خمسة عشر عامًا من الاختفاء القسري في سوريا: حق الأسر في الحقيقة واجب مستمر

في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، تؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ البحث عن المختفين، وحماية الأدلة، وإنصاف الأسر، والمساءلة عن الانتهاكات، مسارات متكاملة لا يجوز فصلها

أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرها السنوي “خمسة عشر عامًا من الاختفاء القسري في سوريا حق الأسر في الحقيقة واجب مستمر ” بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، أكدت فيه أنَّ البحث عن الأشخاص المختفين، وحماية الأدلة، وجبر ضرر العائلات، والمساءلة عن الانتهاكات، تمثل مسارات مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض.

وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إنَّّ ما لا يقل عن 177,021 شخصًا، بينهم 4,536 طفلًا و8,984 سيدة، ما زالوا في عداد المختفين قسريًا في سوريا منذ آذار/مارس 2011. كما وثقت الشبكة مقتل ما لا يقل عن 45,365 شخصًا بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز اللاإنسانية خلال الفترة نفسها، بينهم 45,038 شخصًا قضوا داخل مراكز احتجاز تابعة لنظام الأسد السابق. وتستند هذه الأرقام إلى معيار الشبكة القائم على استخدام عبارة «ما لا يقل عن»، ما يعني أنَّ الأعداد الفعلية يُرجح أن تتجاوز الحالات التي تمكنت الشبكة من توثيقها.

ومنذ آذار/مارس 2011، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنماطًا واسعة النطاق من الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري ارتكبها نظام بشار الأسد في سياق قمع الاحتجاجات والمعارضة الفعلية أو المفترضة. وقد اقترنت منظومة الاحتجاز لدى النظام السابق بالتعذيب، والعنف الجنسي، والحرمان من الرعاية الطبية، والقتل غير المشروع، والوفاة الناجمة عن ظروف الاحتجاز اللاإنسانية، فضلًا عن الحرمان المنهجي للعائلات من الحصول على معلومات موثوقة بشأن مصير أقاربها. كما وثقت الشبكة انتهاكات جسيمة تُنسب إلى أطراف أخرى في النزاع، بما في ذلك الاختفاء القسري حيثما توافرت أركانه القانونية ذات الصلة، إلى جانب الاعتقال التعسفي، والاختطاف، وأخذ الرهائن في حالات أخرى. ويشدد التقرير على أنَّ نطاق هذه الانتهاكات وأنماطها والمسؤولية عنها يختلف بدرجة كبيرة بين النظام السابق والأطراف الأخرى.

ولم يؤدِّ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى إنهاء انتهاك الاختفاء القسري أو إغلاق ملف المختفين، إذ يظل الاختفاء القسري انتهاكًا مستمرًا ما دام مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده مجهولًا. ولذلك يدعو التقرير إلى الانتقال من مرحلة التوثيق في ظل ظروف شديدة التقييد إلى بذل جهود منهجية لتحديد مصير الأشخاص المختفين، وحماية الأدلة، وتحديد مواقع المقابر الجماعية، وفحص السجلات والمحفوظات، وربط المعلومات التي كانت متفرقة في السابق.

ويذكر التقرير أنَّ للضحايا وعائلاتهم الحق في معرفة ظروف الاختفاء، ومصير الشخص المختفي، ومكان وجوده. ووفقًا للمعايير الدولية التي يستشهد بها التقرير، يشمل مفهوم الضحية الشخص المختفي، وأقاربه، وكل من لحق به ضرر مباشر نتيجة الاختفاء. ويعترف قرار الجمعية العامة 60/147 لعام 2005 بخمسة أشكال لجبر الضرر، هي: الرد، والتعويض، وإعادة التأهيل، والترضية، وضمانات عدم التكرار.

وعلى مدى أكثر من خمسة عشر عامًا، عانت عائلات الأشخاص المختفين قسريًا من تداعيات نفسية واقتصادية واجتماعية خطيرة، إذ عجز آلاف منها عن معرفة مصير أقاربهم، أو إقامة مراسم الدفن، أو الحصول على شهادات وفاة موثوقة، أو تسوية المسائل القانونية وقضايا الميراث. ويدعو التقرير إلى وضع العائلات في صميم جميع العمليات المتعلقة بالمفقودين، مع ضمان الشفافية والسرية، وحماية البيانات الشخصية، ومراعاة الاحتياجات الخاصة للنساء والأطفال والأشخاص الأكثر عرضة للضرر.

كما تفرض المرحلة الجديدة حاجة ملحة إلى حماية الأدلة. ويحدد التقرير جملة من المخاطر، من بينها فقدان الأدلة، أو العبث بها، أو نقلها، أو إتلافها، فضلًا عن عدم توفير الحماية الكافية لمواقع المقابر الجماعية. وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى إنشاء برنامج وطني ودولي متكامل لحصر مراكز الاحتجاز السابقة؛ وحماية المحفوظات والسجلات الأمنية والعسكرية والقضائية والمدنية؛ وتوثيق المقابر الجماعية؛ والحفاظ على سلسلة حيازة الأدلة؛ وإشراك مختصين في الطب الشرعي، والأنثروبولوجيا الشرعية، وتحليل الحمض النووي.

كما يجب أن يظل البحث عن المفقودين مستقلًا وآمنًا ومتمحورًا حول العائلات. وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى تكامل الأدوار بين اللجنة الوطنية للمفقودين، والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، وآليات الأمم المتحدة ذات الصلة، والهيئات الدولية المتخصصة، ومنظمات المجتمع المدني السورية، والسلطات القضائية، ومؤسسات الطب الشرعي. كما يجب حماية المعلومات الحساسة، وألا يؤدي التعاون بين مسار كشف الحقيقة ومسار المساءلة القضائية إلى النقل التلقائي للبيانات أو إلى تعريض الضحايا أو الشهود أو العائلات لمخاطر إضافية.

السياق القانوني

تعرّف الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الاختفاء القسري بأنَّه الحرمان من الحرية على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأشخاص يتصرفون بإذن أو دعم أو موافقة من الدولة، يعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته، أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، بما يحرمه من حماية القانون. ويذكر التقرير أنَّ الأنماط الموثقة في سوريا قد ترقى، متى ثبتت أركانها أمام الهيئات القضائية المختصة، إلى جريمة الاختفاء القسري بوصفها جريمة ضد الإنسانية بموجب المادة 7(1)(ط) من نظام روما الأساسي والمادة 5 من الاتفاقية الدولية. ولم تنضم سوريا بعد إلى الاتفاقية.

كما يؤسس التقرير للالتزام بإجراء تحقيقات فعالة ومستقلة في حالات الحرمان التعسفي من الحياة والتعذيب أثناء الاحتجاز، استنادًا إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، والمبادئ الدولية المتعلقة بمكافحة الإفلات من العقاب. وينبغي أن تشمل التحقيقات الأشخاص الذين أصدروا أوامر بارتكاب الجرائم، أو حرضوا عليها، أو ساعدوا في ارتكابها، وكذلك القادة العسكريين والرؤساء المدنيين، متى ثبتت السلطة والسيطرة الفعليتان، وتوافر معيار العلم الواجب التطبيق قانونًا، وعدم اتخاذ التدابير اللازمة والمعقولة لمنع الجرائم أو قمعها أو إحالة الأمر إلى السلطات المختصة، وذلك عملًا بـ المادة 28 من نظام روما الأساسي والقانون الجنائي الدولي العرفي.

قال فضل عبد الغني: «لا يمكن اختزال البحث عن المفقودين في عمل إنساني منفصل عن العدالة. فكل حالة تثير أسئلة بشأن من نفذ الاعتقال، وأين احتُجزت الضحية، ومن أصدر الأوامر أو أشرف على تلك الأفعال، وما الذي حدث للضحية، وعلى من تقع المسؤولية. وللعائلات الحق ليس فقط في الحصول على المعلومات، وإنَّما أيضًا في الانتصاف، وجبر الضرر، والمساءلة«.

التوصيات والمطالب

تدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان الحكومة السورية إلى التعامل مع ملف المفقودين والمختفين قسريًا باعتباره أولوية وطنية عاجلة، ووضعه في صميم عملية العدالة الانتقالية. وينبغي للحكومة أن تضمن استقلال اللجنة الوطنية للمفقودين، وأن توفر لها الموارد والصلاحيات اللازمة، وتمكّنها من الوصول إلى السجلات والمحفوظات ومراكز الاحتجاز السابقة ومواقع الدفن. كما ينبغي لها حماية المقابر الجماعية، ومرافق الاحتجاز، والمحفوظات الأمنية والقضائية، والسجلات المدنية ذات الصلة من الإتلاف أو التغيير أو النقل أو العبث.

كما ينبغي للحكومة إنشاء أنظمة آمنة لإدارة المعلومات المتعلقة بالمفقودين، وإنشاء برنامج وطني للحمض النووي يقوم على الموافقة الحرة والمستنيرة. وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان سوريا إلى التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري من دون تحفظات موضوعية، والاعتراف باختصاص اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري بموجب المادتين 31 و32، وتجريم الاختفاء القسري باعتباره جريمة مستقلة وفقًا لـ المواد من 4 إلى 7، وحماية الشهود والناجين والمبلغين عن المخالفات، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة تتوافق مع معايير المحاكمة العادلة.

وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان النيابة العامة والسلطات القضائية الوطنية إلى إعطاء الأولوية للتحقيقات في حالات الاختفاء القسري والوفيات أثناء الاحتجاز، وحماية سلسلة حيازة الأدلة، وضمان استقلال القضاء، والتعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، وتعزيز التعاون مع الدول التي تجري تحقيقات ومحاكمات استنادًا إلى الولاية القضائية العالمية.

وينبغي لـ الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان توفير دعم سياسي ومالي وتقني مستدام للمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، والإبقاء على قضية المفقودين السوريين على جدول الأعمال الدولي، ودعم حماية الأدلة وصون المقابر الجماعية، وتوفير الخبرات في الطب الشرعي، وتحليل الحمض النووي، وتحديد هوية الرفات.

كما تدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى مواصلة ممارسة الولاية القضائية العالمية في قضايا الاختفاء القسري السورية، وتعزيز التعاون القضائي، ولا سيما مع مكاتب الادعاء المتخصصة في ألمانيا وفرنسا وهولندا والسويد، ومع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة. وينبغي للدول الامتناع عن استخدام ملف المفقودين أداةً للمساومة السياسية، أو ربط الكشف عن مصير الضحايا بمصالح سياسية أخرى. كما ينبغي للجهات المانحة توفير تمويل طويل الأجل لبرامج المفقودين بأفق زمني لا يقل عن خمس سنوات، مع دعم قدرات الطب الشرعي، والتحقيقات الجنائية، وإدارة قواعد البيانات، ومساعدة العائلات، وحفظ المحفوظات، وحماية مواقع المقابر الجماعية.

دمشق، 30 آب/أغسطس 2026

المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى