أحكام الإعدام في سورية… بدء العدالة أم نهاية الانتقام؟

ميادة سفر

                                                 

لم تكن أحكام الإعدام التي صدرت أخيراً في سورية، بحقّ رئيس النظام السابق وشقيقه ورموز في نظامه، مجرّد أحكام قضائية، فهي وإنّ كانت متوقّعة، بدت صفحةً من تاريخ سورية تُطوى قضائياً. لكنّ السؤال العالق في أذهان سوريين كثيرين اليوم: أيّ عدالة تريد سورية أن تبنيها بعد سقوط نظام الأسد الذي ارتبط اسمه بالاعتقال والتعذيب والقتل والإخفاء القسري؟ ثمّ ماذا عن محاسبة مرتكبي الجرائم والمجازر بعد سقوط النظام؟ هل سينتظر السوريون عقوداً أخرى لتثلج صدور الضحايا وذويهم؟

بالنسبة إلى آلاف الضحايا وعائلاتهم، تحمل هذه الأحكام معنىً رمزياً عميقاً. فكما أسلفنا، كانت أحكاماً متوقّعة، ولا يمكن أن تكون إلّا كذلك، فلا أحد من السوريين، مؤيّداً أو معارضاً، يجهل كم تسبّبت رموز النظام السابق في مآسٍ بحقّ السوريين كلّهم، والاعتراف القضائي بالمسؤولية عن الجرائم يمكن أن يكون خطوةً في طريق طويل لاستعادة شيء من كرامة الضحايا، بعد سنوات كان فيها مجرّد التفكير في المطالبة بالعدالة مخاطرةً لا تحمد عقباها.

كذلك، لا يجوز أن تتحوّل العدالة إلى مرادف لعمليات الانتقام، وإن كان الغضب مفهوماً ومشروعاً، فالعقاب مسألة مختلفة عن الغايات المحدودة، ويغدو الفصل بين المفهومَيْن مهمّةً شاقّةً تتحمّل السلطة مسؤوليتها.

لا يمكن مطالبة الضحايا بالتخلّي عن غضبهم أو أن يتعاملوا مع جلّاديهم ببرود قانوني مجرّد، فالعدالة بالنسبة إلى أمّ فقدت ابنها في السجن، أو عائلة لا تعرف مصير معتقل منذ سنوات، ليست مفهوماً فلسفياً، إنّها حقّ في معرفة الحقيقة، وحقّ في الاعتراف بالألم، وحقّ في محاسبة المسؤول. والدولة التي تريد بناء مستقبل مختلف لا تستطيع أن تجعل الانتقام أساساً لشرعيتها، فالفرق بين دولة القانون ودولة الثأر أنّ الأولى تعاقب وفق قواعد قانونية عامّة وبأدلّة وإجراءات وحقوق دفاع، بغض النظر عن هُويّة المتّهم. وهنا تكتسب المحاكمات الحالية أهمّيتها وخطورتها في آنٍ، أهمّيتها لأنّها تكسر للمرّة الأولى داخل سورية الجديدة مبدأ الإفلات من العقاب الذي ظلّ عقوداً جزءاً من بنية السلطة. وتكتسب المحاكمات خطورتها لأنّ العدالة، التي افتقدت الضمانات والإجراءات السليمة، قد تتحوّل، في نظر جزء من السوريين، إلى عدالة المنتصر.

لا يمكن أن يكون الحكم على بشار الأسد ورموز نظامه نهاية القضية، بل ربّما يجب أن يكون بدايتها

في هذا السياق، أثارت منظّمات حقوقية ومراقبون مخاوفَ بشأن سرعة بعض المحاكمات وضمانات المحاكمة العادلة، وهذا لا يعني تبرئة المتّهمين أو التشكيك في حجم الجرائم المنسوبة إليهم، بل يعني أنّ العدالة التي تحاكم الماضي يجب ألّا تعيد إنتاج بعض أدواته، كما أثارت مطالبة منظّمة العفو الدولية بإلغاء عقوبة الإعدام والمحاكمات الغيابية جدلاً، لكنّ سورية التي عرفت خلال عقود من الزمن قيمة الحياة وهي تُنتزَع من براثن المعتقلات، تواجه سؤالاً ملحّاً وصعباً في الآن نفسه: هل يكون إعدام من ارتكبوا جرائم القتل هو الصورة الأفضل للعدالة؟ فقد يرى كثيرون أنّ من تسبّب في موت آلاف الضحايا والمآسي لملايين السوريين، لا يستحقّ فرصةً أخرى للحياة وإن كانت من وراء القضبان. قد يبدو هذا الموقف مفهوماً أخلاقياً ونفسياً، ولا سيّما لدى الناجين وذوي الضحايا، لكنّ العدالة الانتقالية في جوهرها لا تقوم على إرضاء طرف هنا وآخر هناك، ولا على ترسيخ الرغبة في الانتقام، بل إنّ قوامها تفكيك المنظومة التي جعلت العنف ممكناً، وعلى ضمان ألّا يعود إلى الحياة العامّة مجدّداً.

وتطرح عقوبة الإعدام إشكالاتٍ قانونيةً وحقوقيةً جدّيةً، سيّما عندما تكون الأحكام غيابيةً، الأمر الذي يجعل من فرصة موافقة أيّ دولة على تسليم المجرم أمراً صعباً، بخاصّة الدول التي ألغت عقوبة الإعدام من قاموسها القانوني، وبالتالي، فالمحاكمات العادلة ليست مجرّد تفصيل إجرائي يمكن تجاوزه بحجّة فداحة الجرائم، بل هي جزء من المعنى الذي تريد الدولة الجديدة أن تمنحه للعدالة، بما يضمن تحقّقها.

يجب ألّا تُختزل العدالة الانتقالية في مشهد المحاكمات التي بُثَّت مقتطفات منها في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا في أحكام الإعدام التي صدرت. فالعدالة الانتقالية، وفقاً لكثير من التجارب الدولية، منظومة أوسع تشمل المحاسبة الجنائية، وكشف الحقائق، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة، وإصلاح المؤسّسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وهو ما أكّدته الأمم المتحدة في الحالة السورية، إذ تشير إلى ضرورة الجمع بين المساءلة وحفظ الأدلّة وحماية الضحايا والشهود، وإصلاح القضاء وضمان التمثيل القانوني.

لذلك؛ لا يمكن أن يكون الحكم على بشار الأسد ورموز نظامه نهاية القضية، بل ربّما يجب أن يكون بدايتها، فماذا عن مئات الضحايا والمعتقلين الذين لم يُعرف مصيرهم؟ وماذا عن المقابر الجماعية وأرشيف الأجهزة الأمنية؟ مَن سيكشف كيف اتُّخذت القرارات؟ ومَن أصدر الأوامر؟ ومَن نفّذها؟ ومَن استفاد منها؟ ومن موّلها؟ هذه الأسئلة وغيرها لا يجيب عنها حكم الإعدام بالتأكيد، بل سيغلق الباب في وجهها نهائياً. فالمسألة هنا مصلحة الحقيقة قبل أيّ شيء آخر.

لا يجوز أن تتحوّل محاكمة مسؤولي النظام السابق إلى محاكمة جماعية لجماعة اجتماعية أو طائفة بأكملها

ثمّة حالاتٌ كثيرة مشابهة للحالة السورية في ما يخصّ العدالة والمصالحة العامّة، إذ تقدّم جنوب أفريقيا مثالاً مهمّاً في هذا المجال، وإن لم يكن قابلاً للاستنساخ في الحالة السورية. فبعد نهاية نظام الفصل العنصري، أنشأت البلاد “لجنة الحقيقة والمصالحة” التي عملت لتوثيق الانتهاكات والاستماع إلى الضحايا ومناقشة مسؤولية الجناة، وكانت اللجنة تضمّ لجاناً متخصّصة في انتهاكات حقوق الإنسان، والتعويض وإعادة التأهيل والعفو.

لم يكن النموذج خالياً من الانتقادات، ولم يحصل جميع الضحايا على ما اعتبروه عدالةً كافيةً، لكنّ أهمّ ما تركته التجربة الاعتراف بأنّ المجتمع الخارج من صراع عميق لا يستطيع أن يطوي الماضي بمجرّد إصدار الأحكام، فالحقيقة جزء من العدالة، ولا يمكن بناء مصالحة على ذاكرة مقموعة، ولا يمكن مطالبة الضحايا بالنسيان قبل معرفة الحقيقة.

تقدّم الأرجنتين درساً مختلفاً يمكن للسوريين الاستفادة منه أيضاً، فالعدالة لا تحتاج عاماً أو عامَيْن لإنجازها، بل إنّها عملية تاريخية قد تمتدّ عقوداً، فقد استمرّت محاكمات قادة الانقلابات العسكرية والمدانين بجرائم ضدّ الإنسانية عقوداً، والبلاد ربطت بين الذاكرة والحقيقة والعدالة، فلا تكون المحاكمات مجرّد عقوبات ثمّ تُرفع الجلسة، بل وسيلة لإنتاج الرواية الحقيقية التي توثّق الماضي وتمنع إنكاره أو تزويره، وهذا تحديداً ما تحتاج إليه سورية: أرشيف لجميع الضحايا السوريين، وأرشيف للمعتقلين والمجازر والأوامر والقرارات، لكي لا تصبح الذاكرة السورية رهينةً في يد السلطة السياسية الأقوى.

ليس مطلوباً من السوريين النسيان، ولا أن يغفروا لمن ارتكب الجرائم من دون محاسبة

يشكّل الفصل بين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي اختباراً خطيراً آخر للسلطات في سورية، فلا يجوز أن تتحوّل محاكمة مسؤولي النظام السابق إلى محاكمة جماعية لجماعة اجتماعية أو طائفة بأكملها، كما لا يجوز أن تصبح الجرائم التي ارتكبها النظام ذريعةً لمعاقبة أشخاص لم تثبت مسؤوليتهم عن جرائم محدّدة. هذا الأمر لا يُنظر إليه من زاوية أخلاقية فحسب، بل فيه جانب سياسي أيضاً. فالبلاد الخارجة من حرب أهلية طويلة تحتاج إلى دولة يشعر فيها المواطنون كلّهم بالأمان والانتماء، لا دولة المنتصر على المهزوم، وإلى تجاوز السردية التي برزت إبّان سقوط النظام السابق. فنجاح العدالة الانتقالية يقاس، فضلاً عن المحاكمات القضائية، بقدرتها على منع الانتقام الأهلي، وعلى قطع الطريق أمام منطق “الثأر المتبادل”.

لعلّ أصعب ما تواجهه سورية اليوم أن تتعلّم التفريق بين العدالة والانتقام، وأن تنتهي من فكرة المنتصر والمهزوم، وشعار “مَن يحرّر يقرّر”، فقد عاش السوريون عقوداً في دولة كان فيها القانون أداةً بيد السلطة، والاعتقال تهديداً لإخضاع المجتمع، والخوف وسيلةً للحكم، لذلك فإنّ قيمة الدولة الجديدة لا تكمن في قدرتها على معاقبة رجال النظام السابق فحسب، بل في قدرتها على إنتاج نموذج مختلف تماماً عن الدولة التي سبقتها.

ليس مطلوباً من السوريين النسيان، ولا أن يغفروا لمن ارتكب الجرائم من دون محاسبة، ولا أن تتحوّل العدالة إلى مصالحة زائفة تتجاوز آلام الضحايا. المطلوب أن تُعرف الحقيقة لتسهل المصالحة، وأن تتمّ المحاسبة كي لا يتكرّر الماضي، وأن يوضع القانون فوق أيّ رغبة في الانتقام، فالعدالة التي تحتاجها البلاد ليست عدالة الموت، بقدر ما هي عدالة لأجل الحياة.

المصدر: العربي الحديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى