في الأولويّات… بعد حرائق الجزائر

  محمد سي بشير

اعتدنا على مشاهدة صور التّضامن في الجزائر، بعد كلّ عاصفة تهبُّ أو حريق يلهب الغابات، وهذا من شيم الجزائريين الذّين، بعد كلّ مشكلة تقع، يقومون بمبادرات عفويّة لا يحملون فيها إلاّ العلم الوطني على أهبّة الاستعداد لتلبية نداءات المستغيثين من أبناء جلدتهم وقد وقع، هذه المرّة، أيضاً، في أعقاب الأهوال التّي شهدتها ولايات من وسط الجزائر وشرقها التهمت فيها النّار غابات شاسعة، وأخذت معها ضحايا بالعشرات، رحم الله الجميع.

إلى هنا، كلُّ شيء عادي أو أقرب إلى أن يكون كذلك، وأعني به هبّة رجال الحماية المدنيّة يساعدهم الجيش والمواطنون في إطفاء النّار ونجدة الأهالي. وكما قال أحدهم، بعد التّضامن، نحتاج ترتيب الأولويّات لنتعلّم من الإشكالات، لا أن نقابلها، في كلّ مرّة، ونعزوها إلى التّغيُّر المناخي أو إلى نيات إجراميّة.

وفي النّتيجة، الأولويّات، الآن، أربعة، نتحدّث عن كلّ واحدة منها ونبسط الكلام عن آخرها: التّضامن، مداواة الجراح، إعادة الحياة إلى طبيعتها ونحن على مقربة من موسم الأمطار الخريفيّة الأولى والدُّخول الاجتماعي، وجديدها أخيراً ثنائيّة المساءلة -المحاسبة.

بالنّسبة للتّضامن، هناك قوافل عفويّة أخذت طريقها، منذ الوهلة الأولى، نحو المناطق المتضرّرة بعد إحصاء الخسائر المادّية والحاجيات الأوليّة لسكان المناطق، حيث انقطع التّيار الكهربائي وخرجت، تقريباً، كلّ المستشفيات والوحدات العلاجيّة المحلّية عن نطاق الخدمة، نتيجة الأضرار التّي ألمّت بالمناطق، برمّتها، وهي قوافل وصل بعضُها بسرعة البرق إلى المدن التّي شهدت الحرائق، محمّلة بكلّ ما تحتاجه ساكنتها، وساهمت المؤسّسات المدنيّة والجهات السّيادية في تنظيم تلك القوافل وتسييرها إلى المناطق، بما أعاد إلى النّاس بعض الأمل، بعد دفن ذويهم وإحصاء الأضرار التّي جاءت على البيوت، والماشية، وأضرّت بالأملاك، عموماً.

قوافل عفويّة أخذت طريقها، منذ الوهلة الأولى، نحو المناطق المتضرّرة بعد إحصاء الخسائر المادّية والحاجيات الأوليّة لسكان المناطق

استعدّت المستشفيات والأطّباء يرافقهم، في ذلك، جيش من أصحاب المآزر البيضاء، الممرّضين والعاملين في الأسلاك ذات الصّلة بالتمريض، للتّعامل مع كارثة كبيرة في الحجم والعدد، بل اضطرّت الحالات المستعجلة إلى استخدام الطّائرات ونقل الجرحى إلى خارج الولايات المتضرّرة لتستقر الحالة، بعد جهدٍ جهيد، إضافة إلى بروز الحاجة إلى بعض المعدات والأدوية التي وصل كثير منها إلى الأماكن المتضرّرة إلى درجة أن السلطات والجمعيّات تعالى صوتها لتؤكّد أنّ التّغطية كاملة من حيث العتاد وأدوات التّمريض والأدوية، وأنّ الحالة العلاجية أضحت، تقريباً، شبه عادية.

في أولويّة ثالثة، هناك استعجال لتجهيز الأماكن المتضرّرة، بما يكفل عودة الحياة إلى طبيعتها من إعادة التيار الكهربائي، وإعادة تهيئة الطرق، وتجهيز مساكن مؤقتة لائقة للعيش للعائلات المتضرّرة، مضافاً إليها، مع قرب الموسم المدرسي، التّفكير في الحالة النّفسية للتّلاميذ وتهيئة الظُّروف الملائمة لموسم مدرسي استثنائي، يجب الأخذ فيه بعين الاعتبار تضرُّر مدارس، وتقلُّص عدد المقاعد التّربوية والتّعامل المثالي مع المعطيات الجديدة، بما يمكّن الجميع من نيل حظّه من دخول اجتماعي شبة طبيعي.

بالنسبة للأولويات الثلاثة المذكورة، كان هناك عمل تعاضدي للجهات السيادية التي تعاملت بداية مع النيران، ثم، بالتوازي، ساعدت في تنظيم الهبّة التضامنية للمواطنين، وتنظيم وصول القوافل إلى المحتاجين إليها، كما أنها جهّزت أماكن لتخزين المواد التي وصلت إلى عين المكان، الولايات المتضرّرة.

تأكد مشهد العمل التعاضدي، أيضاً، في زيارات المسؤولين إلى الولايات التي عانت من النيران، للوقوف على التكفل بالجرحى، وتقديم التعازي لعائلات الضحايا والإحصاء، من عين المكان، للأولويات من حاجات تضمد الجروح وتكفل التغطية المؤقتة لما يمكن أن يسد رمق المتضرّرين، كما وقف المسؤولون على حجم الأضرار بقصد إعلان حالة الكارثة واتخاذ قرار بتعويض الجميع في أملاكهم والتهيئة المثلى للظروف.

نصل إلى الأولوية الرابعة، ثنائية المساءلة-المحاسبة، التي تحتاج وقفة أطول بسبب الحجم غير الطبيعي للكارثة، وثبوت التوجّه إلى إقرار أنها فعل إجرامي، بسبب اشتعال النار في أكثر من مائتي موقع في زمن متقارب، وطبيعة انتقال النار وانتشارها بسرعة، بقصد تعجيز السلطات على اللحاق بها لإطفائها، ومنعها من أن تلتهم الغابات وتوقّع العدد الهائل من الضحايا والجرحى.

طبعاً، تحتاج الوقفة إلى ملاحظة أن ثمّة خطوات استباقية قد لا تكون من النجاعة، بمكان، حتى تعاود الجزائر عيشها مع النيران (هناك تجربة 2021 ثم الأعوام التي تلتها، تقريباً، صيف كل عام) ونعني بالخطوات الاستباقية القيام بكل ما من شأنه توقع النار ومنعها من الاشتعال في الغابات، وهو عمل ضخم تستبق به جهات مسؤولة مرحلة الاشتعال، ذلك أن للكارثة ثلاثة أبعاد: القبلي (خطوات استباقية وتخطيط وقائي)، الآني (المواجهة وتجهيز كل الإمكانات بما يكفل إطفاء النيران ومنعها من الانتشار أو الوصول إلى إيقاع ضحايا)، ثم المرحلة البعدية (بأولوياتها الأربعة، خصوصاً البعد الخاص بالمساءلة والمحاسبة).

سبقت الكتابة، في شأن السياسات العامة والحاجة فيها إلى تخطيط استباقي وإلحاقه بمرحلتي التقييم والتقويم، وهما مرحلتان تحملان، هنا، مسمّى المساءلة-المحاسبة، ذلك أن العمل الاستباقي، المواجهة ثم المرحلة اللاحقة لهما، كلها تحت نظر السلطة في تحقيقاتها للوقوف على المسؤوليات ومحاسبة التقصير، أينما وجد، خصوصاً منها الفعل الإجرامي الذي يكاد يكون مؤكداً، كما أشرنا، بالنظر إلى طبيعة الكارثة وحجمها، هذه المرّة.

التقصير قد يأخذ شكل التقاعس عن أداء العمل، القيام به بشكل سيئ، كما قد يصل إلى التجريم إن كانت له صلة بإضرام النار أو التسبّب في عدم تهيئة الجاهزية لمواجهة الكوارث

جاء اجتماع مجلس الوزراء، بداية الأسبوع، ليؤكّد، بالإجراءات المتخذة، خصوصاً في جانبها القانوني لمفتعلي جرائم إضرام النيران، بأن الجانب الخاص بالمساءلة-المحاسبة سيكون شأناً من مدخل أن السياسات العامة لا تكون ناجعة، فاعلة وفعّالة إذا لم تكن مترافقة مع الإجراءات التي نؤكد عليها، دوماً، على غرار تقويم الأخطاء بقصد اكتشاف جوانب القصور، وصولاً إلى إقرار المسؤوليات وإيقاع الجزاءات بحقّ مفتعلي إضرام النيران أو بالمقصّرين، في ما يخصّ العمل الاستباقي، المواجهة أو المراحل اللاحقة لذلك، كله.

تلي ذلك كله، أيضاً، هنا، مرحلتان سنحتاج إلى تأكيدهما، هما مرحلة التعلم من الكوارث لتوقيها ومنع وقوعها مرّة أخرى، ثم استشراف المستقبل، خصوصاً مع ظهور تقارير بشأن التطورات الخاصة بالنيران التي شهدتها منطقة البحر الأبيض المتوسط وارتباط هذا بعدة عوامل، أضحت هيكلية تحتاج مواجهة من نوع خاص وجاهزية مستمرّة بعتاد، إمكانات مادية وبشرية ومواجهاتٍ من نوع جديد، تتضافر فيه جهود الجميع، وخصوصاً في المرحلة الأولى، أي المرحلة الاستباقية (التخطيط، المشاريع، المراقبة و الرقابة ثم المساءلة والمحاسبة، على كل المستويات وفي كل المراحل).

من الطبيعي أن يخطئ من يعمل، كما يقال في المثل، لكن الإشكالية في تغييب ما تحدّثنا عنه من تخطيط، تفكير منطقي في الإمكانات، تقييم الجاهزية بشكل مستمر، ثم التعلم من كوارث قد تقع مع التفكير في تفعيل ثنائية المساءلة-المحاسبة لمنع التقصير من أن يتسلّل إلى كل ما من شأنه إيقاع ضحايا والإضرار بالاقتصاد والمجتمع.

ثمة عقل ووعي للتعامل مع الكوارث يُحتاج استحضارهما وتحسين الجاهزية للتعامل مع كل ما يمكن أن يقع

لا يمكن لأي عمل، في هذا الإطار، أن ينجز إذا لم يكن هناك تعاضد بين الأولويات الأربع أعلاه، ولا يمكن لكل العمل أن يكون منتجاً سياسات عامة ناجعة، فاعلة وفعّالة، إذا لم يكن هناك تفعيل للمساءلة والمحاسبة، ذلك أن التقصير قد يأخذ شكل التقاعس عن أداء العمل، القيام به بشكل سيئ، كما قد يصل إلى التجريم إن كانت له صلة بإضرام النار أو التسبّب في عدم تهيئة الجاهزية لمواجهة الكوارث، وهي متوقعة ومنتظرة، مع تضافر الفعل الإجرامي مع العوامل ذات الصلة بالتغير المناخي وطبيعة تعامل الطبيعة، خصوصاً الغابات، كما جاء في تقارير عديدة، مع ذلك التغير وما ينتج عنه من عودة الكوارث، تقريباً، في كل مرة، بالحجم نفسه. ولكن كلما كانت الخطوات الاستباقية والجاهزية، بصفة خاصة، موجودة، كان ذلك أقرب إلى التعامل مع توجّه إلى تصفير عدد الضحايا وتقليص الأضرار بالممتلكات والاقتصاد.

المهم، في النهاية، ثمة عقل ووعي للتعامل مع الكوارث يُحتاج استحضارهما وتحسين الجاهزية للتعامل مع كل ما يمكن أن يقع… الرحمة للضحايا، الدعوة بالشفاء للجرحى، التعازي الخالصة لعائلات الضحايا والتحية لأبطال مواجهة النيران من رجال الحماية المدنية، الأسلاك الأمنية والجيش. والتحيّة الأخرى لهبّة الشعب لنجدة المناطق المتضرّرة وساكنيها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى