
ربما لا يكون الائتلاف الانتخابي الذي جمع حركة حماس والتيار الإصلاحي في حركة فتح كما يسمي نفسه، أي تيار محمد دحلان، تحالفاً سياسيّاً بمعنى استراتيجي، لكنه ائتلاف يتجاوز الانتخابات التشريعية والرئاسية التي ربما لا ترى النور. إذ إننا دخلنا مرحلة تصميم إسرائيل وأميركا على تصفية القضية الفلسطينية، فما الهدف من إعلان هذا الائتلاف من التيارات المتناقضة، الذي يبدو كأنه إعلان إفلاس سياسي أكثر من أي شي آخر.
حق الفلسطينيين أن يعرفوا على أي أساس بُني هذا الائتلاف، وهل هناك رؤية تجمع بين دحلان و”حماس”، التي اتهمته في 2007 بمحاولة الانقلاب عليها، والأهم قربه من الإمارات التي جاوزت علاقتها بإسرائيل “شبه تحالف”، وتدل تصريحات بعض مسؤولين فيها أنهم يصدّقون الادّعاءات الإسرائيلية؛ إنكار حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والمشروعة والوطنية على أرض وطنهم فلسطين.
لم يكن إعلان الائتلاف مفاجئاً لمن يتتبع عن قرب تطورات العلاقات الفصائلية في غزّة تحديداً، فبالإضافة إلى أن حرب الإبادة الإسرائيلية قد أجبرت “حماس” على التسليم باتفاقيةٍ ليست في صالحها، كانت الحركة منذ عام 2021 قد اختارت التعامل مع دحلان على التعامل مع باقي تيارات حركة فتح. إذ كانت حساباتها على يبدو مواجهة السلطة الفلسطينية بغريم لها والوصول إلى تفاهمات مع دحلان، نظراً إلى نفوذه في غزّة والحفاظ على السلم الأهلي في القطاع. لكنها أيضاً منعت مؤتمر حركة فتح، بينما أجازت مؤتمراً للتيار الإصلاحي، التابع لدحلان، ما يدلّ أن الصراع على السلطة كان ما يزال أولوية لحركة حماس، خصوصاً أن دحلان نجح في استقطاب أهم قادة فتح في القطاع الذين اختاروا الانضمام إليه لأسباب مختلفة، منها الاستياء من سياسات السلطة الفلسطينية الإقصائية، وإهمالها كادر التنظيم وحتى موظفي السلطة في القطاع.
الصراع على السلطة كان ما يزال أولوية لحركة حماس
ليس ما تقدّم صياغة تبريرات للانضمام إلى تيار دحلان، بل هو محاولة لفهم هجرة كوادر من “فتح” إلى ما يسمّى التيار الإصلاحي. نعم، قوة دحلان في غزّة، وهو ابن غزّة المدعوم بتمويل إماراتي استطاع توظيفه لبناء قاعدة تجاوزت تنظيم فتح نفسه، فقد استغل علاقاته التي لم تنقطع بقادة الانتفاضة الأولى، كونه كان منهم، وأول مدير أمن وقائي في غزّة بعد عودة منظّمة التحرير إلى القطاع في 1994، ما مكّنه من بناء شبكة علاقات واسعة، تحدّياً لنفوذ السلطة الفلسطينية في القطاع.
لكن ما عزّز نفوذه ليس الأموال وحدها، بل أداء السلطة الفلسطينية واستهتار قيادة حركة فتح المتنفذة بالتنظيم من مناضلين وكوادر وأسرى، فغياب قيادة قوية لحركة فتح منذ عام 2003، أي بعد رحيل ياسر عرفات، ترك الساحة لدحلان، فخلافه مع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، لم يُضعف نفوذه في غزّة، فلم يعد الهدف تقوية الحركة التاريخية أو حتى صراع حول مستقبل القضية، وإنما مجرّد صراع نفوذ ومكاسب على حساب القضية وحقوق الشعب الفلسطيني.
بزغ أمل لمستقبل حركة فتح ومستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية من الحركة الأسيرة (الأسرى)، التي أصدرت وثيقة الوفاق الوطني عام 2006 التي وضعت أسساً لوحدة وطنية تهيئ لإعادة بناء حركة تحرّر وطني جامعة تتجاوز كل الخلافات والانقسامات. وكان مصدر قوة الوثيقة، إضافة إلى شجاعة الأسرى وصمودهم أن قيادات “فتح” الأسيرة، وأولها مروان البرغوثي، وقيادات حركة حماس وبقية الفصائل داخل المعتقلات، محاولتها انتشال الحركة الوطنية من وحل الخضوع والعجز، للتذكير بأن تحرر الإنسان الفلسطيني من المشروع الصهيوني الكولنيالي العنصري هو أصل، بل كل الحكاية.
لكن الجمبع عاد وغرق في أتون الصراعات وسلسلة من فشل اتفاقات المصالحة، فالحقيقة أن الجميع، وبالأخص “فتح” سرعان ما عادت إلى مربع الصراع على السلطة.
لم يعد هناك أي نقاش سياسي حول رؤية فلسطينية تحرّرية، وتجرّدت كل الاختلافات والنزاعات والتكتلات من أي محتوى سياسي
وهذا لا ينفي أن “حماس”، على كل أخطائها وتمسّكها بالسلطة في قطاع غزّة، لم تبن حركة مقاومة، وأن السلطة التي اختارت المهادنة ومحاولة إثبات حسن السلوك أمام أميركا وإسرائيل لم تلعب دوراً أساسيّاً في تدمير حركة فتح وقمع الفكر المقاوم في الضفة الغربية. وهذا لا يعني إنكار نجاح مجموعات مقاومة من الدخول في تشكيلات وحدوية مقاومة في مناطق محدّدة، مثل جنين وطولكرم ونابلس، أي “عرين الأسود” التي بدأها مناضلون من حركة فتح، وانضمت إليها “حماس” وتنظيمات أخرى، و”كتيبة جنين”.
تعامل الجيش الإسرائيلي مع هذه المجموعات ببطش وقوة وحشية، واعتبرها خطراً مُحدقاً، ليس لقوة هذه المجموعات العسكرية، بل لأنها كان نذير انبعاث لحركة فتح ولحركة مقاومة موحدة، كان لا بد من تحطيمها… وقد مثّل انطلاق عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023 فرصة ضائعة جديدة لتوحيد الصفوف، صحيح أنه كانت هناك انتقادات وتحذيرات مفهومة، من أنها حركة غير مدروسة بالمعنى الاستراتيجي، لكن الخطاب المناوئ لحركة حماس، خاصة من السلطة الفلسطينية لم يكتف بالنقد، بل تبنى مسؤولون في السلطة خطاب إسرائيل والغرب في إدانة الحركة، بل شيطنتها باعتبارها “حركة إرهابية”، في وهم ما زالت السلطة عليه، أنها تستطيع إقناع أميركا بأنها مؤهلة للاستمرار في سلطةٍ تتناقص مساحة نفوذها والأراضي التي تديرها يوماً بعد يوم.
وفي الحقيقة، لم يعد هناك أي نقاش سياسي حول رؤية فلسطينية تحرّرية، وتجرّدت كل الاختلافات والنزاعات والتكتلات من أي محتوى سياسي. وعليه؛ لم تكن الأولية لأجنحة فتح إعادة بناء حركة التحرر الفلسطيني أو التحاور من أجل الوصول إلى رؤية استراتيجية ورسم سيناريوهات مستقبلية، فأصبحت المصالح الشخصية هي الأساس، ففي غياب فتح حركةَ تحررٍ وطنيٍّ، أصبح الوصول إلى السلطة والخلاص الفردي هو العنوان. ولا شك أن هول حرب الإبادة في غزّة والهجمة الاستيطانية المتوحشة في الضفة كان لهما تأثير على خوف الناس من موت ودمار، ويجب عدم إنكار هذا، فنحن لا نرى معارضة أو اعتراضاً على ائتلاف المصالح والتناقضات، فأكثر ما يخيف الفلسطينيين، بجانب التوحش الإسرائيلي، بعد أن أدركوا أن العالم سيتركهم وحدهم لمصيرهم، ما يخيفهم الاقتتال الداخلي، فالتوافق، أيُّ توافقٍ، قد يمنع الاقتتال الداخلي.
الجميع كان يريد من أهل غزّة الاستمرار في التضحية في وقت كانوا فيه يتفرّجون ويشجّعون وكأنها مباراة رياضية. لكن هذا لا يعفي “حماس” والجميع من خياراتهم
الائتلاف مع دحلان كان صدمة للكثير من مؤيدي حماس في العالم العربي، خاصة أن الفكرة السائدة، كانت أن هناك تيارين في الحركة، هما تيارا خالد مشعل وخليل الحية، لكن أكثرية لم تر أن “حماس” شعرت أن خياراتها تضيق، فبرغم بطولة مقاومتها وصمودها، لا يمكن إغفال الثمن الأليم الموجع من الفقد والمعاناة ورؤية غزّة تُسرق منهم أمام أعينهم.
لا يمكن وضع اللوم على “حماس” وحدها، فالجميع كان يريد من أهل غزّة الاستمرار في التضحية في وقت كانوا فيه يتفرّجون ويشجّعون وكأنها مباراة رياضية. لكن هذا لا يعفي “حماس” والجميع من خياراتهم، ولا يعفيهم من الإجابة عن الأسئلة الصعبة.. فما نراه إعطاء محمد دحلان موقع القيادي الأول. إذن ما هي حقيقة الخلافات؟
نعرف أن “حماس” لم تنقطع عن التواصل مع دحلان طوال الحرب، لكن السؤال الموجّه إلى جميع المشاركين في الائتلاف: ما هي رؤيتكم؟ هل لديكم برنامج للنجاة بأنفسكم؟ أم هو إعلان إفلاس سياسي لا أفق له؟
المصدر: العربي الجديد






