ليس للفلسطينيين إلّا ثلث حظّ الجنوب أفريقيين

   أحمد الشولي

يلقى الفلسطينيون اليوم تضامناً دولياً غير مسبوق طالما نشدوه. ووجدت أسئلة من قبيل: كيف لهذا العالم الذي يضجّ بحوار السلام والتعايش والعدالة أن يغفل عن هذا الجور كلّه في فلسطين؟ وكيف لهذه المؤسّسات والحكومات المسترسلة في سياسات السلام أن تفشل في دعم أبسط الحقوق؟ إجاباتها أخيراً في الاستفاقة العالمية وانكشاف التهرّب الرسمي من المسؤولية في ظلّ فداحة حرب الإبادة وسياسات التطهير العرقي الإسرائيلية المتعاظمة. باتت حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل اليوم في أقوى أطوارها، ما يدعو إلى التأمّل في انتصار جنوب أفريقيا على نظام الفصل العنصري البائد عبر حركة مقاطعة شبيهة، ومقارنة حظوظ فلسطين في مسار مشابه. للأسف، ليس لصالح الفلسطينيين إلّا عامل واحد من ثلاثة عوامل تظافرت في انتصار جنوب أفريقيا.
أوّلاً، كان اقتصاد الفصل العنصري صناعياً متقدّماً ترتبط به رؤوس أموال كبيرة كما هو الحال مع إسرائيل اليوم. لكنّ الجنوب أفريقيين الأصليين الذين شكلوا 80% من مجمل السكّان كانوا كثيفي الوجود في القطاعات الاقتصادية الرائدة، وفي مقدمها صناعة السيارات، بل شكّلوا أيضاً 30% من العمالة الماهرة في هذه القطاعات، ما عنى قدرةً هائلةً على التنظيم النقابي والاحتجاج، وارتهان رأس المال لهذه القوّة العمّالية الفاعلة.

تحتمي إسرائيل خلف درعٍ استثنائي يميّزها من الأنظمة الاستعمارية التي أبقت على الأقلّ على جزء من المجتمع المنكوب؛ فهدفت إسرائيل دائماً إلى إقصاء الفلسطينيين

في فلسطين، يبلغ عدد السكّان الأصليين ما يعادل نصف مجموع السكّان فقط، في ظلّ تصنيفات قانونية متفاوتة الحقوق، ولم تشكّل قوّة العمل الفلسطينية الآتية من الضفّة الغربية وقطاع غزّة ما يناهز 10% من مجمل القوى العاملة في إسرائيل في أيّ وقت، وكلّها تقريباً عمالة غير ماهرة، بمعنى أنّها يسهل استبدالها في أيّ لحظة، وتعمل في ظروف غير مثمرة للتنظيم النقابي ولخلق ثقل احتجاجي وازن. ما جرى من تزامن بين نضال الجنوب أفريقيين ضدّ الفصل العنصري في طوره الأخير والانتفاضة الفلسطينية الأولى يُظهر هذا التمايز. استبدلت إسرائيل في حينها بالعمّال الفلسطينيين الأوروبيين الشرقيين الوافدين من انهيار المعسكر الشيوعي، ثمّ الآسيويين الشرقيين إبّان الانتفاضة الثانية، والآن العمّال القادمين من جنوب آسيا ووسطها منذ 7 أكتوبر (2023). في كلّ مرّة حاول الفلسطينيون فعلاً مقاوماً، ردّت عليهم إسرائيل بعزل وإقصاء جديد، وهو ما لم يقوَ عليه نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الذي رضخ للضغوط أخيراً في بداية التسعينيّات من القرن الماضي.
بهذا، تحتمي إسرائيل خلف درعٍ استثنائي يميّزها من الأنظمة الاستعمارية التي أبقت على الأقلّ على جزء من المجتمع المنكوب؛ فهي هدفت دائماً إلى إقصاء الفلسطينيين عن العمل والموارد، بينما قامت أغلب أنظمة الاستعمار على استغلال الأصليين، وللمفارقة، فإنّ هذا التموضع الاستغلالي يتيح، في الوقت نفسه، رصيد قوّة لحركة التحرّر الوطني، وهو ما يغيب عن الشعوب المستعمَرة التي تكابد الإبادة والتهجير والتهميش. ثانياً، تضافرت قوى تضامن دولية مع الجنوب أفريقيين قد تبدو في ظاهرها مشابهةً لهذا التضامن المتصاعد مع الفلسطينيين. ولكن، بالنظر إلى مكوّنات حركة التضامن مع الجنوب أفريقيين يتّضح أنّ القوى المحرّكة تكاد تكون مختلفةً تماماً.

لا يزال الفلسطينيون بحاجة إلى إسناد نوعي، إذ لم يُفلح الإسناد الكمّي بعد في تقديم ما ينفعهم

تلاقى نضال جنوب أفريقيا الذي قام على حراك نقابي معتبر في قطاع صناعة السيارات أساساً مع نضالات نقابية أميركية وأوروبية ضدّ التحوّلات النيوليبرالية في بواكيرها، واستفاد عمّال دول الشمال من الضغوط التي أوجدها نضال جنوب أفريقيا ضدّ صناعيّي الشمال المقبلين على أسواق الإنتاج الجديدة. قاد نضال نقابات عمّال قطاع السيارات في الولايات المتحدة مثلاً حركة التضامن ضدّ العنصرية وجلب إليها أساساً الأميركيين من أصول أفريقية، ولهؤلاء في الثمانينيّات قوّة هائلة في النظام السياسي الأميركي قوامها حركة الحقوق المدنية التي انتصرت في ستينيّات القرن الماضي من خلال تأثير العمالة المنظّمة نفسها التي تشكّلت قبلها بعقدَيْن. أي أنّ قوّة الجنوب أفريقيين النقابية المنظّمة تلاقت في اللحظة المناسبة مع قوى نقابية منظّمة في شمال العالم استطاعت سويةً أن تُخضع نظام الفصل العنصري. لسوء حظّ الفلسطينيين، ليست قوّتهم البنيوية وحدها الغائبة، فليس هنالك حلفاء أقوياء يمكن أن يمدّوا يد المساعدة بعد أن قضت النيوليبرالية على القوى المدنية في أنحاء العالم وأحالتها إلى حطام. إنّ إضراب العمّال الإيطاليين العام المنصرم حول شحنات السلاح إلى إسرائيل لم يُفلح على سبيل المثال في إلزام الحكومة الإيطالية بشيء يُذكر، لتدهور ظروف العمل في العالم، وسهولة استبدال أيّ مناوئ لسياسة الأمر الواقع.
أخيراً، ينعُم الفلسطينيون بتقدير أغلب شعوب الأرض، ولا يشذّ عن هذا الآن إلّا أقلّيات، وهم في هذا فقط يشبهون الجنوب أفريقيين اليوم. تطوف العواصمَ مظاهراتٌ مليونيةٌ، فمن كان يصدّق أنّ لندن ستغرق يوماً ما في التضامن مع الفلسطينيين، وأنّ الجامعات الأميركية ستعيد لأجل فلسطين مشهدية رفض الحرب في فيتنام؟ ولكن، لم يأتِ هذا إلا بثمن الإبادة، ولا يزال مرهوناً بها. لا يزال الفلسطينيون بحاجة إلى إسناد نوعي، إذ لم يُفلح الإسناد الكمّي بعد في تقديم ما ينفعهم.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى