حكايات قريتنا – الجزء السادس

  د.عيسى بن ضيف الله حداد

حديث السكان

البواكير الأولى

حال حضورنا إلى دارنا من حيفا، وجدنا الحجرة العلوية الحديثة (العليّة)، مأهولة بعائلة وافدة من جبل العرب. كانت جدتي قد وهبتهم هذه الحجرة وحافظت لنفسها على الحجرة السفلية (البيت).

في ذاك الزمان في قرى حوران، لم تكن ثقافة الإيجار والاستئجار قد غزت المكان، ففي تلك الحقبة من الزمان لم يألف سكان قريتنا ولا منطقتنا مثل هذه الممارسة..

ولم يعتد الناس بعد، أو بدرجة كافية على النقد، فما زال الاقتصاد المنزلي هو السائد، والتبادل بالمقايضة هي الرائجة.

تراوح تعداد تلك العائلة ستة أفراد، أب وأم وأربع أبناء، وتعدادنا نحن بدورنا خمسة أفراد علاوة على جدتي. لم يكن بوسع هذه الدار ضم الجميع، بيد أنه لا يمكن القذف بهم هكذا، بقينا معاً لبعض من الوقت.

كانت هذه العائلة لطيفة المعشر، على درجة من الرقي، وهو ما يتمتع به على العموم سكان جبل العرب من دروز ومسيحيين. ربما يعود الأمر لصلتهم الوطيدة بلبنان، المنفتح أكثر من غيره على حداثة العصر.

لا أذكر بالضبط عدد الأسابيع التي مررنا بها معاً، في مشاركة ووئام في هذه الدار المتواضعة، بيد أن الذي بقي محفوراً في ذاكرتي، ولم أنساه قط هو الفتاة الصغيرة ” شذى ” وما جرى لي ولها.

شذى الصغيرة بيضاء البشرة، نحيلة القامة متناسقة القوام، لطيفة المعشر، تقربني عمراً أو أصغر بعام. كنا نلعب معاً كسائر الأطفال في عمرنا.

قادتني مرة إلى حوش الدار لقضاء الحاجة الضرورية. كنت وهي، مازلنا نرتدي الثياب العصرية. أنا في بنطالي القصير، على غرار أطفال مدارس فلسطين، وهي في تنورتها القصيرة… نزعنا كل ما يلزم لقضاء الحاجة.

فضولي هو أم فضولها لا أدري، هو ما قادني أو قادها للنظر إلى الأسفل بين الفخذين، رأيت شقاً وردياً، بدورها هي أرسلت ناظريها إلى أسفلي، رأت عضواً صغيراً بارزاً.

تناوبت وتبادلت أنظارنا.. لفنّا سرور وعجب. أصابعها تلامس عضوي، أصابعي تلامس عضوها.. ببراءة تدغدغنا وبغبطة ضحكنا.

على حين غرة، حضرت أختها الكبرى لتنهرنا وتزجرنا، وتلعننا وتشتمنا بشتائم لا تحضرني على التو. تسمع جدتي جانباً من السباب والشتائم، تحضر مسرعةً، تأخذني جانباً وتقولي بحنان دافق: حذاري “يا ضناي” أن تغضب الرب هذا حرام لا تعد لها، سيكون مصيرك جهنم وبئس المصير..

يرتجف كياني، أتصبب عرقا، وجهي يحمر خجلاً.. البكاء ملجئي.. آثرتُ العزلة في ذلك اليوم، الرهبة تهيمن علي.. لكم مخيف ومرعب هو الرب…!!

لم أعد أحفل من بعد، على الرغم مني، باللعب مع شذى.. غدت لي عالماً مفعماً بالرهبة والأسرار..

شذى وذويها يغادرونا.. بقيت شذى عالقة في حناياي، وآثار تلك التجربة المؤلمة لم تبارحني.

ما لبث في زمن طفولتي، يزورني في نومي رجل ضخم قابض على هراوة، يريد بها هرس رأسي. أفتح عيني على عجل، وفي وجل ترتعد فرائصي..

 🛑

لم احضر معي من حيفا، سوى بنطال صغير وحذاء وأنشودة. لم تصمد هذه الأشياء طويلاً. توارت آثارها رويداً، رويداً.. لم تكن الأنشودة تلك، سوى ترنيمة دينية باللغة الإنكليزية حفظتها عن ظهر قلب، من تلقين راهبات مدرسة الحضانة في حيفا. من مطلع الترنيمة:

Merry Christmas      now is here

لم أعد أذكر من الترنيمة ما سوى، بيد أنّي ما زلت أذكر. كيف دأب أبي دعوتي، في حضرة من أترابه، كي أنشد لهم هذه الترنيمة.. يقدم الأتراب لي أجمل ما لديهم من آيات الثناء والاستحسان بلا حساب. ينتشي أبي بي فخراً.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إنما طفق الرجال يستوقفونني عندما أكون في تجوال عبر أزقة القرية، لأسمعهم إياها.

لم تعد هذه الأنشودة ذات شأن لي، فقد طواها الزمن، كغيرها من الرؤى الأخرى التي سجلتها حافظتي من حيفا.. حتى الأشياء القليلة التي حملتها معي، راحت تتوارى تباعاً.

 🛑

مع جدتي – نحن الأطفال نعيش الحياة كما هي، نندمج فيها بدون تعقيد، نتعلم فيها بحسنا الكلي، ما حولنا نعرفه دونما مشقة، كأننا جئنا منذ الأزل مزودين بمعرفتنا إياه، هكذا كانت علاقاتي بمن حولي ومحيطي وجدتي.

حالما التقيت بجدتي بعد حيفا، وجدتني أعرفها، أعرف اسمها ولونها، ألمس حبها إياي، وأشعر بحبي لها، هي جدتي،- أم ضيف الله- أبي، وهي جدتي ” سيده “، كما يدعونها التي تلفظ في القرية، سِيدِه بكسر السين والدال.

جدي الذي أحمل اسمه أكاد لا احفل به، إلا عندما يذكرني أحد، لم تسعف الحياة جدي كي أره، فحرب آل عثمان اختطفته، من بين ذويه…

سرني أن أسمع من أترابه، المسنين الأحياء، كلمات الثناء على خصاله، وعلى شبهي به. يعرفونه بدمث الأخلاق، طيب الشمائل، شهم وشجاع، وأني أنا أحمل هذه الخصال.. حسبما يزعمون…!!

لا أدرى كيف أباح هؤلاء لأنفسهم إصدار الأحكام عليّ، وأنا مازلت طفلاً، لم يظهر خيري من شري.. أهو مجرد إطراء، أم بفعل التمني، أو دعوة تشجيعية للسير في ذوات السبيل، أم ماذا…؟

لا أستطيع تحديد عمر جدتي آنئذ، كما لا يمكن الركون إلى السجل المدني لتحديد عمرها الحقيقي. الأمر لا ينطبق عليها وحدها، فالناس في المناطق الريفية العربية، في تلك الحقبة التاريخية العثمانية من الزمن، لم يكتسبوا بعد الحس المدني، ناهيك عن علاقاتهم بالدولة، علاقة واهية، اضطرارية، جبرية، يبحثون بكل الوسائل لاتقاء شرها وإخفاء وجودهم عنها.

لا تعني الدولة لهم، أكثر من الخضوع لدفع المكوس وزج الرجال كجنود في الحروب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل. بيد أنني ووفقاً لقرائن عديدة، بوسعي أن أضع عمراً تقريبياً لجدتي، تكون فيه آنئذ قد قاربت أو تجاوزت الخمسين حولاً.

جدتي صلبة العود، سمراء البشرة، وسم الزمن على وجهها أخاديد عميقة، تختزن فيها الحنان والمعاناة معاً، تمتلك عينين سوداويين تتدفق بالبشر والصبر، لها يدان خشنتان من فرط ما أنجزت من عمل. حياتها لغيرها، للابن والأحفاد والآخرين، من الأقارب والجيران. آثرت حياة الترمل ورعاية ابنيها، أبي وشقيقته عمتي.. صابرة، مثابرة لا تكل لا تمل.. من أقوالها ” التعب كالقذارة ” هي تزول بالغسيل، هو ينقضي بالراحة “.

يسرها أن تقدم خدمات للآخرين، بكل طواعية وأريحية، لا ترجو بديلاً لهذه الخدمات، أتيقن أن ما مر بخاطرها يوماً قط، استرداد مكافأة لما تقدمه من جهد.      لبعض من خصال جدتي مبعث شقاق بينها وبين أمي.. تنتمي أمي إلى جيل آخر، كونها عبرت في تجربة مدنية في حقبة حيفا، مما غرز فيها حساً مدنياً عملياً. كنت منحازاً بعفوية إلى جدتي، من دونما تعليل ذهني.

لن يفوتني، أن أذكر لي من فرع أمي جدين – سمعان ومريم، مازالا حين ذا على قيد الحياة، يعيشان في دارهما التي تجمعهما مع عائلة خالٍ لي. كانا ضريرين وطيبين.

جدي لأمي عصبي المزاج، يصرخ على الدوام أو بالكاد، جدتي مريم هادئة وطيبة وصبورة، صورة قريبة الشبه لجدتي لأبي.

ما أدهشني من شأن جدتي مريم.. هو ما يتعلق في قدرتها الفذة لمعرفة دور القرية، وأنا أقودها في أزقتها، كما لو كانت تبصرها.

يهتم هذا الجدان بأحفادهما قدر المستطاع، بيد أني لم أتعلق بهما، بمقدار تعلقي لجدتي لأبي. لا يوجد سبب جلي لهذا الإحساس، ربما فرضته المعايشة، أو خصال مميزة لجدتي، لأبي.

لا أدري، إن كان تمتعي باسم جدي لأبي (عيسى)، قد أضفى على هذه العلاقة حميّة خاصة.. أكان بوسعي تمثل الرمز، أم أنه تقمص، تحقق بعفوية غريزية، دونما فلسفة…؟

 🛑

حكايات جدتي: تلقفتني جدتي بالرعاية وبكل صنوف الاهتمام. تولت تهذيبي وتثقيفي بما تمتلك من معارف وأقاصيص وأخبار. أتقبل ذلك بشغف وأطالبها بالمزيد. حالما فرغت جعبتها، شرعت تعيد ما لديها بشيء من التجديد، انتابني ملل. غدوت عندما تشرع بالسرد أعمد لاستكمال ما تلى في الأقصوصة، فتتوقف ضاحكة.

لي أن أعترف، في أن معارفها زودتني بفيض من الفائدة، في معرفة بعض ما تنتجه الطبيعة وخبرات في أشياء أخرى.

يروق لها ولي، أن نجلس الأماسي الصيفية أمام الدار، وكان أبي قد أنشأ عتبة من الحجارة المصقولة، تصلح كمقاعد أمام الباب الرئيسي المطل على الغرب.

على هذه العتبة، كنا نتخذ منها مقعداً، ونرنو ببصرنا نحو الفضاء الممتد بعيداً نحو اللانهاية، نرقب شفق الأفق والشمس الآيلة للغروب.

في هذا الجو المفعم بالسحر والسكينة، تبدأ المسامرة، كانت تدور كالمعتاد حول نمط من الامتحان عبر توجيه أسئلة لي، بمثابة ” حزورة “.

تنبثق” تلك الحزازير ” من أشياء متعارف عليها من بيئتها، التي ما فتئت تراها وتتعامل معها في انشغالاتها واهتماماتها.

من بينها، مما مازال يثير لدي الابتسام، لكونها شكلت لي مشكلة، عندما وُجهت لي لأول مرة. قالت لي: استمع: ” شي بدور بدور، يعمل تحته صبور ” – استبدلت هنا كلمة يعمل بدل من كلمة أخري نابية، احتراماً للذوق العام -.. شرعت أبحث وأجول حتى عجزت، فقالت كلمتها المحببة إليها ” يا ضناي، أنه المنخل، ألا أتراني وأنا أعجن العجين كيف ينحدر الطحين، إلى الأسفل “.

أغضب من فشلي.. أولول:” حزورة أخرى يا جدتي “. تقول لي، احترز هذه المرة، وفكر جيداً، ” صحن لبن بالطاقة لا هو جمل ولا ناقة، ما هو إذن؟.

يتجوّل ذهني يميناً وشمالاً علواً وهبوطاً، في الأشياء التي تصنعها جدتي.. أستسلم لفشلي.

تقول لي ” سأترك لك فك الحزورة على التو، ربما تكون  صعبة عليك، هاك أخرى ” عوج قرنيها سود عينيها، العنزة الله لا يهديك عليها “.

يصول ذهني ويجول.. أدرك من المحال أن أعثر على سر الحبكة، أجدني وقد أًسقط في يدي “.. مرة أخرى أولول.. لماذا تصعبيها علي يا جدتي.!

تقول لي ضاحكة.. “هاكها “، الأولى، صحن اللبن بذاته، أما الثانية فهي العنزة بلحمها ودمها “.

أردفت تقول: لكي تصل إلى الحل الصحيح، عليك أن تفكر بالمغزى العام للكلام، لا بجزء منه “.

أجل، أضحك من سذاجتي.. سأفعل يا جدتي وآخذ بحذري، بيد أننّي ما لبثت أن تعثرت ووقعت في مطبات، بين الفينة والفينة.

كان قولها الخاص لي، بالمغزى العام للكلام، بمثابة درس بليغ، ربما كان أول وأهم الدروس المفيدة التي تلقيتها من جدتي، التي لم تتعرف قطعاً على دروس المنطق والفلسفة، ولم تدخل قط مدرسة.

 🛑

من حكايات جدتي: كان عالم جدتي القصصي عالماً مزيجاً عجيباً، مترعاً بالخوف والخرافة، منبعثاً من عالم ساد فيه الرعب والظلمة وقسوة الطبيعة والجهل بقوانينها.

عالم الغيلان السحرة، والأموات الذين يخرجون من قبورهم ليلاً، والجني القادر على رصد الأمكنة القديمة الحاوية على الكنوز، والضبع (أبو الفطس) القادر على سحب الرجل بتأثير رشقة ذيل من بوله، ثم جر الرجل إلى وكره لالتهامه قطعة قطعة، والذئاب الفتاكة بالأغنام، والثعلب أبو الحصين، الذي يغزوا الدجاج ليلاً، ومرويات عن بطولات وأحداث لبدو والصحراء، والأمير النبيل الذي خلص المرأة من قطاع الطرق ووضع السيف بينه وبينها، حين نام ليلته وإياها.. وروايات من سفر برلك (العهد العثماني)، كالدركي الكردي الذي يتسلط على الناس بلكنته المميزة.

كانت الأمسيات والليالي الشتوية الطويلة والقاتمة، هي القمينة بجعل هذه الأقاصيص تنهال كالأنهار، بينما كانت أماسي الصيف هي من شأن مسامرات الحزازير”.

طفقت أطالب بإلحاح وشغف لسماع هذه المرويات المسماة بالتعبير الشعبي الموفق بالسوالف (من سلف). [لا يفوتني أن أشير هنا ا ان السوالف -من سلف – تحمل المعن الايجابي للذي سلف، من حيث قد عبر وغبر وهو مصدر تسلية ومسامرة ويحمل عبرة، بينما في المقابل تأتي السلفية من موقع آخر، يتمثل بالتعلق التبعي – الوثني للسابق القديم –أي كمرجعية للفكر والحياة.. والملاحظ أن كلمة سوالف منتشرة في معظم أجزاء الربيع العربي.. أتذكر ذات مرة كنت أتجول في دبي.. ظهر أمامي مقهى يحمل اسم سوالف.. مما قد ذكرني بسوالف قريتي وجدتي.. فابتسمت في سري..]

تروق لي تلك السوالف، عندما أدس نفسي في فراش جدتي، بحثاً عن الدفء والأمن والسوالف في ليالي الصقيع وعصف الريح.

كثيراً ما يتردد صدى هذه المرويات لاسيما المرعبة منها أثناء نومي، فأرى الضبع حيناً يسحبني، على طريقة وصف مروية جدتي، حيث يبول على ذيله ويرشقه عليّ، فأصبح تحت تأثيره السري والسحري فأجري وراءه منادياً ” وقف لي يا أخوي ” – يستمر ركضي وراء الضبع، حتى يأتي أبي ويشج رأسي بالحجر، كي ينقذني من التأثير السحري لفعالية بوله، فأستيقظ من نومي وجفاً مذعوراً. من حين إلى حين، كانت الغيلان تأتيني في رؤى الأحلام، بوجهها المرعب البشع باحثة عن لحمي الطري.

 🛑

من مآثر جدتي – المقلاع: لم تنحسر مآثر جدتي في غزوي بقيم الخوف والرهبة من الضباع والجن والأشباح والغيلان، إنما قد دأبت تجهد ذاتها على غرزي بقيم الشجاعة، وتطلبها مني ناسيةً حكاياتها المثيرة للرعب.. عالمها الموحد لم تتخلَ عنه قط.

حرمتني من تناول قلب الدجاجة، في حين قدمتها لأختي الصغرى قائلةً: إن قلب الدجاجة يحمل مَلَكة الخوف، وهو حري بالأنثى، فلا ضير عليها لأنها بالخوف قد جبلت – حسب معتقد جدتي.

طالبتني بذبح الديك، لأن الرجل وحده الخليق بذبح الديك، لا المرأة، بيد أنني رفضت بإصرار مأثرة الذبح هذه، لأن مخيلتي لم تتآلف قط مع رقصة الموت الأخيرة، التي ترنح بها الديك المقطوع الرأس، حينما ذبحه أبي.. ذلك الديك المسكين، فحل الدجاجات، الذي كان أثيراً لدي.

لم تكن جدتي راضية عن تمنّعي عن ذبح الديك، واعتبرته فعل جبن، فعمدت لحياكة مقلاع من الصوف لأضعه في زناري، كي أجيد فن الرماية في المقلاع قائلةً: أنه مفيد لك في يوم الملمات، ولكن إياك والاعتداء على أحد، دافع به عن نفسك فحسب.

شرعتُ في التدريب الحر على ضرب المقلاع حتى أتقنت هذا الفن.

كانت تجربتي الأولى مع مقلاعي، في رمي دار جارتنا بحجارته، حين أغضبتني العجوز التي كانت تناهز جدتي عمراً.. وقد كانت العمة ” ن” على قرابة وثيقة بنا.. ما برحت هذه العجوز تغني لحفيدها، طوال النهار وبعض الليل، أغنية سمجة، عافتها نفسي، فما انفكت تترنم، وترنم حفيدها ” فادي يابو (الكاكا) على الثوب، والجاج ينقد عساقيلوا “.

ما برح التكرار الممل للأغنية وطوال النهار وسحابة من الليل على وتيرة واحدة، مثار غضبي وشفقتي على حفيدها، ولم يتجاوز في عمره العامين، وهو من أقاربي.

ذات يوم.. انتهزت فيه غياب جدتي وبقية الآل من الدار.. جردت مقلاعي، وبكل عنف ومهارة، رميت دار جارتنا العجوز. خرجت العجوز وفي جعبتها كمية هائلة من التهديد والشتائم، حط عليها مني نصيب. وما أسهل على الطفل من تلقف أدب الشتم واللعن، فقد مهرنا فيه وبرعنا.

خرج حفيدها، الصبي، وكان أكبر مني عمراً.. وأقوى بنيةً وساعداً.. كنت نحيفاً ضعيف البنية.. بيد أن مقلاعي، هذه الأثيرة لدى نفسي.. من بطشه نجوت..

كنت وأنا أرمي في هذا المنجنيق الصوفي.. حجارتي على الباب الحديدي للدار.. وآل الدار في حصار.. أهمس في ذاتي.. كم هي رائعة جدتي في مقلاعها.. لولاها، كنت في أسوأ حال.

لم يكن أمام الصبي الحفيد، من بأس سديد.. سوى أن يمارس طقوس الشتم واللعن والسب.. كانت التلك كثيفة ومثيرة في امتدادها وتنوعها.. طار فيها الأم والأب وأم الأم وأم أم الأم.. وأب الأم.. وأب أب الأم.. وأب الأب.. وأب أب الأب.. حتى السلف العاشر.

لم يعف هذا الصبي الشقي، حتى عن لعن كل الأعضاء الجنسية لهؤلاء بقضهم وقضيضهم. والأغرب أن قاموس اللعن والشتم والسب قد انصب على الرب.

الأكثر غرابة.. أنه قد جعل لهذا الرب ربي.. لا ربه.. عضواً جنسياً ذكرياً.. ليشتمه.. لكأنما لكل منا ربه الشخصي.. على وتيرة لكل منا أم وأب.. وبضاعته الشخصية السرية الحميمة لديه.. والتي هي بدورها.. وبحد ذاتها.. مصدر محفلنا الشتائمي.. واحتفاليتنا عبر طقوس اللعن والشتم والسب بسبب أو بدون سبب…!!

حضرت جدتي عنفتني، لم تلق بالاً إلى الكم الهائل من الشتائم الذي انهال على رأسي أنا، وعلى رأسها بدورها. قلت لها، وأنا في موقف لا أحسد عليه: يا جدتي، هل يليق بها أن تغني لفادي الصغير هذه الأغنية المقززة، كفى.. لا تنسي أن هذا الوغد وهي (إشارة إلى الصبي) قد سبا ربي و..

مرة أخرى لم تحفل جدتي بما أصابها وربي.. من إهانة مروعةـ له و.. وقد اعتادت أذنها على سماع كلمات من هذا القاموس الفريد من نوعه وتنوعه.

هدأت جدتي من روعي، وانتحت بيّ جانباً هامسةً في أذني: هذا شأنها يا ضناي، مالك ولها، ثم ألا ترَ صغيرها ينام على لحن هذه الأغنية، أنه لا يفقه ما تعني.

وقفت متفكراً.. سألتها: هل غنيت لي يا جدتي هذه الأغنية في صغري، في عمر فادي. قالت: أجل أحياناً، عندما كنت تفعلها، على حضني.. وما أكثر ما صنعت – وماذا كنت تغنين لي يا جدتي..  قالت: اسمع ” عيسى يا بو بارودة – عود النخل مدلّي “. – ” يا حادي يا بادي دب فادي في الوادي.. قشر جوز طعميهم اللبات لعيسى والقشرات لفادي.. و.. –

دغدغت هذه الأغاني غروري وهدأت من ثورتي.. تركت جارتي لشدوها. لم يعد غناؤها يثير غضبي، إنما هزئي وسخريتي.

لم تكن تلك المرة الوحيدة التي تمتعت فيها باستعمال مقلاع جدتي، فما برحت جدتي تعيد حياكته كلما كبرت، لازم مقلاعي زناري طوال الوقت. أروع ما أسدى لي هذا المقلاع من خدمات، حينما كنت أرمي بحجارة مقلاعي رجال شرطة ” حكومة الانفصال ” في جامعة دمشق، أثناء اشتراكي في المظاهرات الطلابية في بدايات أعوام الستينات.

عندما أتذكر جدتي في يومي: أردد في نفسي. آه.. كم كنت رائعة يا جدتي.. ولكم كنت أنا شقيا…!!!  [ملاحظات على جدار النص: – 1- تذكرني ظاهرة مفردة الرب الشخصي، التي ظهرت في المحفل الشتائم للنص.. بحضور دور للإله الشخصي، في تشكيلة المنظومة اللاهوتية لأسلافنا القدامى – في بداية التاريخ -.. أرى أن تلك الظاهرة تشكل إحدى الموروثات الخفية التي مازالت تظهر بين الفينة والأخرى.. في وعينا المدرك واللا مدرك.. —.. كان الرب القديم مشخصاً.. مجسداً.. له مالنا.. وعنده ما عندنا.. رغباته كرغباتنا.. وربما أكثر.. وهذا هو الرب التوراتي، يتنعم بمرآى الدم وبرائحة شواء اللحم.. ويغضب ويندم.. ويداعب موسى ولا يريه إلا مؤخرته.. من حيث لا يحق له (لموسى) أن يرى وجهه.. وأكثر من ذلك فقد تجرأ ودخل في صراع جسدي مع يعقوب المقتدر…]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى