
بعد نحو ثمانية أيّام، تبدأ في المغرب الحملة الانتخابية الخاصّة بتشريعيات 23 سبتمبر/ أيلول 2026، وسيكون على 26 حزباً (أقلّ بستّة عن الانتخابات السابقة) أن تستميل ساكنةً ناخبةً لا تثق فيها إلى حد كبير. وهناك عناصر عدّة لانعدام الثقة، في مقدمها أنّ أكثر من 15 مليون ناخب يستعدّون للإدلاء بأصواتهم، مع تسجيل تراجع كبير عن عدد المسجَّلين في اقتراع 2021، الذي بلغ 17 مليون مسجَّل، ما يعني غياب مليونَي مسجَّل من الاقتراع السابق، أو شطبهم من اللوائح المعتمدة منذ خمس سنوات.
ولم تتجاوز عمليات التسجيل الجديد لهذه السنة 390 ألف اسم جديد. وهو عدد، في حدّ ذاته، يدقّ ناقوس الخطر بشأن نسبة المشاركة المتدنّية المتوقّعة في الاقتراع. ذلك أنّ حملات التحسيس التي شاركت فيها الإدارة الترابية (الدولة) والأحزاب معاً، لم تُقنع سوى قليلين من البالغين سنّ التصويت بتسجيل أنفسهم، في وقت رفضت الإدارة اعتماد البطاقة الوطنية وثيقةً للتصويت من دون القيد في اللوائح الانتخابية. ولعلَّ مردّ هذا إلى الخوف من كشف نسبة عزوف أشدّ هولاً. وسيكون من الصعب على المغرب تحقيق نسبة مشاركة محترمة، على الأقلّ كما في 2021، كما عبّر عن هذا الأمين العام لأقدم حزب في المغرب، حزب الاستقلال (1944). والسبب الذي ساعد في رفع نسبة المشاركة في الاقتراع السابق إلى 50,18% (تجاوزت نسبة المشاركة في 2016)، إجراء الاقتراعات (المحلّية والجهوية والبرلمانية) في يوم واحد وبعملية واحدة، وهو أمر لم يحصل قط في تاريخ الانتخابات في المغرب، ولن يتكرّر في انتخابات سبتمبر/ أيلول الحالي.
بات طبيعياً أن نسمع أنّ السياسة هي الاختيار الوحيد الذي لا ضرورة فيه للمعرفة والاستعداد، ويدخلها من يملك أكثر من الثروة
ولا تخفي الطبقة السياسية، في جزء كبير منها، نسبةً مثيرةً، بل مسّت حالة الشكّ والتردّد جزءاً كبيراً من النُّخبة الحزبية نفسها، ما أصبح يسمّى “عزوف النُّخبة عن الفضاء العمومي”، من خلال التعبيرات العمومية الفاترة، ومستوى التعبئة، وحجم الحضور الجماهيري في التجمّعات السياسية التي بدأت مبكّراً هذا الموسم. والصعقة الأكثر شدّةً وحرجاً هي التي أصابت النُّخبة السياسية من الأعلى، ومن عاهل البلاد نفسه الذي عبّر بلغة واضحة، لا لفّ فيها ولا دوران، إزاء نُخبة من سياسيّي بلاده، في الذكرى الـ18 لاعتلائه العرش، حين تساءل: “إذا أصبح ملك المغرب غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟”. وهو استنكار لا يزال قائماً، ويرخي بظلاله على المشهد السياسي، بل يزيد من قتامته ويعمق عزلة السياسيين وسط محيط يمتدّ من القمّة إلى القاعدة.
وقد وجد الصوت الذي بالغ السياسيون في عدم الإنصات له، أي الصوت الصاعد من الأعماق، صداه في الصوت الأعلى في البلاد، أي صوت الملك، ولم يكن هذا بسبب الانسجام العاطفي أو العفوي الذي طبع عهد الملك محمّد السادس، بل باعتباره المسؤول عن المؤسّسات، وبالتالي عن حيويتها ومردوديتها الديمقراطية، وليس شكلياتها فقط. وللملك شرعيته بوصفه مهندساً للدولة وأفقها الإصلاحي، لأنّه كان وراء بداية العهد الدستوري الجديد (دستور 2011) الذي منح المشروعية الدستورية كاملةً للسيادة الشعبية التي حسمها بشكل واضح، فجعل السيادة للأمّة، تمارسها مباشرةً من طريق الاستفتاء أو عبر ممثّليها بالاقتراع.
ولعلّ المفارقة الحالية، في ضوء انعدام الثقة والعزوف الكبير، أنّ الأمّة التي تمنح الشرعية للأحزاب بالتصويت قد تحرمها منها بواسطة عدم التصويت، أي بالعزوف باعتباره ترجمةً لسحب الثقة. أمّا تلك الهوّة السحيقة بين ترسانة دستورية وأخرى قانونية في مستوى رفيع، فشارك الجميع في إخراجها، وكان ما يحصل أن هذه الهوّة غطّت على المكتسبات. فالجميع، باستثناء الرافضين للعبة الديمقراطية أو الداعين إلى المقاطعة أو الذين يشتغلون من خارج الحقل السياسي (جماعة العدل والإحسان الإسلامية والنهج الديمقراطي الماركسي اللينيني أساساً) يجمعون على أنه لم يسبق أن جرت الانتخابات تحت ظلال ترسانة انتخابية بهذه الجودة التي وضعت في هذه الانتخابات، على الرغم من وجود ملاحظات.
من العوامل المهمّة أيضاً أنّ لا أحد من السياسيين يتجاوز موضوع الثقة، بل يمكن القول إنّ الجميع يقرّ به، والجميع يقيم المقارنة مع الفضاءات السيادية لممارسة السياسة الوطنية، بيد أنّ الثقة بوصفها انشغالاً حقيقياً لم تكن موضوع مجاهدة من المعنيين بها، ولم يكن انعدامها إزاء المؤسّسات المُنتخَبة موضوع مصارحة مع الذات (النقد الذاتي)، كما كان في مجالات أخرى؛ ونقصد هنا المؤسّسات السيادية مثل الأمن والعدالة والدبلوماسية، التي عملت واجتهدت واشتغلت على نفسها، مثال الأمن الوطني الذي كان العنوان الأسود للسياسة في المغرب، وعنوان انعدام الثقة في إحدى أذرع الدولة في زمن مضى، والذي أصبح حالياً يعطي مثالاً، داخلياً وخارجياً، في الترافع الاجتماعي وكرامة المنتمين إليه وتجويد أطره وتكوينهم ومستوى فهمهم لإشكالات الدولة ودور المجتمع وانخراطهم الفعّال في التنشئة السياسية الجديدة، من حيث تمثّل المنعطفات الكُبرى (المنعطف الحقوقي ومنعطف محاربة الفساد).
وفي مقابل المكابدة السيادية، نجد نوعاً من التراخي والدوس على معايير التنشئة السياسية والسهولة، والإفلات من منظومة القيم الفاصلة، المهنية والتكوينية، في الوسط الحزبي، وسيادة علاقات تكاد تكون فيودالية (إقطاعية) في بعض الأحيان، تطبعها الزبونية والتماهي مع بنية مخزنية قديمة تجاوزتها الدولة نفسها (يبدو أنّها تركت لهم الوصفة القديمة وابتكرت لها مخزناً جديداً أكثر قدرةً على التفاعل مع المجتمع الصاعد والدولة السيادية). وحقيقة الأمر أن داء العطب قديم وعميق، ولا أحد يتوهّم أنّ الأسبوعَيْن اللذَيْن يفصلان الناس عن الاقتراع كفيلان بسدّ الخصاص المهول في الثقة. بل يمكن توقّع الأنكى بسبب ارتفاع درجات العبث: فلا أحد من المتنافسين يحتفظ بهُويّته مدّةً طويلةً، بل يحدّد هُويّته بحسب المناسبات، ويتحدّد هذا من خلال من يقدّمه من مرشَّحين، ولو جاءوا من هيئات فكرية وسياسية متناقضة، وسرعان ما يصبح هؤلاء هم الموارد البشرية للأحزاب التي استعارتهم (كما حال الميركاتو الرياضي). وازداد تطاحن الأحزاب الحكومية على “نجوم” الفيوداليات الانتخابية.
الأمّة التي تمنح الشرعية للأحزاب بالتصويت قد تحرمها منها بواسطة عدم التصويت، أي بالعزوف باعتباره ترجمةً لسحب الثقة
وممّا زاد المشهد عبثيةً، وفتح باب القراءات الساخرة والناقمة، أنّ الحكومة خرجت تقاتل بعضها، في لحظة كان المفروض أن تدافع بصوت واحد عن حصيلتها السياسية أمام الناس. وتحكّم مظهران في قراءة الرأي العام لما يحدث: أوّلهما أنّ الحكومة تجمع الأحزاب وتوحّدها من أجل أن تتخاصم فيما بينها، ثمّ تخاصمها فيما بينها لكي تتحّد فيما بينها من بعد. وثانيهما أنّ الرأي العام يتابع الخصومات السياسية وهو يدرك أنّها ليست نتيجة خلاف في العمق الفكري أو البرنامجي، بقدر ما هي خلاف على اقتسام وديعة، يوجد المال في قلبها. مرّة أخرى، يعود العجل الذهبي للخلاف بين المعسكرَيْن، ولكلّ معسكر سامري متهمّ في نظر الآخر. وفي هذا الخضمّ، لا نعدم أشخاصاً في مناصب رفيعة، لكنّهم يمارسون سياسةً منحطّةً.
غالباً ما تميل النُّخبة السياسية المالكة للنفوذ إلى الدفاع عن نفسها بالاستشهاد بأعطاب المؤسّسات الأخرى، سيّما المؤسّسات التي ما زالت خاضعة للتعيين، عوض أن تجعل من الشعب سنداً لها في محاربة هذه المنظومة الريعية التي تحوّلت إلى نظام حكم في فترات من تاريخ المغرب، بل لعلّها، كما كتب صاحب هذه السطور، تُفضّل “التفاوض مع الدولة وتترك الشعب جانباً”.
المفارقة الواجب التنبيه إليها أنّ هذه الأوضاع، بالرغم من تعقّدها ومخاطرها، أفرزت عدميةً هجينةً غير قادرة على التغلغل في المفاصل الشعبية، كما أنّ الشعبوية التي عبّرت عن نفسها كانت، في غالبها، غير مقنعة في التحوّل إلى ورقة زحف جماهيري غامرة، بل هناك من قال إنّها شعبوية رديئة حتّى في لبوسها اللاسلموي. والمثير أنّ النُّخبة تقدّم مشهداً فظيعاً في وقت تنتظر البلاد أجندة تاريخية غير مسبوقة. أوّلها الحكم الذاتي، ثانيها الدولة الاجتماعية، وثالثها مونديال 2030.
والخلاصة أنّ حقيقة بسيطة غالباً ما تضيع: يهتمّ الشعب بالسياسة عندما تهتمّ السياسة به. وانتهى الأمر في بلاد غالبيتها شباب، من المفروض أن يكون الأمل واليوتوبيا عنصري الاستقطاب ومغناطيسَي الجذب، والحال أنّ ما يحدث اليوم، في غياب اليوتوبيا والمثال السامي، غلبة الانتهازية والبحث عن التموقع، مع تعطيل الانتماء القيمي والفكري والأيديولوجي.
وغابت القاعدة النضالية في الاختيار، وتلتها القاعدة المعرفية، وتقدّمت الوجوه القادرة على تحشيد الأصوات، على الرغم من مواردها المعرفية والنضالية الضعيفة أو المنعدمة، حتّى بات طبيعياً أن نسمع أنّ السياسة هي الاختيار الوحيد الذي لا ضرورة فيه للمعرفة والاستعداد، ويدخلها من يملك أكثر من الثروة. ولا مفاجأة متوقّعة في البروفايلات، وربّما في التشكيلة السياسية نفسها.
المصدر: العربي الجديد






