
تواجه منشورات The Passion في الولايات المتحدة اتهامات بأنها استعارت عبارات واقتباسات من ترجمات وتفاسير إنكليزية للكتاب المقدس دون الإشارة إلى مراجعها الأصلية. وفي تحقيق نشرته مجلة Christianity Today في أغسطس/آب 2026، قال القس ديفيد فيش إنه أحصى أكثر من 2400 موضع يشتبه في كونها منقولة من ترجمات أو شروح أخرى، وتظهر بعض الحالات على هيئة تجميع أجزاء من مراجع متعددة مع تعديلات طفيفة، وأدت الأزمة إلى تعليق جهة دينية بارزة بيع طبعات صدرت عن هذه الدار، ورغم استناد الاتهامات إلى أدلة فإنه لم يصدر حكم قضائي نهائي يثبت شبهة الانتحال.
عربياً، وجّه الشاعر العراقي عبد الكريم كاصد في منشور على حسابه في فيسبوك منذ أيام، اتهاماً بسطو “منشورات ليتوغراف – طنجة” على رواية “أنا وحماري” (ترجمة لطفي عبد البديع، دار المعارف، القاهرة، 1959) للشاعر الإسباني خوان رامون خيمينيث، التي نشرتها دار المدى في طبعة ثانية سنة 2000، موضحاً أن “ليتوغراف” أصدرت ترجمة ثانية عام 2008 بتوقيع إدريس الجبروني المصمودي، دون أن يجد أي اختلاف بين الترجمتين سوى في العنوان، حيث اختار المصمودي “أنا وبلاطيرو”، وبلاطيرو هو اسم الحمار في الرواية، والأفدح من ذلك، بحسب كاصد، أن ترجمة “ليتوغراف” احتفظت بعشرات بل مئات الأخطاء المطبعية الموجودة في الترجمة الأولى.
الواقعة تكررت في مكان آخر، بلغاريا، عام 2018، إذ أدانت جمعية الترجمة البلغارية، صدور ترجمة جديدة لإحدى المجموعات القصصية للكاتب النمساوي جوزيف روث، باسم المترجم فلادكو مورداروف، بينما هي مستنسخة بتعديلات طفيفة عن ترجمة سابقة تحمل توقيع آنا ديموفا.
غياب المتابعة والنقد
يبدو أن الترجمة في المنطقة العربية شبه غائبة عن دوائر المتابعة والنقد، وهو ما يدل عليه المنشور الذي يقيّم عملاً مترجماً مضى على صدوره ثمانية عشر عاماً، مع التنويه إلى أن التفاعل مع منشور كاصد بقي محدوداً كذلك، رغم أن الكتاب الذي اتهمه بالسرقة “نشر بدعم من وزارة الثقافة الإسبانية”، وحظي بإشادات نقدية نظرت إليه بعين المساواة مع ترجمة عربية لرواية خوان رامون خيمينيث منذ نحو سبعة عقود، أي بعد فوز صاحبها بجائزة نوبل بثلاثة أعوام، ولم تكلف نفسها بعقد مقارنات موضوعية بينهما.
وقد نشر موقع El Español تحقيقاً في مارس/ آذار 2020، تطرق خلاله إلى كتب نشرتها الدار نفسها لخيمينيث ولوركا وأونامونو نُسبت إلى المترجمين المغربيين إدريس الجبروني المصمودي ومحمد القاضي، واستنسخت عن ترجمات سابقة لمترجمين مصريين وسوريين ولبنانيين، وأحياناً مغاربة، وتلقت هذه الإصدارات دعم وزارة الثقافة الإسبانية في ثلاث منح توزعت بين عامي 2013 و2019.
اتّهام لناشر مغربي بالسطو على رواية “أنا وحماري” لخيمينيث
لا تشكّل هذه الحادثة استثناءً عند تتبّع حالات مماثلة تتعلق بنشر ترجمة جديدة لكتبٍ رحل مترجموها، حين توضع أسماء مترجمين آخرين على الترجمة القديمة ذاتها دون إجراء تغييرات تُذكر، أو يُعاد نشرها باسم المترجم الراحل دون الرجوع إلى الورثة لتثبيت حقوقهم.
حقوق الملكية الفكرية
في 2015، اعتذرت الكاتبة الكورية الجنوبية، شين كيونغ سوك، بعد اتهاماتٍ بسرقتها مقاطع مترجمة للكورية من قصة قصيرة يابانية. وبعد إقرارها بوجود تشابه في الاقتباس المذكور أوقف ناشرها طباعة القصة محل الخلاف.
تتشعّب قضايا الملكية الفكرية للنصوص المترجمة التي تصدرها دور نشر ومؤسسات عربية، إذ تفتقر العقود الموقعة إلى بنود عدّة تضمن حقوق المترجم، وفي مقدمتها نيل المترجم مكافأة لمرة واحدة لقاء ترجمته العمل بغض النظر عن عدد الطبعات أو النسخ المباعة منه، بينما يعامل المترجم في بلدان أوروبية، معاملة المؤلف بحيث يستحق نسبة من عائدات توزيع كتبه المترجمة كلما أعيد إصدارها، ويكفل القانون حقوقه المعنوية والمادية في حال استخدمت ترجمته أو أجزاء منها في أي عمل سينمائي أو مسرحي أو إبداعي آخر، وعند تجاوز نصوص العقد تحال معظم الخلافات إلى المحكمة.
ناهيك عن وجود مشاكل تتعلّق بعدم توقيع مثل هذه العقود، والاكتفاء باتفاقات شفهية لا تُنفّذ، مثلما وقع مع المترجم التونسي صلاح بن عياد عندما نشر على حسابه في فيسبوك، منشوراً في 17 مايو/أيار الماضي، يتحدث فيه عن ترجمته رواية “الفتاة الأخرى” لآني أرنو، التي صدرت سنة 2023 عن “منشورات كلمات للنشر والتوزيع” في بغداد، وبعد اكتشاف ما أسماه “قرصنة” الدار العراقية عدداً من مؤلفات الكاتبة الفرنسية، أوقف التعاون معها، موضحاً في المنشور ذاته عدم إيفائها بوعودها التي تقضي بحصوله على نسبة من مبيعات كتابه المترجَم.
في كثير من الأحيان، تنتهي السجالات حول انتهاكات حقوق المترجمين على وسائل التواصل الاجتماعي كما بدأت، ولا تُحال إلى القضاء، ما يدلّ عليه قلة الدعاوى المرفوعة مقارنة بالشكاوى المتكررة والاتهامات المتبادلة بين أطراف النزاعات الدائرة مهما توسع مداها. فقضية صلاح بن عياد، لم تنته عند ما سبق، فهناك تتمة تتصل بعقد “منشورات كلمات” شراكات مع “دار أركاديا” للنشر التونسية عن طريقه، تتضمن طباعة ونشراً مشتركاً بين الدارين، لتُفضّ الشراكة بعد اتهامات طالت “أركاديا”، في معرض تونس الدولي للكتاب، الذي اختتم في مايو/أيار الماضي، حول الموضوع في تونس.
تواجه دار نشر عراقية تهمة قرصنة ترجمات كتب لآني أرنو
تكشف تعليقات الكتّاب والقراء على المنشورات الفيسبوكية ذات الصلة بمثل هذه الانتهاكات، الكثير من التفاصيل التي تبقى حبيسة الفضاء السيبراني حول “لصوصية” مترجم في سجله سوابق انتحال عديدة، وحول ناشرين أصدروا كتباً مترجمة دون الحصول على حقوق ترجمتها، أو تعدّوا على حقوق المترجم.
المشهد لا يقتصر على “جرائم” بشرية بعد تورّط الذكاء الاصطناعي أيضاً، وهو ما توقف عنده الكاتب العراقي صادق الطائي، على صفحته الشخصية في فيسبوك، متهماً “دار ألكا” بنشرها عناوين عدة دون وجود حقيقي للمؤلفين الذين تُنسب إليهم، ولا تحضر أسماء مؤلفي هذه الكتب ومترجميها في الأرشيفات الأكاديمية أو المهنية، إضافة إلى أن النصوص نفسها تفتقر إلى خصائص الترجمة العلمية، وتبدو أقرب إلى لغة إنشائية عامة، بلا إحالات ومراجع، وتحتوي أخطاء مفاهيمية.
المصدر: العربي الجديد






