حكايات قريتنا – الكتاب الثاني – الجزء الثالث

د.عيسى بن ضيف الله حداد

هيا إلى القرية

كنا موزعين بين درعا والقرية.. رواحنا ومجيئنا بينهما على قدم وساق.. ما أن تحل لحظة العطل نهب على عجل، إليها نرحل.. غيرنا من أبناء القرى نظيرنا يفعل. لم تكن حوران تعرف الطرق المعبدة.. مازالت دروبها على بدائيتها، كما جادت بها الطبيعة ومهدها الناس بأقدامهم.

في أحوال نادرة وفي بقاع محظوظة عملت عجلات السيارات على تمهيدها.. وما أقل السيارات التي عنّ لها المغامرة بذاتها لريادة تلك الأصقاع النائية، كما تدعى حينما يأتي الشتاء وتهطل الأمطار تختفي عن الأنظار سيارة غريمنا القديم فيما مضى” أبو صبري “.. الطرق تغرقها المياه والأوحال وتحولها إلى حال تقف فيه السيارات عاجزةً في أرضها.. لا حول ولا قوة لها.

ما علينا نحن الصبية سوى تدبير أمرنا كآبائنا وأجدادنا.. لا سيما كنا نرجو المطر.. أ ليس هو مصدر خيرنا وخبزنا…! نتأبط ما نستطيع من متاع، نستقل القطار إلى خربة غزالةـ التي كانت تسمى المحطة.. منها تبدأ رحلتنا على الأقدام بلا كلل. سرعان ما يلتصق بأحذيتنا كتل كبيرة من الطين، لا مفر. ينبري أحدنا قائلاً لنا: هيا يا رفاق لنربط أحذيتنا بأربطة بعضها ولنضعها حول الأعناق.. ولنمش على بركة الله كأجدادنا.. لسنا منهم أبر.

نطبق وصفة الرفيق.. على مدى ساعات طوال نمشي في الطريقة وما من معيق.. لا يشكل طريق العودة أية صعوبة لنا، أقدامنا قد أدمنت على حفاها. بذاتي قد خبرت الطريق مع أبي.. أعرف أسراره، أسرد لأترابي أحواله.

مع حلول الظلام، نطل على القرية.. مياه الأمطار ما برحت ترافقنا، معنا في حلنا وترحالنا. على أحر من الجمر تنتظر القرية عودتنا.. تستيقظ القرية من سباتها، تخلع عن ذاتها رداء الصمت الرتيب لتنشغل أخبار القادمين- الصبية (ولاد المدراس).

عطلة الصيف مجالنا الرغيد، نفعل فيه ما نريد، فيشتعل الهرج والمرج السياسي فيه من جديد.

🛑

في تعدد عودتي لقريتي، قيض لي مراراً سلوك هذا الطريق، منفرداً دونما رفيق..

بعد اجتياز بلدة الحراك الواقعة في الغرب من قريتنا.. وإثر على الانحدار من الأكمة الصخرية، المسماة “رقة المطلة ” تطل قريتي.

قريتي تعلن عن نفسها عبر شجرة الكينا الوحيدة العملاقة في علوها. وجدت تلك الشجرة المعمرة مكانها اللائق لها في حوش الدار المتاخمة لدارنا. مع تقادم الأيام أصبحت الشجرة كرمز للقرية لي..  في خافيتي جرى التماهي بينهما.

لم تكن الشجرة وحدها ما يؤنسني في رحلتي للقرية تلك، فقد أضفى عليها قادم جديد، غبطة غير متوقعه، أنه كلبنا..  فاجئني بما أدهشني..

أتذكر في المرة الأولى التي حضرت فيها منفرداًـ لمحت من بعد حيوان يجري باتجاهي.. توقعت أنه الذئب.. تحسست مقلاعي..  عبرت مخيلتي معركتي مع الذئب في الحاكورة.. ودور كلبي في الذود عني.

في اقترابه.. انفرجت أساريري وتلاشى هلعي.. إنه كلبي الأثير لدي.. قفز كلبي على أربعته عليّ.. ولامس وجنتي بلسانه.. ثم هدأ وسار بجانبي.. كما لو كان يحرسني. لم تكن تلك هي المرة الوحيدة، فقد دأب كلبي على تكرارها كل مرة، أعود فيها منفرداً.

من الغرابة بمكان، أن كلبي لم يظهر قط عندما أكون برفقة لفيف من أبناء قريتي..  الحيرة تتملكني، ران في خاطري. ربما حاسة الشم النفاذة لديه تكون قد اضطربت بوجود نفر متعدد، مما يجعله لا يستطيع تمييز حضوري.

ما أدهشني.. ذات مرة وفي عتمة ليل.. وفي زمن أتى، تسللت بين الدور لرؤية صبية أعطتني موعدا في غمرة ليل. على حين غرة.. كلبي على مقربة منا- كما لو كان يحرسنا..

ازداد تعلقي بكلبي الوفي.. أصبح رفيقي المدمن على صحبتي.. تكيّف مع مزاجي.. يحررني من رفقته لي في الظروف التي أرغب أن أكون وحيداً بمفردي.. لكم هو متحضر كلبي الوفي…!!

🛑

 قرية في خضم السياسة

المحور الأساسي للصراع السياسي في قريتنا، يدور حول تحديد هويتنا: هل هي عربية أم سورية. القوميون السوريون يصرون على سوريتها، من سورية بينما نرفع نحن البعثيون راية عروبتها.

كان قدرنا، أن نصارع آنذاك على جبهتين.. – في درعا مع الإخوان، هويتنا إسلامية.. في القرية هويتنا سورية، وتحيا سورية وعاش الزعيم..

في قريتي، في ظل هذا الاختيار يكمن ملمح طبقي، ففي الوقت الذي انتمى فيه الأكثرية من القوميين إلى العائلات الميسورة (على نسق نسبي، انتمت أغلبيتنا إلى العائلات الأدنى.

ليس من المستبعد، كون هذا الخيار استند في سريرته وسريته، على هاجس ديني مسيحي خفي قابع في اللاوعي، من حيث كون الهوية السورية قد توحي بفصم العروبة عن الإسلام، وكون الإسلام جاء وافداً من الجزيرة ومكة، بينما انبثقت المسيحية في ربوعها.  في المقابل تمتح العروبة ذاتها من عراقة صلاتها بالإسلام.. في عمقها يكمن جوهر إسلامي لا ريب فيه.. التاريخ بحد ذاته تشكل. لا فصل بين الجزء والكل.. الفصل في مجراه مقتل.

نقل الماء وكرنفال المساء: وصل أمر الشقاق السياسي في قريتنا إلى الصبايا والنساء، بادرن حسب الانتماء، لرسم العلم العربي أو الزوبعة على سطول الماء..

كان المشهد يتجدد كل مساء.. كن يرحن ويجئن حاملات على رؤوسهن ” سطول الماء ” غاديات رائحات من وإلى البركة ” أم البيضة ” الواقعة على الطرف الجنوبي من القرية.

تجرنا أقدامنا نحن الصِبية، نسير الهوينا لنشهد المشهد، نمتع النظر بخفية وحياء، على مَرآى الوجوه النضرة وراية الثورة العربية تزين ” الأسطل ” المرفوعة على الرأس. كنا كمن يزور معرضاً متجولاً للرسم، محمولاً على رؤوس العذارى المتأنقات في المشية والنظرات. لم تكن جولتنا المسائية نحن الفتيان والصبية، مدعاة للمخاصمة في السياسة، فسحر الوجوه النضرة، أبطل

فينا أحاسيس الضغينة..

أعراس وسياسة: في قريتنا للسهرات الليلية وأفراح الأعراس نصيبها في لجة السياسة.. في الأعراس وعلى مدى أيام سبعة بلياليها تدور حلقات الدبكة والمشبك.. في ثناياها تنطلق الأغاني والأهازيج للبعث ولرموزه.

ما زلت أتذكر مقطعاً من أغنية معبرة عن الهوية، لم أسمعها قط خارج قريتنا، يقول المقطع:

واسمع بقلبي حدا العروبا     وجداننا يهتز جذلا طروبا..

كان الفتيان والصبايا يتبارون في الإتيان بالأغاني والأهازيج التي تمجد البعث والقادة الكبار الثلاثة: ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني. في كثير من الأحيان تنطلق الأغاني عفو الخاطر من دون تدبيج مسبق.

لم يستطع القوميون السوريون في قريتنا مجاراتنا في التعاطي السياسي مع الأعراس. كانوا أقل عدداً وأضعف من أن يحيوا عرساً، خبت جذوتهم بسرعة.

لم تكن طرق التعبير عن الهوية السياسية من نصيب الأعراس وطريق الماء فحسب، كانت الأغاني والأهازيج تنطلق من حناجرنا، كيفما وحيثما نشاء. من بينها أغنية طويلة تشرح فكر البعث وعقيدته وتمجد قادته.

والمفارقة، كان للقوميين السوريين شعار عاش الزعيم (بالرغم من وفاته) وللشيوعيين عاش ستالين بحياته ومماته.. بينما كان للبعث لنا قيادة ثلاثية الأقطاب.. وحولهم نفر لهم حظوة وقدر.. أي بمعنى تبني جماعية القيادة..

ما لبث أبي في سهراته مع أترابه، يترنم عبر ربابته بقصائد تمجد البعث.. وجد أبي ذاته مع أقرانه في حلبتنا..

لا أزعم، بكون الشغل الشاغل الكلي لفتيان وفتيات القرية، انصب بشكل كلي في حومة الهاجس السياسي، فللعواطف الإنسانية لها فعلها ونزعاتها، وجدت طريقها لاختراق الأسوار المؤصدة..

اجل، فكم من فتى وقع في هوى فتاة، ضارباً عرض الحائط عنعنات الخصام السياسي، بين القومي السوري والبعثي العروبي..

🛑

نقلة نوعية، في المفاهيم الدينية

كنت على الدوام ميالاً للمطالعة. بعد حيازتي على الشهادة الابتدائية وغدوت من صنف الأستذة في القرية، عنّ لي قراءة متمعنة للكتاب المقدس..

عزمت على قراءته من الغلاف حتى الغلاف. ما أن شرعت في قراءة صفحات من نصوص التوراة، حتى صعقت، حيثما رأيت وبالفطرة لمست، بأن هذا الكتاب ليس لي.. تذكرت حيفا وفلسطين وتملكتني الحيرة..

حزمت أمري على طي الكتاب.. ولم أعد إليه إلا كباحث علمي وعلماني فيه..- بعدما ولجت دروب البحث والتنقيب في مجرى التاريخ.

في الموقف من الإسلام

في المرحلة الإعدادية اعتراني ميل جارف لحضور دروس الديانة الإسلامية، في حين كانت المدرسة تعفينا.. وهبتني هذه الدروس، تعلقاً وتعمقاً في فهم الإسلام.

لعلّ أهم دافع لي، الخجل من نفسي.. كيف لي أن أخرج من قاعة الدرس، بمجرد حضور مدرس الديانة الإسلامية.

موقفي ظهر فطريا أو قل غريزياً.. لم يتقبل قط فكرة الخروج من حصة الديانة الإسلامية. لعل لعمق انتمائي لهويتي دوراً جانحاً في صياغته..

🛑

في معترك السياسة والحياة

كانت الأيام في أعوام، 1954 و1955 و1956، ديناميكية غنية حافلة بالأحداث. كأنها مثلت في ذاتها مجريات زمن طويل.. لا غرو، وقد كنا والبلاد معنا والمنطقة العربية برمتها، في زمن المخاض والتشكّل..

🛑

في عام 1954: بعدما تخلصت البلاد من هيمنة الدكتاتورية، تشكلت سلطة مدنية، تسلم فيها هاشم الأتاسي رئاسة الجمهورية، لكونه الرئيس المنتخب قبيل انقلاب الشيشكلي وأصبح ناظم القدسي رئيساً للبرلمان [يذكر الأستاذ أكرم الحوراني في مذكراته، أن ناظم القدسي، كان معتكفاً في بيته طوال مدة نظام الشيشكلي، ولم يساهم لا من قريب ولا من بعيد بالنضال ضد الديكتاتورية، ولما انقشعت الغمة صار يصول ويجول في ميدان الخطب، من مذكرات الحوراني، الجزء الثاني، ص 1591-1592.].

عمل الرئيس الأتاسي فور تسلمه سلطاته على تشكيل وزارة مدنية برئاسة صبري العسلي.. جاءت هذه الوزارة ممثلة لتحالف الحزبين التقليدين اليمنيين، وهما حزب الشعب والحزب الوطني، لكونهما يمثلان الأغلبية البرلمانية السابقة.

عمل هذا الحزبان على عزل حزب البعث على كون البعث توفر له القسط الأكبر في إسقاط نظام الشيشكلي..

 في هذا العام صدرت جريدة البعث وغدت محور ثقافتنا السياسية. في أثنائه جرت الانتخابات النيابية وحقق الحزب ولأول مرة انتصاراً هاماً.

كانت النتائج كالتالي: 59 من المستقلين، 28 لحزب الشعب، 17 لحزب البعث مع 6 مؤيدين له، 13 للحزب الوطني مع 6 مؤيدين له، 2 للتعاوني الاشتراكي منحى فيصل العسلي، 2 للقومي السوري، 9 عشائر، 1 للحزب الشيوعي.. (تلقى خالد بكداش دعماً واسعاُ من حي الأكراد، من كل اتجاهاته ومشاربه..)

في حوران: احتفظت الزعامات العشائرية التقليدية على مقاليد التمثيل السياسي.. فالطلائع الشابة لم يؤهلها حداثة تكونها من انتزاع هذا التمثيل. بقيت الزعامات السياسية في ريف جوران حصراً على أعيان القبائل المشكلة للنسيج السكاني. في القرى آل الزعبي والحريري والمقداد، وفي درعا لآل المحاميد..

بعد الانتخابات شكل فارس الخوري وزارة جديدة، تضم الحزبين التقليديين الشعب والوطني. أختار البعث موقع المعارضة في البرلمان والشارع السياسي معاً.

كرس حزب البعث نشاطه السياسي لمقاومة المشاريع الاستعمارية الهادفة للهيمنة على البلاد بوجه جديد، كما دافع عن مصالح الطبقات الكادحة، من عمال وفلاحين وصغار الكسبة. وطالب بوضع تشريعات اقتصادية اجتماعية لمصلحة الطبقات الشعبية..

كان الصوت المتجلي لأكرم الحوراني ورفاقه في البرلمان يلهب الحماس فينا.. كانت الجامعة والمدارس الثانوية والإعدادية معها، تمثل المواقع الأساسية للدعاوى السياسية التحريضية.. للقطاع الطلابي صوته المدوي في كل الاجتماعات الجماهيرية التي ينظمها الحزب في كل حدب وصوب..

افتتح الحزب مقراً له في الشطر الحديث من درعا، وأسس فيه مكتبة للثقافة والتثقيف العام. أضحى هذا المقر مكاننا المفضل، نتبادل فيه الأخبار والحوار.. ومن مكتبته ننهل.

كانت سورية مطوقة بأنظمة مرتبطة بالغرب: في الشرق النظام الهاشمي العراقي ووزارة نوري السعيد، في الغرب النظام الطائفي اللبناني، في الجنوب النظام الهاشمي الأردني وكلوب باشا، في الشمال تركيا عدنان مندريس.. والنظام الصهيوني يتربص على الحدود. ولقوى الطوق أشياعاً وأتباعاً في البلاد من وزراء وبرلمانيين وأحزاب.. ليس للبلاد إلا شعبها وقواها الوطنية في مقدمتها البعث، وثلة من الضباط الذين حزموا أمرهم لحمايتها من مؤامرات قوى الهيمنة، من بين رموز هؤلاء أتى عدنان المالكي ومصطفى حمدون وآخرون.

كنا تلامذة وطلبة، نهب للتظاهر بدون تردد، كلما كان البعث يدعونا، فالبلاد ما فتأت تهب عليها الرياح العاتية من جوارها العربي، ومن غرب المتوسط..

في الربع الأخير من عام 1954، حل علينا وافد ثوري عربي جديد، قادم من الجزائر.. حملت هذه الثورة لنا أفقاً جديداً، كرسنا له فيما تلى أعاصير حماسنا.

على حين غرة، بدأت أعناقنا تمتد لترصد أنباء مصر عبد الناصر. بينما لم نأبه لها من قبل (منذ 23 تموز 1953)..

تعاظمت جذوة التساؤل لدينا، حينما تواردت الأنباء عن محاولة الإخوان المسلمين لاغتيال عبد الناصر..

يدور في خاطري، كم مثلت لي سنوات التحول من المدرسة الابتدائية إلى الإعدادية، في تزامنها الكلي وتفاعلها النوعي، مع عهد التحوّل في البلاد من الديكتاتورية إلى الديمقراطية.

هل لعبت تلك المزامنة بين الخاص والعام، دوراً ما في مسيرة قدري…! !! أجل، كانت بحق أعواماً عاصفة، وضعتً فيها أقدامي في القارب الذي أبحر بي على مدى الأيام.

🛑

صيف عام 1954 (المذياع) – في صيفنا هذا كنا في قريتنا أكثر فعالية في فضاء السياسة.  بدأت الديمقراطية تجني ثمارها. تقدمنا في تطور ثقافتنا.. لنا صحيفتنا تأتي بانتظام إلى القرية. كتب أخرى لدينا، بشغف نتداولها.

والمذياع – حدث جلل حل في عالم القرية تجلّى في حضور المذياع.. أقدم أحد الطلبة في ثانويات دمشق على إحضاره.. كالنار في الهشيم انتشر الخبر العظيم. جمعوا جموعهم وتجمهروا في الدار، ليروا بأم العين معجزة القرن.

لم تكن بيننا وبين دار المذياع سوى أمتار.. كان بوسعي الاستماع إلى المذياع وأحاديث الناس وهم جلوس على السطح أمام ” عليّة ” قريبنا، دار خال أبي.

أضحى المذياع مفتاح القرية، زلزل فيها جدران عزلتها، أصبح منار ثقافة.. شرع الناس في القرية يتداولون ما أذاع المذياع من أنباء. والأغاني.. قال القاصي والداني.. آه ما أحلى الأغاني، في المذياع..!

” عللومة اللومة اللومة — ياحلوة يا مهضمومة “

تلك هي الأغنية المفضلة التي تتردد على كل لسان في قريتنا..

في إحدى عصارى صيفنا، جلست وجدتي أمام الدار، نتأمل الشمس الآيلة إلى الغروب.. نتبادل أطراف الحديث كيفما اتفق. على حين غرة تسألني جدتي: هل تعلم يا ضناي كيف يعمل الراديو، وأين هذا الرجل وفيه يتكلم.

خطر لي أن أثأر لسذاجتي، عندما كانت تربكني في طفولتي بحزوراتها. قلت متصنعاً مظهر الجد.. أين يمكن له أن يكون يا جدتي؟ داخل الراديو طبعاً.. هزت برأسها والدهشة تكتنفها.. وقالت.. ما أصغر حجم هذا الرجل ليقيم في هذا الحيز الضيق. فكرت هنهية وأردفت تقول متشككةً فيما أقول: من أين يأكل ويشرب وينام في هذا المقام..

أخذت أناور وهي لا تتقبل.. حتى ضقتُ ذرعاً من ذاتي.. شرحت لها بصيغة مبسطة مبدأ الإرسال..

لم يكن بوسعها القبول بما أقول.. أخذت تتمم بصوت خفيض..” الله يقدر لكم يا هشوام “. والشام في عرفها موقع الحضارة وأم عجائب الدنيا.. الطائرات في السماء، والسيارات التي تنهب الأرض، وهذا المذياع.. وكل ما رأته من أشياء لا عهد لها بها.. هي بقضها وقضيضها من لدن الشام..

ليس من وسيلة من إقناعها بأن الأمر ليس هكذا..  والشام لديها أم الدنيا ونهاية العالم..  بيد أن الزمن عصف بكثير من معتقداتها، لتكتشف عن كثب ومن خلالنا.. رؤية أخرى، يصعب تحديدها.

  🛑

في صيف 1954 والماء- لم يكن صيفنا هذا رفيقاً بنا، فيما كل ما فيه، قد أتى.

هي ذي بِركتنا بَركَتنا بلا ماء. لم يكن الصيف حر التصرف، الفصول تلد الفصول.. والشتاء مرّ بلا رجاء.. البركة جفت.. أين الماء.. أين الماء..

لا حيلة لنا.. لا مفر، ما علينا سوى جلب الماء من قرية مجاورة، ابتسم حظها، حين منت عليها الحكومة في لحظة غفلة منها، بحفر بئر ارتوازي.

قال لنا أبي: في زمن الانتداب الفرنسي كنا نجلب الماء من نبع يقع في بلدة المزرعة في جبل العرب، أو من بلدة الشيخ مسكين على طريق دمشق. نقضي النهار بطوله كي نجلب أربعة سطول من الماء على ظهر حمار. وضعنا الآونة أفضل مع البئر الارتوازي على مرمى حجر منا، في قرية ” الكرك “.

ومَن للماء غير حمارنا وأنا…! أجل أنا لها.. حالما تشرق الشمس من مهدها الشرقي ويظهر قرصها الأحمر من وراء الجبل، يشرع أبي في سرج حمارنا بخرج مصنوع من الخيش، فيه مواضع أربعة لأربعة أسطل.

أنطلقُ مع حمارنا في حملتي المائية، قاطعاً مسافة خمسة أميال إلى قرية ” الكرك الشرقي”.

الرحلة لي ممتعة، أسمح لخيالي فيها لولوج عوالم في كل الأرجاء، كيفما أشاء.. أبني وأهدم، أتكلم مع ذاتي بصوت أو بهمس، أغني.. اهتديت أخيراً إلى طريقة أكثر جدوى.. لم لا احمل معي ديوان ” رمال عطشى ” لشاعر البعث سليمان العيسى.. ؟

عكفت على التجوّل الممتع مع قصائد الشاعر، وغنيت فيها.. تريثت مترنماً قصيدة للشاعر ” موكب النور “. وجدتها تعكس موقعنا وموقفنا آنذاك.. منها ما زال في حافظتي، وهي:

يا موكب النور، غاظ الليل مطلعنا   وأتلعت رأسها من قبرها الرمم

الناعقون وراء الركب هل لهم   أن يفسحوا الدرب للأحياء هل لهم؟

الناسجون بدمع الشعب بردهم    والناحتون بعري الكوخ قصرهم

والناصبون حدود الله مصيدةً     ويهمس الفقر في يأس: أما تخموا؟

ولو تنبه مسلوب لسارقه          من الأيامى ومن الأيتام رجموا

تماهيت في منحى القصيدة، رحت أرددها كأنها لي، نسيت معها ذاتي، رحت أتيه بعيداً في عوالم أغنيتي.. قصيدتي.

على حين غرة ظهرت ورائي فتاة من قريتي، تمتطي حمارها وتجري به نحوي، كأنما قد آنسها وجودي. على التو حالما رأيتها، هبت على غريزة خجلي، توقفت على الفور أغنيتي.

اقتربت مني قائلة لي: هذا رائع، ماذا تغني، هيا اسمعني.. رفضتُ، قلت لها مخاتلاً: اعذريني، هي أسراري وكفى.. ابتسمت وصمتت هنيهة وقالت: مَن تلك التي تغني لها…؟

تكبرني الفتاة عمراً، جميلة، جذابة، مياسة القد، عذبة الصوت، برز من تحت منديلها الأخضر خصلة شعر ذهبية.

نحن أبناء الريف، نتمتع بقدرة هائلة على كبت مشاعرنا وقوانا الغريزية. تثور فيّ أحاسيس جنسية مبكرة كغيري، من أبناء جلدتي في ريفنا.. كنا نتبادل نحن الصبية أحاديث الجنس.. بيد أن ثرثرتنا، دأبت أن تتهاوى لدى أول وهلة لقاء مع فتاة..

بدوري كنت متفوقاً على أترابي، في قدرتي على كبت مشاعري وقهر رغباتي الجنسية المتأججة لدي.. لعل جدتي قد فاقت قريناتها من الجدات في جدارتها، على غرس هذه الفعالية الكابحة لدي، وفي مدى قدرتي على كبت مشاعري عبر خفاياي. ولكم برعت جدتي في زج الرب في قهر كل أشكال الحب. مما قد انغرس بعمق في عقلي الباطني، وجعلني أسيراً له في صباي..

لم تستطع الفتاة تحريري من أعنتي، القابضة كقيد حديدي على مسلكي.. ارتبكتُ وتجاهلت سؤالها.. وحلّ صمت..

حين دخولنا القرية قالت لي: لنترافق معاً إذن في رحلة “الوِرد” هذه..  الطريق طويلة وموحشة.. – أومأت فرحاً بالإيجاب..  [الورد – من يرد، أي جلب الماء. كقول المتنبي:” ورد إذا ورد البحيرة شارباً   ورد الفرات زئيره والنيلا “.]

في رحلة “الورد” الآتية، عاودت مرافقتي طرق أبواب الهوى..- من دون طائل.. وجدت ذاتي مدفوعا بالقوة الخفية ذاتها لصدها.

لمست مرافقتي مبلغ ارتباكي وسذاجتي، فلم تعد إليها أبداً.. غمرني موجة من الندم…!  كلما أحاول مبادرتها بقول له شأن في الغزل.. يرتطم لساني، بحاجز كثيف ينبثق من داخلي، فيتسمر في فمي، دونما جدوى.. أعود خائراً إلى خيبتي.. اكتفي بندمي..

ليست تلك هي المرة الوحيدة صيف ذاك، التي أجد فيها ذاتي في مأزق مع فتاة..

ذات يوم، حضرت دارنا صبية من حينا، كانت قد شهدت ملتقى البركة. كان للفتاة شأن لها في فرن جدتي.

وجدتني وحيداً في ساحة الدار.

دنت مني ونظرت في عيني نظرة حرّى ارتعدت لها فرائصي، أدركتني في قرصةٍ عجلى على فخذي.. ما كان مني، إلا أن وليت الأدبار من ساحة الدار.

لا أدري ما حدث لي، ها أنا أرتجف هلعاً.. القرصة في عرف القرية تأتي كدعوة جريئة لمطارحة الغرام.

كصاعقة المفاجأة باغتتني.. استيقظ الآمر الناهي الغافي لدي وزلزلني.. رحت أغوص في ندمي وأشكو من مرارة خيبتي.

أقبل أيلول وئيداً، غادرنا القرية، عدنا إلى مدارسنا في درعا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى