الشباب والبطالة في سورية:    من التهميش الى المشاركة والبناء

  محمد علي صايغ

يعاني الشباب السوري من البطالة الصريحة والمقنعة، وهذه المشكلة لها أبعاد كثيرة ليس أولها وجود عمل وأجر لهم لترتيب حياتهم ومستقبلهم ، وإنما لأنها ترتبط بمستقبل جيل كامل ، كما تتعلق وتتلازم مع الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في وطننا .. بل إن تقديرات منظمة العمل الدولية لحجم البطالة للشباب في سورية تتجاوز 33.1 % لعام 2025  وهذا الرقم ضمن تقديرات ومؤشرات لا تستند إلى بيانات وسجلات موثقة وموثوقة .

ولا شك بأن سنوات الأزمة والحرب في سورية ، وواقع الانهيارات في كافة المستويات ، وتدمير البنى التحتية والاقتصادية .. قد أدى إلى انكماش اقتصادي كبير ، وتدمير الإنتاج لقطاعات كثيرة ، وتراجع مخيف في الصناعة والزراعة كانت لها ولغيرها من العوامل بالغ الأثر في إحداث فجوة عميقة بين التعليم وسوق العمل ، أدى لوجود أعداد هائلة من الخريجين الجامعيين وحتى طلاب الدراسات العليا خارج العمل المنظم ، وتحت رحمة عقود محددة المدة أو الأعمال الهامشية التي لا علاقة لها بتأهيلهم ومستواهم العلمي ، مما دفع الكثيرين خلال أعوام الأزمة لعدم وجود العمل المكافئ لاختصاصاتهم ، وإصرار النظام السابق على دعوتهم للخدمة الإلزامية والاحتياط لسنوات عديدة الى الهجرة والنزوح وفقدان الجزء الأكبر من الكفاءات والمهارات والخبرات .

 ومن هنا فإن المطلوب اليوم وضع سياسات وطنية لتشغيل الشباب ، على أن لا تعتمد على التشغيل الحصري للقطاع الحكومي الذي قد لايستوعب – إن كان من حيث فرص العمل أو القدرة المالية – العدد الهائل من العاطلين عن العمل ، وان تعتمد الى جانب ذلك على القطاع الخاص ضمن برنامج وطني للتعافي الاقتصادي ، وهذا البرنامج يفترض أن يتحول إلى سياسة وطنية شاملة طويلة الأمد  تضع الشباب في أولويات البناء والإعمار .

ويمكن الحديث عن البرنامج الوطني للشباب ( ذكوراً وإناثاً ) عبر عدة محاور منها :

١-  الشباب أولوية وطنية :

الشباب يمثل القوة البشرية الأكثر حيوية ، وهم خزان مهم للنهوض بسورية خاصة أنهم يمثلون نسبة مهمة وازنة في الخريطة الديمغرافية السورية ، ولكنهم بالوقت ذاته نتيجة الحرب الطويلة. كانوا الأكثر تعرضاً لٱثار تلك الحرب سواء البطالة والفقر ، أوالهجرة والتهميش السياسي والاجتماعي ، وعليه فإن التعامل مع الشباب لا ينبغي أن يقتصر على برامج ومساعدات ٱنية وإنما يجب أن يكونوا ركيزة أساسية في سياسات الدولة ، ولهم الأولوية في مشاريع التعافي والاعمار وبناء الاقتصاد الوطني ، لأنهم بطاقاتهم وكفاءاتهم العلمية هم من يعول عليهم بالنهوض بالبلد وتقدمه .

٢- تهيئة فرص العمل وتشغيلهم :

 وجود العمل لدى الشباب أولوية في البرنامج الوطني ، للاستثمار ، باستثمار قدراتهم العلمية والمعرفية  والاعتماد على مؤشرات الكفاءة لا المحسوبيات ، ويجب اعتبار الكفاءة اساسية في التشغيل والاختيار .. وهذا يتطلب إنشاء برنامج وطني للتشغيل يعتمد على المعايير العلمية والمهنية في التشغيل ، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للباحثين عن العمل عبر منصة إلكترونية للوظائف والتدريب ، وهذا يقتضي أن يكون التدريب محفزاً من خلال دفع الرواتب اثناء التدريب وتشجيع أو الضغط على الشركات والقطاع الخاص لتحويل الموظفين من مؤقتين إلى دائمين بعد تدريبهم واختبارهم .

٣-  التعليم أولوية للانخراط في سوق العمل :

حماية ورعاية التعليم أولوية الأولويات يجب أن تكفله وتدعمه الدولة ، ويجب الدفع على تحفيز المدارس والمعاهد والجامعات بربط اختصاصاتها ومناهجها بسوق العمل ، وتدريب الطلاب على مهارات علمية وعملية يحتاجها سوق العمل ، مما يقتضي إحداث نظام تعليمي وطني يعمل على فرز الطلاب على الاختصاصات المختلفة التي تلبي احتياجات ومتطلبات النهوض بالاقتصاد والاعمار والمجالات الأخرى التي تدخل في صلب الصناعات الحرفية والمتوسطة والثقيلة … كما يجب إيلاء التعليم المهني والمدارس المهنية بكافة اختصاصاتها أهمية كبرى ( البناء ، الكهرباء ، صيانة الٱلات ، الميكانيك ، المهن الحرفية ، التمريض ، السياحة والفنادق … الخ )، فكل الدول الكبرى تعتمد بشكل أساسي على الخريجين المهنيين ، فهم قوة الإنتاج الحقيقية التي تعتمد عليها الدول في التطور الصناعي والخدمي ، وهذا يفرض ربط المدارس والمعاهد المهنية بالشركات والمصانع وورش العمل وإدخالهم في عجلة الانتاج .

٤- دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال :

الهدف من المشاريع الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال تحويل الشباب من طالبي وظائف الى منتجين وأصحاب مشاريع ، وهذا يقتضي تحويل المساعدات الى منح للمشاريع الجديدة أو قروض ميسرة ، وتخفيض مؤقت للضرائب عليها ، وفتح باب التدريب الاداري والتسويقي والمعرفي بطبيعة هذه المشروعات ، وإنشاء صندوق وطني لدعم الشباب، كما بإمكان الدولة أن تفرض على المشاريع الكبيرة أن تقدم فرص عمل للشباب مقابل امتيازات وإعفاءات ضريبية لأصحاب الشركات وبالتالي تحويل الاستثمارات الى أدوات لمعالجة البطالة ، كما يجب أن تتضمن عقود مشاريع الاستثمار والتعهدات الحكومية شرطاً أو بنداً يلتزم المستثمر بموجبه بنسبة معينة لتشغيل الشباب في هذه المشاريع والتعهدات .

٥ـ حل مشكلة المهاجرين الشباب لاستعادة الكفاءات :

لا شك بأنه من مفرزات الحرب الطويلة في سورية الهجرة الكثيفة للشباب خارج سورية ، وهذا يقتضي وضع الخطط لترغيبهم في العودة إلى وطنهم واستعادة كفاءتهم واستثمارها في سوق العمل بعملية دمج العاملين وتهيئة الفرص للعمل والاستقرار عبر المشاريع الخاصة بهم ،  وتقديم حوافز استثمارية لهم ، ومن هنا يجب تغيير النظرة للمهاجرين الشباب باعتبارهم رأسمال بشري علمي واستثماري وليس مجرد مصدر للتحويلات المالية ، وهذا يقتضي ربط الكفاءات في الخارج بالجامعات والمؤسسات السورية ، وتسهيل الاعتراف بالشهادات والخبرات المتحصلة بالخارج، وإنشاء قاعدة بيانات للكفاءات السورية وبرامج لإعادة دمج العائدين في سوق العمل .

٦- توفير مستلزمات انخراط الشباب في الزراعة :

من الضروري أيضاً أن تكون الزراعة أحد مجالات استيعاب الشباب ، والعمل على إصلاح البنية التحتية الزراعية كتطوير مشاريع الري واستصلاح الأراضي ودعم الزراعة الحديثة والتصنيع الزراعي من خلال برامج زراعية وقانونية شفافة ، وينبغي من أجل ذلك إنشاء تعاونيات شبابية ، وتوفير التمويل والتأمين الزراعي ، وتوزيع أو تأجير الأراضي غير المستثمرة للشباب ، وتدريب الشباب على التقنيات الزراعية الحديثة ، وإعطاء الأولوية للشباب في المناطق الزراعية والريفية دور أساسي في تنشيط الاقتصاد الزراعي الوطني .

٧ـ الاقتصاد الرقمي والعمل عن بعد :

الاقتصاد الرقمي فرصة مهمة للشباب ، إذ يوفر فرصاً للعمل لا تتطلب بالضرورة الدوام في مكان العمل ، إذ يمكن تقديم خدماته على كامل مساحة الجغرافيا السورية في الاستثمار بالعمل الحر من خلال الانترنيت وعبر : البرمجة ، التصميم ، التعليم الالكتروني ، التسويق الرقمي ، الخدمات المحاسبية والإدارية ….  وهذا يتطلب برنامج تدريب وطني لهذه التقنيات لإحداث فلسفة جديدة للتعامل التقني للشباب ، وتمهيداً لانخراطهم في سوق العمل بحيث لا يصبح الشباب عبئاً على الدولة بل باعتبارهم مورد بشري مهم في التقنيات الحديثة ، بهدف الانتقال من النظر إلى الشباب كطالبي وظائف إلى اعتبارهم منتجين ومصدرين للمعرفة والخدمات.

٨ـ المشاركة المدنية والسياسية للشباب :

نتيجة عقود طويلة من الاستبداد والإقصاء السياسي ، فإن مشاركة الشباب في التنظيم المجتمعي المدني والسياسي السلمي يكتسب أهمية كبرى ، فلا يكفي حصول الشباب على عمل أو وظيفة ، ويجب أن يمتد الى ان يكون لهم دوراً في الحياة العامة والمشاركة في منظمات المجتمع المدني والأحزاب دون قيود ليكون لهم دوراً في صياغة السياسات العامة وتشجيعهم على المساهمة في جميع الأطر العامة من المجالس المحلية الى صناعة الدستور والبرلمان وتشجيعهم على إنشاء مجالس شبابية ودعم أي توجه لمبادراتهم باتجاه تشكيل المنظمات الشبابية المستقلة ، وحماية حقهم في التنظيم والتعبير السلمي الذي هو حق لكل فئات المجتمع السوري من أجل أن يكون الشباب شركاء في صناعة السياسة ، وليس عناصر هامشية في السياسات العامة أو مجرد عناصر تنفيذية لسياسات الدولة .

لا شك هذا البرنامج طموح ، ولكنه ضروري لإعادة تموضع الشباب في المجتمع والاقتصاد الوطني والمشاركة في البناء والعمران وفي الحياة المجتمعية المدنية والسياسية وبأن يكون لهم دور فعلي في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والمجتمعية … بدون إنجاز البرنامج الوطني ضمن سياسة وطنية شاملة وعلى مراحل ضمن خطة قابلة للقياس والتقييم ، كما أنه بدون استيعاب الشباب في سوق العمل وإهمالهم سيؤدي الى انفجارات مجتمعية غير متوقعة يقودها الشباب وقد تؤدي الى كوارث تحصد نتائجها الدولة والمجتمع ، لذلك فإن مستقبل شبابنا سيبقى في حالة غموض وضبابية لا يجتذبهم الإعلام العاطفي ، أو دعوات العودة للوطن وحب الوطن  للمساهمة في النهوض ببلدهم ، كما أنه بغياب البرنامج الوطني لاستيعابهم لا يمكن أن تتعزز القناعة بعودة الكثير من الشباب المهاجر للمساهمة في بناء سورية الجديدة .

28 / 8 / 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى