
يشهد الملف النووي السوري تطورات لافتة في ظل الحكومة السورية الجديدة، إذ تتقاطع الاعتبارات الأمنية والسياسية مع الرغبة في الاستفادة من التقنيات النووية للأغراض السلمية. وتبرز التصريحات الرسمية والتحليلات السياسية الصادرة مؤخرًا أهمية هذا الملف لدى الأطراف الإقليمية والدولية، خاصة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإسرائيل، والدول الغربية.
وأكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن المواد النووية المكتشفة في سوريا ستبقى في العهدة الوطنية السورية وخاضعة لنظام ضمانات الوكالة الدولية. وأضاف أن التقييمات التقنية تشير إلى أن المواد النووية لا تشكل خطرًا، مشددًا على تمسك سوريا بحقها في استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية.
وتعكس هذه التصريحات الرسمية موقفًا سوريًا يجمع بين التأكيد على السيادة الوطنية والالتزام بالضمانات الدولية. فبقاء المواد في العهدة الوطنية السورية، بالتوازي مع إخضاعها لنظام ضمانات الوكالة، يعني الحفاظ على مسؤولية الدولة عنها مع استمرار الرقابة والتحقق الفنيين. ومن شأن هذا المسار أن يخفف المخاوف الدولية المرتبطة بالمواد المكتشفة، مع تمسك دمشق بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية. ويأتي ذلك في وقت يحظى فيه الملف النووي السوري باهتمام غربي وإسرائيلي، ما يجعل الشفافية والتعاون مع الوكالة عنصرين أساسيين في إدارة الملف.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي أحمد مظهر سعدو لموقع “الترا سوريا” إن التعاون بين سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية مرشح للتحول إلى “ملف تعاون تقني بكل ما تعنيه الكلمة”، بما يعكس مستوى جديدًا من التعاون بين دمشق والمجتمع الدولي.
يفتح الملف النووي السوري مجالًا للتعاون مع الوكالة في الاستخدامات المدنية والسلمية، بالتوازي مع استمرار معالجة القضايا المتصلة بالأنشطة السابقة والمواد المكتشفة
ورأى سعدو أن البعد الأمني والسياسي سيبقى حاضرًا في هذا الملف، لكنه لن يكون البعد الأهم، معتبرًا أن التعاون مع الوكالة “مطلوب وضروري”، وأن زيارات مسؤولي الوكالة إلى سوريا تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى دمشق، كونها تؤشر، وفق رأيه، إلى وجود ثقة متزايدة بالوضع السوري الجديد.
وأضاف أن أي تعاون مستقبلي في هذا المجال سيكون محكومًا بجملة من القضايا القانونية والالتزامات الدولية، مشيرًا إلى أن هذه الأطر القانونية تشكل أساسًا لتنظيم التعاون النووي بين الدول والمجتمع الدولي.
إسرائيل والقلق من الملف النووي السوري
وفي ما يتعلق بالموقف الإسرائيلي من المواد النووية التي جرى اكتشافها في سوريا، قال سعدو إن اهتمام إسرائيل بهذا الملف يعود، برأيه، إلى عدم ثقتها بالحكومة السورية الجديدة، واعتقادها بإمكانية إعادة تشكيل الملف النووي بطريقة قد تشكل تهديدًا لها ولأمن المنطقة.
وأوضح أن إسرائيل تنظر إلى أي احتمال لإعادة إنتاج برنامج نووي ذي طبيعة عسكرية باعتباره خطرًا استراتيجيًا، خصوصًا في ظل طبيعة الصراعات القائمة في المنطقة. أما الدول الغربية، فرأى سعدو أنها تتعامل مع المنطقة باعتبارها ساحة لصراعات متعددة يمكن أن تمتد مستقبلًا، ولذلك فهي لا تريد وجود أي إمكانية لإعادة إنتاج برنامج نووي يمكن أن يشكل خطرًا على المنطقة أو على المجتمع الدولي.
وفي المقابل، اعتبر أن الغرب يدرك خصوصية التغيير الذي شهدته سوريا، وأن هناك، وفق تقديره، قدرًا من المصداقية لدى دمشق في أنها لا تسعى إلى تطوير برنامج نووي يهدد المنطقة، بل إلى استخدام الطاقة النووية، في حال تطويرها مستقبلًا، لأغراض سلمية وخدمية وتقنية.
وقال إن أي مفاعل نووي مستقبلي في سوريا، وفق هذا التصور، سيكون موجهًا نحو الاستخدامات السلمية، بما يخدم المجتمع السوري ويسهم في تطوير الخدمات والتكنولوجيا.
الرقابة الدولية وحق الاستخدام السلمي
وبشأن الرقابة الدولية على الملف النووي السوري، رأى سعدو أن هذا الملف سيبقى خاضعًا للمتابعة الدولية وفق الاتفاقات والقواعد الناظمة، وأن الاهتمام الدولي به سيستمر باعتبار سوريا دولة محورية في المنطقة وتحظى بأهمية لدى مختلف الأطراف الدولية.
واعتبر سعدو أن حق سوريا في امتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية “حق طبيعي ومشروع”، شأنها في ذلك شأن الدول الأخرى، مشيرًا إلى أن تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية يمكن أن ينعكس على مستوى التقنية والتكنولوجيا والتنمية.
وختم بالقول إن الوصول إلى صيغة تعاون دولية حول الاستخدام السلمي للطاقة النووية في سوريا قد يكون موضع توافق بين دمشق وشركائها الدوليين، بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الغربية، في حال توافرت الظروف السياسية والقانونية المناسبة.
وفي السياق ذاته، قال الكاتب والباحث السوري الدكتور باسل معراوي، في حديث لموقع “الترا سوريا”، إن زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إلى سوريا ولقاءه الرئيس السوري عكسا اهتمامًا سوريًا متزايدًا بالاستفادة من الطاقة النووية في المجالات السلمية والعلمية.
وأوضح معراوي أن غروسي قال، عقب اجتماعه مع الرئيس السوري، إن الرئيس أبدى اهتمامًا باستكشاف إمكانية استخدام الطاقة النووية في سوريا مستقبلًا، مشيرًا إلى أنه أظهر “ميلًا إيجابيًا للغاية” للتعاون مع الوكالة والسماح لها بتنفيذ الأنشطة التي تحتاج إليها.
وأضاف أن المدير العام للوكالة الدولية أبدى استعداد الوكالة لمساعدة سوريا في الاستفادة من التقنيات النووية في مجالات الطب والزراعة وغيرها من المجالات العلمية، لافتًا إلى توقيع مذكرة تفاهم مع وزير الخارجية السوري في مجالي أمن الغذاء ومكافحة السرطان.
تعاون نووي في المجالات السلمية
وبحسب معراوي، فإن اهتمام سوريا بالطاقة النووية يأتي في سياق رغبتها، أسوة بالعديد من الدول، في امتلاك المعرفة والتقنيات المرتبطة بهذا المجال وتوظيفها في الأغراض السلمية، ولا سيما في القطاعات العلمية والطبية والزراعية.
وأشار إلى أن وضع المواد النووية التي جرى اكتشافها في سوريا في العهدة الوطنية السورية، مع استمرار وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إليها والتحقق منها، يحمل أيضًا “رسالة سياسية” مفادها، بحسب قراءته، أن سوريا تعمل على بلورة خطة للاعتماد على الطاقة النووية للأغراض العلمية والمدنية، ولن تتخلى عن المواد الموجودة لديها.
اتفاقية للتعاون وخبرات دولية
وأكد معراوي أن مذكرة التفاهم الموقعة بين سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية واضحة بشأن التعاون بين الجانبين، مشددًا على أن سوريا ستكون بحاجة إلى الخبرات الفنية التي توفرها الوكالة في حال المضي نحو مشروع نووي سوري مدني.
ورأى أن هذا الملف لا يفترض أن يتحول إلى قضية سياسية أو أن يُستغل سياسيًا، بل ينبغي أن يبقى ضمن إطار برنامج علمي وتقني يستوفي المعايير والضوابط التي تضعها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضمن استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية والمدنية.
ويؤكد معراوي الجانب العملي والعلمي للتعاون، فيما تشير زيارة غروسي والتصريحات المتعلقة بالتعاون إلى تقدم في العلاقة بين سوريا والوكالة. ويضع التركيز على التطبيقات في الطب والزراعة جانبًا من التعاون ضمن إطار تنموي، بالتوازي مع استمرار معالجة مسائل الضمانات العالقة.
ومن الناحية التحليلية، يجمع الموقف السوري بين التأكيد على عدم وجود خطر فوري من المواد المكتشفة والتمسك بالحق في الاستخدام السلمي. ويتوافق حق الاستخدامات السلمية من حيث المبدأ مع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية واتفاق الضمانات المعقود بين سوريا والوكالة. أما مدى تراجع المخاوف الدولية، فيبقى مرتبطًا بنتائج عمليات التحقق واستمرار التعاون مع الوكالة وتسوية مسائل الضمانات العالقة.
وفي المحصلة، يفتح الملف النووي السوري مجالًا للتعاون مع الوكالة في الاستخدامات المدنية والسلمية، بالتوازي مع استمرار معالجة القضايا المتصلة بالأنشطة السابقة والمواد المكتشفة. ويظل مسار هذا التعاون مرتبطًا بنتائج عمليات التحقق، والالتزامات القانونية، وطبيعة العلاقة بين دمشق والوكالة الدولية خلال المرحلة المقبلة.
المصدر: ألترا سوريا






