
التقطت السينما المصرية الحدث، فكان فيلم “جريمة في الحي الهادئ” (1967)، من بطولة رشدي أباظة وناديا لطفي. إنها جريمة قتل عنصريْن من عصابة شتيرن اليهودية (الإرهابية بلا شك) وزير الدولة البريطاني، اللورد موين، في نوفمبر/ تشرين الثاني 1944، في حي الزمالك في القاهرة، لمعارضته المشروع الصهيوني ومحاولته تقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. زاد الفيلم توابل شائقة على الواقعة في تشخيصها، فلم يكتف بقبض السلطات المصرية على القاتليْن، بل أضاف حدّوتة بوليسية، فيها قصّة حبٍّ مختلقة، لتتوفّر الإثارة في الإمساك بهما. ولكن اللورد الذي كانت له خلفية عسكرية وصار نائباً لم يكن الضحية البريطاني الوحيد للعصابات اليهودية، فقد استهدفت هذه غيرَه عشية إعلان دولة إسرائيل، ومن ذلك الجريمة المشهودة التي استهدفت فيها عصابة الأرغون، بقيادة مناحيم بيغن، المقرّ الرئيسي للإدارة المدنية والعسكرية البريطانية في فندق الملك داود في القدس، في يوليو/ تموز 1946، فقتل 28 بريطانياً (بين 91 شخصاً)، معظمهم ضبّاط وإداريون. وحدث في العام التالي أن العصابة نفسها شنقت رقيبيْن بريطانيين، وفخّخت جثتيْهما، انتقاماً من تنفيذ سلطات الانتداب البريطاني حكم إعدام في عناصر منها. وكانت عصابة شتيرن قد أخفقت في محاولتيْها اغتيال المندوب السامي البريطاني هارولد ماكمايكل (1944)، والقائد العسكري البريطاني إيفلين باركر (1946).
… ولكن، لماذا يُؤتى هنا على ذلك الأرشيف، وبريطانيا صاحبة السهم الأهم في إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، ونصرة المشروع الصهيوني، وذلك وعد سيئ الذكر اللورد بلفور إلى صديقه اللورد روتشيلد (1917)، ما زال عاراً عتيداً في تاريخ بريطانيا…؟ الإجابة أن منطق العصابة يجلس القرفصاء في العقل الإسرائيلي الحاكم، فإذا كان إيقاع المرحلة يستحيل معه ارتكاب جرائم قتل، في حي هادئ أو غير هادئ، فلا بأس من صنوفٍ أخرى من الزعرنة على وزير الخارجية البريطاني الراهن، إيد ميليباند، الذي لا يشفع له عند حكومة القتلة في تل أبيب إعلانه فخرَه بيهوديّته، وبانتصاره المؤكّد لدولة إسرائيل وأمنها، ردّاً على إعلانه رفض حكومة بلاده ما سمّته، محقّة، تطهيراً عرقياً يرتكبه مستوطنون إسرائيليون ضد فلسطينيين في أراضيهم، ونيّتها “فرض قيودٍ على التجارة في بضائع من المستوطنات غير القانونية”. … لم تصنع لندن شيئاً بعد، غير أن فزعاً نشط في اليومين الماضيين في دولة الاحتلال تبدّى في مسارعة حكومة كاتس ونتنياهو وبن غفير إلى ما سمّاها أحد هؤلاء “أربع إجراءات انتقامية”… إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، وطرد موظفين بريطانيين من مركز التنسيق بشأن غزّة، ومنع عشرات البريطانيين من دخول إسرائيل، وإنهاء مشاركة بريطانيا في تدريب قوات السلطة الفلسطينية. وردّاً على البادرة البريطانية، المحمودة على محدوديّتها، والتي تشترك مع فرض 12 دولة غربية قيوداً على التجارة مع مستوطنات إسرائيلية، أُعلن في دولة الاحتلال عن بحث هيئة مختصّة اليوم إقامة ثلاثة مخطّطات استيطانية تضم 281 وحدة استيطانية.
يستشعر الوزير البريطاني، مليباند، ظلماً يقع على الفلسطينيين، ويصف التوسّع الاستيطاني المتواصل في الضفة الغربية بأنه “اضطهاد للشعب الفلسطيني”. وهذه لغة مستجدّة، أو نادرة في دوائر السياسة الخارجية البريطانية ذات المواريث البغيضة في تغريبة التهجير والاحتلال والتمويت الفلسطينية. ويحسُن استقبال ما يُفضي به الوزير، وفيه نبرة أخلاقية، بإيجابيةٍ عالية، للبناء عليها، وتثميرها في سياق ضغوط دولية على دولة الاحتلال باتجاه معاقبتها كياناً مسؤولاً، فلا يُكتفى بتسمية مستوطنين مجرمين (ومعاقبتهم فوراً على ما قال الوزير) وكأنهم البلاء الوحيد، فيما يرفل رؤوس العدوان بموفور الطمأنينة ونأي القصاص المستحق عنهم.
من بالغ الطبيعيِّ أن يستذكر الفلسطينيون أيادي بريطانيا السوداء في تهيئة نكبة الاحتلال الأول لوطنهم، في غضون المنازلة الماثلة بين حكومتي لندن ونتنياهو، غير أن من الأنسب عدم المكوث في هذا، فللغضب الإنكليزي الحادث مما تقترفه عصابات المستوطنين المسلحين قيمته، بل إنه يذكّرنا بلورد عتيق، لم يرُق له المشروع الصهيوني، فقتله أسلافُ هؤلاء من عصاباتٍ مثيلةٍ في حيٍّ هادئ في القاهرة.
المصدر: العربي الجديد






