الرئيس الشرع في درعا.. زيارة داخلية أم رسائل سياسية إلى الخارج؟

  باسل المحمد

لم تأتِ زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى درعا في موعد معلن مسبقاً، ولم تسبقها، وفق ما ظهر، التحضيرات البروتوكولية المعتادة لمثل هذه الزيارات، كما بدا موكب الرئيس متواضعاً، في حين اقتصر التداول الإعلامي للزيارة على مقطع فيديو واحد انتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي. ملامح بدت للوهلة الأولى أقرب إلى زيارة اجتماعية أو جولة ميدانية عفوية منها إلى تحرك رئاسي يحمل رسائل سياسية معلنة.

لكن درعا ليست مدينة عادية في الحسابات السورية، كما أن توقيت الزيارة يجعل من الصعب فصلها تماماً عن التطورات المتسارعة في الجنوب السوري. فالمحافظة تقع في منطقة شديدة الحساسية، على تماس مع الجولان السوري المحتل، وفي ظل استمرار التوغلات والضغوط الإسرائيلية، وتصاعد التصريحات الإسرائيلية بشأن مستقبل الوجود العسكري في الجنوب والجولان. والتي كان آخرها زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي إلى الجولان، وما رافقها من تأكيدات على التمسك بالمنطقة وعدم الانسحاب منها ما دامت إسرائيل ترى وجود تهديدات لأمنها.

فهل أراد الرئيس الشرع من زيارته درعا أن يبعث برسالة اجتماعية، في إطار التواصل المباشر مع الأهالي والاقتراب من الشارع؟ أم أن اختيار المحافظة الجنوبية، وفي هذا التوقيت تحديداً، يحمل دلالات سياسية ورسائل تتجاوز حدود المشهد المحلي؟

رسائل متبادلة على الجبهة الجنوبية

ربما رأت دمشق أن بيانات الإدانة والشجب والاستنكار لم تعد كافية للرد على التصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب السوري، وأن مواجهة الرسائل السياسية الإسرائيلية قد تتطلب رسائل سورية مقابلة، وإن جاءت بصورة غير مباشرة.

وشهدت الآونة الأخيرة زيادة في التوغلات الإسرائيلية حتى وصلت ريف درعا، ففي 24 آب توغلت قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، في قرية معرية بريف درعا الغربي، وسط تحليق مكثف للطائرات المسيّرة في أجواء المنطقة، ليسبقه قبل يوم واحد توغل مشابه في منطقة حوض اليرموك.

وفي 25 من آب الجاري أجرى وزير دفاع الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس جولة داخل الأراضي السورية المحتلة، في قمة جبل الشيخ، برفقة عدد من كبار قادة جيش الاحتلال، معلناً أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من المنطقة ما دامت ما وصفها بـ”التهديدات” قائمة.

وقال كاتس خلال الجولة: “لن نغادر جبل الشيخ أو المنطقة الأمنية ما دامت التهديدات ضدنا قائمة”، في إشارة إلى المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل داخل الأراضي السورية، والتي تطلق عليها تل أبيب تسمية “المنطقة الأمنية”. كما وجّه رسالة إلى الرئيس أحمد الشرع، مدعياً أن وجود القوات الإسرائيلية في جبل الشيخ يهدف إلى حماية المستوطنات والحدود الإسرائيلية.

ولم يكن موقف كاتس منفصلاً عن تصريحات إسرائيلية سابقة بشأن الجولان؛ ففي 13 من آب جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تمسكه بالسيطرة على الجولان السوري المحتل، مؤكداً أن إسرائيل لن تتخلى عنه، وقال في تسجيل مصور من الجولان إن المنطقة “حيوية لأمن إسرائيل”، مضيفاً: “هذه أرضنا”، وأن العلم الإسرائيلي “سيواصل الرفرفة” فيها.

وفي حين دانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية دخول كاتس إلى الأراضي السورية وتخطيه الحدود الدولية، معتبرةً ذلك انتهاكاً سافراً لسيادة البلاد ووحدة أراضيها، تبدو زيارة الشرع إلى درعا وكأنها تحمل مستوى آخر من الرد، يتجاوز البيانات الرسمية إلى الحضور الميداني.

ومن هنا يمكن القول إن وجود الشرع في درعا قد يكون رسالة مباشرة إلى إسرائيل بأن دمشق لا تنظر إلى الجنوب باعتباره منطقة هامشية، وأن الدولة السورية، رغم الظروف الأمنية والسياسية المعقدة، ما زالت حاضرة في هذه المنطقة.

من جانبه يقول الصحفي محمد العواد، وهو من أبناء درعا، لموقع تلفزيون سوريا إن الرئيس ربما أراد للزيارة أن تكون “حمالة أوجه” وقابلة لقراءات متعددة، موضحاً أنه إذا جرى النظر إليها من الجانب السياسي، فقد تكون رسالة إلى الاحتلال الإسرائيلي، ولا سيما أن الزيارة جرت في محافظة درعا بالقرب من عدد من القرى السورية المحتلة، وتبعد المنطقة التي جرت فيها الزيارة نحو 20 إلى 25 كيلومتراً عن بعض تلك القرى.

ويضيف العواد أن الزيارة، في سياقها السياسي، ربما جاءت أيضاً رداً على زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، عندما وقف قبل أيام على جبل الشيخ السوري. كما يشير إلى أن منطقة درعا البلد قريبة من الحدود الأردنية، وأن الأردن يمثل حليفاً استراتيجياً للجانب السوري، ما يفتح المجال أمام قراءة الزيارة سياسياً من هذه الزاوية أيضاً.

 

زيارة ميدانية.. بين الناس واحتياجاتهم

إلى جانب القراءات السياسية المحتملة للزيارة، تبدو أبعاد اجتماعية واضحة في طريقة ظهور الرئيس الشرع في درعا، إذ ربما أراد أن يشعر أهالي المحافظة بأنه قريب منهم ومن مشكلاتهم واحتياجاتهم، بعيداً عن الصورة التقليدية للزيارات الرئاسية التي تحيطها المواكب الأمنية الكبيرة والبروتوكولات الرسمية.

فغياب الحشود الأمنية الكبيرة، ومحدودية الموكب، وعدم ظهور مظاهر بروتوكولية لافتة، يمكن أن تعكس رغبة في تقديم صورة مختلفة عن العلاقة بين الرئاسة والشارع، تقوم على التواصل المباشر والاقتراب من الناس، ولا سيما في محافظة عانت طويلاً من الحرب والدمار والتهميش.

وذكرت صفحات محلية أن الشرع زار مقر مجمع الحكومة الجديد في مدينة درعا، والتقى محافظ المدينة وعدداً من المسؤولين، للوقوف على الواقع الخدمي والمعيشي واحتياجات السكان. كما أظهر مقطع متداول الرئيس السوري برفقة محافظ درعا أنور طه الزعبي في حي درعا البلد، حيث التقى عدداً من العائلات، في حين بدت خلفهم آثار الدمار الذي خلفته سنوات الحرب.

ويبرز حجم التحديات التي تواجه المدينة أرقامٌ كان قد ذكرها رئيس مجلس مدينة درعا المهندس أمين العمري في تصريح سابق لوكالة “سانا”، إذ يبلغ عدد سكان المدينة نحو 200 ألف نسمة موزعين على 25 حياً سكنياً، تضرر 20 منها خلال سنوات الحرب بنسب تراوحت بين 10 و90 بالمئة، في حين بقيت خمسة أحياء سليمة فقط.

وفي هذا السياق، يرى الصحفي محمد العويد أن زيارة الشرع يمكن قراءتها من زاوية اجتماعية، بالنظر إلى المشكلات التي تعاني منها محافظة درعا منذ التحرير، وما خلفته سنوات الحرب من دمار وتحديات. ويشير إلى أن الزيارة يمكن أن تُفهم أيضاً باعتبارها تعبيراً عن بساطة التواصل بين الرئاسة والشارع السوري.

ولا تُعد زيارة الشرع إلى درعا الأولى من نوعها؛ فقد سبق أن زار المحافظة في حزيران/يونيو 2025، في أول أيام عيد الأضحى، وتجول في عدد من أحيائها ومعالمها، ولا سيما الجامع العمري في حي درعا البلد.

زيارة عائلية

لكن ثمة قراءة أخرى للزيارة، ربما تكون أبسط من كل التأويلات السياسية، وهي أنها زيارة عائلية بالدرجة الأولى، أراد الرئيس أحمد الشرع من خلالها زيارة أقاربه في مدينة درعا، كما حدث خلال زيارته الأولى للمحافظة في حزيران/يونيو 2025، عندما التقى عمته في درعا.

وهذه الفرضية رجحتها أيضاً مواقع محلية، من بينها “تجمع أحرار حوران”، الذي أشار إلى أن الزيارة قد تكون ذات أهداف عائلية، وهو ما ينسجم مع طبيعة الزيارة الحالية التي غابت عنها التحضيرات الرسمية والمواكب الكبيرة والمظاهر البروتوكولية.

ويرى الصحفي علي عيد، في حديث لموقع “تلفزيون سوريا”، أنه من الممكن أن تكون الزيارة عادية وبسيطة، وألا تُحمّل بالضرورة كل هذه الدلالات السياسية. ويوضح أن الرئيس اختار زيارة أحد الأحياء التي ينحدر معظم سكانها من أهلنا في الجولان السوري، وهي المنطقة التي ينحدر منها الشرع نفسه.

ويضيف عيد أن البعد الاجتماعي للزيارة يبدو واضحاً، باعتبارها زيارة لصلة الرحم، لكن في الوقت نفسه، عندما يتحرك رئيس الدولة، فلا بد أن تكون لتحركه دلالات، حتى لو كان الأمر متعلقاً بزيارة عائلية وصلة رحم.

وبذلك، قد لا يكون البعد العائلي والسياسي للزيارة متناقضين بالضرورة؛ فقد تكون الزيارة بدأت بدافع شخصي وعائلي، لكنها اكتسبت بحكم موقع صاحبها وتوقيت الزيارة ومكانها دلالات تتجاوز إطارها العائلي. فوجود رئيس الدولة في درعا، حتى في زيارة خاصة وبسيطة، يحول المشهد تلقائياً إلى حدث قابل للقراءة السياسية والاجتماعية في آن واحد.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى