرورية على الحكومة البريطانية، ومن أجل إضفاء مزيد من الجدّية على الإجراءات المتخذة، فإن واجب الحكومة في لندن الرد على قرار إغلاق القنصلية في القدس وسحب الإقامة من دبلوماسيين بريطانيين، وفق الأعراف السياسية والدبلوماسية المتبعة في الدول، إذ يرسل عدم الرد إشارة تنطوي على ضعف أو ارتباك. ويقيناً أن عدم وجود قنصلية إسرائيلية في بريطانيا لا يعيق الحكومة عن الرد على الإجراء العدائي بإغلاق القنصلية في القدس بما هو مكافئ ومناسب. ويدرك المجتمع السياسي البريطاني أن تمكين تل أبيب من الإفلات من العقاب شجّع على مدى عقود على ارتكاب فظائع لا حصر لها، وزيادة الشهية التوسّعية لدى اليمين الإسرائيلي القومي والديني، ما جعل الرؤى السلمية مثاراً للسخرية، قياساً إلى واقع الحال على الأرض، حيث يشن المحتلون على الدوام حرباً منهجية على المواطنين الفلسطينيين، ويصادرون مزيداً من أراضيهم، ويدمرون تجمّعات لهم، مثل المخيّمات، جنباً إلى جنب مع شل عمل وكالة غوث اللاجئين (أونروا) وبقية المنظمات الدولية وإبداء الازدراء العلني للأمم المتحدة وهيئاتها وقراراتها إلى درجة إعلان الأمين العام للأمم المتحدة “شخصاً غير مرغوب فيه”.

في معرض تناوله الإجراءات المتخذة، ذكر بيرنهام، وهو أبرز صانعي القرارات في بلاده، “إن بريطانيا لطالما دعت إلى حل الدولتين في الشرق الأوسط، ولكن يجب أن ندرك أن هذه الكلمات لا معنى لها ما لم نترجمها إلى أفعال”. … لتتحدّث الأفعال إذن بدلاً من الكلمات، ولتكن الإجراءات المعلنة أخيراً نقطة انطلاق.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى