بين مرارة الشتات وعقيدة البقاء:     قراءة في سيميائية العودة ومشهدية الألم السوري

 د. أمين صعب

​لم تكن سنوات الصراع العاصفة التي مرت بها سورية مجرد أرقام تُطوى في صفحات التاريخ، بل كانت مفرمة إنسانية واجتماعية أعادت صياغة تفاصيل الحياة برمتها، وتركت ندوباً عميقة لا تُمحى في الذاكرة الجمعية والفردية. وفي خضم هذا المخاض الطويل، تشظي المجتمع السوري بين خيارين كلاهما مرّ: خيار المغادرة القسرية نحو مجهول المهجر بحثاً عن رمق الأمان والكرامة وحماية الأبناء، وخيار البقاء الإجباري تحت سقف الحرب، متحملاً أوزار الدمار، والخوف اليومي، وقسوة الظروف المعيشية الطاحنة.

​وعندما تنجلي غبار المعارك وتتغير المعادلات الكبرى، تبرز على السطح إشكاليات عميقة تتعلق بالذاكرة، والمواقف، وتوزيع صكوك الوطنية والبطولة. وكأن المعاناة وحدها لم تكن كفيلة بإرهاق الأرواح، لتبدأ معركة أخرى من التجاذبات الفكرية والنفسية حول من كان “أصدق” في معاناته، ومن دفع الثمن الأبسط أو الأبقى.

​دروب الهجرة: بين قسوة الاقتلاع ونجاة الأجيال

——————————————————————

​حين يقرر الإنسان خلع جذوره من أرضه، فإنه لا يفعل ذلك ترفاً ولا طلباً للمجد، بل دفعاً للموت وهروباً من شبح الاعتقال والقذائف. إن رحلة اللجوء تبدأ بقرار مرعب: القفز في مجهول البحار، وتجرع ذل الانتظار، وتحمل سنوات من القسوة وعدم الاستقرار، ومصارعة شعور الاغتراب في بلاد بعيدة.

​غير أن الهدف الأسمى كان واضحاً؛ تأمين المستقبل، وحماية الطفولة من أن تُدفن تحت ركام المدارس المهدمة، وانتزاع حق العيش بكرامة إنسانية مصانة. وحين تأتي لحظة التحول الكبرى، وتتفتح أبواب العودة، يعود الخارجّون محملين بمشاعر متداخلة من النصر الممزوج بمرارة الفقد؛ وكأنهم يطمحون إلى استعادة ما ضاع، وإثبات أن سنوات الشتات لم تكن هدراً، بل كانت ثمناً باهظاً دُفع في سبيل البقاء والعودة المنتصرة.

​الذين بقوا: صلاة صامتة على ركام الوطن ومرارة البقاء

——————————————————————

​في المقابل، وحين تُروى حكايات الحروب، غالباً ما تذهب الأضواء نحو الراحلين في رحلات المجهول، أو العائدين المحملين بهالة النصر والشتات. لكن الحكاية الحقيقية، والأكثر قسوة وعمقاً، يخطها أولئك الذين آثروا البقاء؛ لا رغبة في مغنم، ولا طمعاً في رفاهية وهمية على أنقاض وطن، بل تشبثاً بأرض لا تعرف الفطام، وحفاظاً على ما تبقى من نبض في جسد مدينة أنهكتها القذائف.

​إن الحديث عن من بقي لا يمكن أن ينفصل عن جحيم الحياة اليومية التي عاشوها؛ سنوات طوال من العيش تحت خط الرفض والموت المتربص في كل زاوية، حيث تحولت أبسط تفاصيل الحياة إلى معركة وجودية ضارية. هؤلاء لم يكونوا “ناعمين” بخيرات بلد بات هشيماً، بل كان أحدهم يحصي أصوات الانفجارات بدل أن يحصي ساعات نومه، وهو يغادر عتبة بيته صباحاً غير آمن إن كان سيعود إليه أم سيمسي في عداد المفقودين أو المعتقلين. وتحديداً في دمشق ومحيطها، تحولت حياة المواطنين إلى سلسلة من الكوابيس المستمرة؛ حيث لم تسلم حتى حركة النازحين والوافدين إليها من ملاحقات الأجهزة الأمنية ومضايقاتها المستمرة، وحيث أصبحت عقود الإيجار والمرتجعات الأمنية طوق نجاحٍ واختبار ولاء دائم يهدد استقرار العائلات ويجعل بقاءهم في مساكنهم رهن إشارة تعسفية.

​ناهيك عن الوجه الآخر للاستغلال؛ فقد استُغل أثاث البيوت وممتلكات الغائبين والمهجرين بأبشع الصور، وتحولت أوجاع الناس إلى سلع في سوق القهر والابتزاز. وفي الوقت ذاته، كانت المعتقلات والسجون تمتلئ عن آخرها –بشكل مفارِق ومؤلم– بأبناء تلك المناطق التي كانت تحت سيطرة “النظام البائد” نفسه؛ إذ لم يشفع لهم بقاؤهم ولا ولاؤهم المفترض حين كانت آلة الشك والاعتقال تلتهم الجميع بلا استثناء.

​لقد كان البقاء في الداخل أشبه بالسير على حافة خنجر؛ فالقصف لم يكن يستثني أحداً، والجوع لم يكن يفرق بين من رفع صوتاً ومن صمت، والخوف كان لَحافاً يغطيه الصقيع والترقب. هؤلاء الذين تحملوا طاحونة الحرب وتجرعوا مرارة الدمار خطوة بخطوة، هم من حافظوا على هُوية المكان برغم تشويهه، وهم من دفعوا من أعمارهم وأعصابهم وسكينة أرواحهم ثمناً باهظاً لبقاء الأسماء والأماكن على خريطة الوجود.

​نحو وعي وطني جامع

——————————————————————

​إن محاكمة النوايا، وتوزيع الأدوار البطولية، وتصنيف السوريين بين “فائز منتصر” و”مقيم متواطئ” أو العكس، هي مقاربات قاصرة عن فهم فادحة المأساة التي ضربت نسيج المجتمع السوري كله.

​لقد اكتوى الجميع بنار واحدة، وإن تعددت الأماكن واختلفت وسائل النجاة؛ فمن غادر دفع من عمره واستقراره النفسي، ومن بقِي دفع من أمنه ولحم مدينته ودموعه فوق الركام. إن إنصاف من بقي لا يتطلب منحة من أحد، بل يتطلب إقراراً بأن الصبر على جحيم الداخل لا يقل بطولة عن مصارعة أمواج البحار في رحلات الهروب. فالصامتون تحت القصف، والذين انتظروهم في ظلمة السجون والمعتقلات، والذين ترميم بيوتهم بأظافرهم، هم الحراسة الحقيقية لبقاء هذا الشعب.

​إن بناء المستقبل المنشود لا يمكن أن يُبنى على أنقاض التخوين والإقصاء، بل يتطلب اعترافاً متبادلاً بحجم الألم الذي تجرعه السوري أينما حلّ. فالتاريخ الحقيقي لا يكتبه المنتصرون وحدهم، بل ترويه دمعة أم فقدت ولدها، وخطوات طفل ولد في مخيمات الشتات، وعزيمة إنسان آثر أن يموت واقداً شمعةً على ركام بيته في الداخل.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى