
أسئلة السياسة في العالم العربي لا تنتهي، فهي نوع من المفارقة في الممارسة والدلالة بين الصانع والمؤيّد والمُعارِض، فلا يمكن الإمساك بدلالتها من خلال آليات العمل السياسي، وكيفية تأثيرها في الواقع الداخلي بين الصانع والمتلقّي في كلّ دولة. ومن خلال المتابعة، لا يمكن الوصول إلى معنى واضح لها في العالم العربي. المقصود بالمعنى الواضح النموذج المستقرّ للسياسة، بمعنى أنّها آلية لحلّ الصراعات الداخلية عبر أدوات قياس القوّة، وهذه الأدوات هي المؤسّسات الديمقراطية التي تعمل على تجديد النُّخبة السياسية في بلدانها. أي إنّ المؤسّسات هي التي تنتج النُّخبة التي تنتج السياسة، وليس العكس.
حتّى تجد السياسة مكاناً لها، عليها أن تُقنع جمهورها بأنّها تجيب عن أزمات المجتمعات التي تحاول معالجتها، حتّى لو كان هذا غير حقيقي، ما يعني أنّ الخطاب السياسي يحتكم، في نهاية المطاف، إلى جمهور الناخبين.
في العالم العربي، تعيش السياسة مفارقةً في معناها وواقعها، ما يفقدها المصداقية. هناك هوّة واسعة بين الخطاب السياسي والواقع الذي يُفترَض أنّ هذا الخطاب صادر عنه ومعبّر عن احتياجاته، وفي حالاتٍ كثيرة، بدت هذه الهوّة مقصودةً ومصنوعةً، تستخدمها الأنظمة لمزيد من تركيع المواطنين، من خلال المديح، وليس من خلال التدقيق ومراقبة نجاح هذه السياسات أو فشلها. فتبدو العلاقة بين السلطة والمواطن علاقة قمع من السلطة، وإعلان المواطن قبوله هذه السلطة من خلال الكذب، وإعلانه صحّة الإنجازات التي تدّعيها السلطة، حتّى الاحتفال بالهزائم بوصفها انتصارات. كيف يمكن قراءة الواقع السياسي العربي، وكيف انحدر إلى هذا المستوى من التردّي وإلى انفصام مستعصٍ؟
هناك هوّة واسعة بين الخطاب السياسي والواقع الذي يُفترَض أنّ هذا الخطاب صادر عنه ومعبّر عن احتياجاته
ولدت السياسة في العالم العربي في سياق تحوّلات مركّبة خضعت لها التجربة السياسية العربية منذ وقوع هذه البلدان تحت سلطة الاستعمار التي كانت، في جانبٍ، تجربةً تحديثيةً بالعنف. في أثناء التصدّي للاستعمار، دفعت الحركات التحرّرية المجتمع إلى المساهمة في النضال من أجل إنجاز الاستقلال الوطني. ومن جهة أخرى، سمحت الإدارات الاستعمارية بهامش ديمقراطي وبهامش حرّية للتعبير عن الرأي، لتنفيس الاحتقانات داخل المجتمعات التي خضعت لسيطرتها، ولم تلاحق أحداً في هذه البلدان بسبب قناعاته الشخصية، وكان المواطن يستطيع التعبير عن وجهة نظره من دون أن يُعاقب، وضمن هذه المساحة المحدودة استطاع المجتمع أن يعبّر عن نفسه، وأن يحدّد خياراته ويفرضها على المستعمر، كما استطاع أن يراقب حكوماته وأن ينتقدها بحرّية كبيرة على الرغم من الوجود الاستعماري في هذه البلدان.
لا يعني هذا الدفاع عن التجربة الاستعمارية التي كانت تجربة نهب وحشي، وألحقت تلك البلدان بها بوصفها هامشاً للمركز الاستعماري، وهذا ما بقي سارياً إلى حدّ كبير حتّى بعد استقلال هذه البلدان. لكنّ عوامل وأسباب داخلية عديدة تفوق أهمّية التجربة الاستعمارية ودورها في إعاقة تطوّر المجتمع العربي، وتطوّر مفهوم حديث للسياسة. أسباب وعوامل من إنتاج محلّي أوصلت البلدان العربية إلى وضع جعل التجربة الاستعمارية في غاية الجاذبية إذا ما قورنت بما ارتكبته السلطات “الوطنية” من تدمير وذبح لمجتمعاتها، كانت أردأ من الإدارات الاستعمارية وأكثر منها تخلّفاً ووحشيةً في مواجهة شعوبها.
فقدان هامش التعبير في الحقل السياسي العربي دفع بالمعارضات إلى سلوك سياسي يائس
بعد الاستقلال مباشرةً أخذت الحكومات الوطنية بالتراجع عن الدعوات التي كانت قائمةً أيّام التجربة الاستعمارية، من دعوات إلى مشاركة المواطن في صنع السياسة، لأنّ هذه المشاركة أصبحت عائقاً أمام التحكّم الكلّي في السياسة الوطنية، وأخذت آليات الاستبعاد السياسي تفرض نفسها. وبحكم هشاشة الأنظمة الوطنية الوليدة، فقد نظرت إلى النقد الموجّه إليها على أنّه يشكّل خطراً داهماً. وأخذت الدعوات تتعالى بعدم صلاحية التعدّدية السياسية والديمقراطية للدول حديثة الولادة، وأنهما ترف لا تحتاجه الدول حديثة الاستقلال، فهي تحتاج إلى “الوحدة الوطنية” للحفاظ على الاستقلال.
شكّلت هذه الحجج المدخل الطبيعي لعسكرة السياسة، وبالتالي أُلغيت هوامش حرّية التعبير التي ورثتها هذه البلدان من التجربة الاستعمارية، وأصبحت البلاغات العسكرية الانقلابية هي التي تحدّد الاتجاه السياسي للبلد المعني، وأُلغيت المؤسّسات التمثيلية، وعندما أعيد تشكيلها كانت مفرّغةً تماماً من أيّ معنى، لأنّها أصبحت مؤسّسات إجماع على سياسة المؤسّسة العسكرية، وأصبح “المجتمع المدني” ملحقاً بما تمليه هذه المؤسّسة.
مع صمت القبور، الذي سمّته السلطات “استقراراً”، وشهدته المنطقة العربية خلال العقود الماضية، أخذ الخطاب الوحيد للسلطة الحاكمة يتمكّن أكثر من السيطرة على المجتمعات العربية، وكلّما تعزّزت هذه السيطرة، كان الحقل السياسي يضيق أكثر على أيّ تعبيرات سياسية خارجة عن النظام السياسي المسيطر. وبذلك تحوّلت اللعبة السياسية إلى لعبة تناحرية. ففقدان هامش التعبير في الحقل السياسي العربي دفع بالمعارضات إلى سلوك سياسي يائس، أخذ الطابع العنفي للتعبير عن الاحتقانات التي تعانيها هذه المجتمعات. بمعنى آخر، تحوّلت المعارَضة السياسية، في ظلّ القبضة الأمنية والسياسية، من معارَضة مهمّتها مراقبة السلطة ونقدها وتصحيح مسارها والسعي إلى الوصول إلى السلطة، من خلال العملية الديمقراطية وتداول السلطة وحرّية التعبير والنقد وحرّية الصحافة وتضامن مؤسّسات المجتمع المدني، إلى معارضة تدميرية مهمّتها إحراج الأنظمة والتدليل على سياستها الهشّة، خاصّةً في تلك المواقع التي تعتبرها السلطة مواقع قوّتها، وهي السياسة الأمنية. فكان أن وُلِدت المعارضة العدمية، وهي من طينة الأنظمة ذاتها، وشكّلت الحركات الدينية المتطرّفة نموذج هذه المعارَضة الأبرز، فشبّ خلال العقدَيْن الأخيرَيْن جيل يائس يرى طريق المستقبل أمامه مسدوداً، ولا خيار أمامه، في ظلّ الأوضاع المأساوية التي يعيشها، سوى الوقوع في دوّامة اليأس، والاندفاع في طرق يائسة للتعبير عن احتجاجه على الأوضاع المتردّية التي يعانيها. وهذه البيئة ملائمة ونموذجية لنموّ الحركات الإرهابية والمتطرّفة.
اعتبار السياسة مهنةً محرّمةً على الآخرين، وقصرها على السلطة السياسية، أفقداها معناها
اعتبار السياسة مهنةً محرّمةً على الآخرين وقصرها على السلطة السياسية، وإلغاء حقل الممارسة السياسية للقوى الأخرى، وقبض الدولة على كلّ مداخل المجتمع المدني ومخارجه وإخضاعه قسراً لمتطلّبات السلطة السياسية، ذلك كله عمل سنوات طويلة على إفقاد السياسة معناها، وأصبحت خطاباً مرسلاً في اتجاه واحد من الأعلى إلى الأسفل. وبحكم ضغوطٍ شديدةٍ تعرّضت لها المجتمعات العربية من السلطة السياسية، فُرِّغ المجتمع وقواه الحيّة من القدرة على التعبير عن نفسها، وأصبح هناك خطاب واحد يفرض نفسه على المجتمع، الذي تضطر قطاعات منه إلى تكراره تحت ضغوط الإكراه والإذعان. وليس غريباً في هذه الظروف أن يتحوّل خطاب السلطة إلى خطاب إنشائي ينتج نفسه بعيداً من أيّ واقع، تعيد السلطة من خلاله إنتاج رغباتها وتحويل سلوكها السياسي إلى إنجازات عظيمة، في وقتٍ يتناقض فيه هذا الخطاب الإنشائي مع كلّ المعطيات التي تظهر في سطح الواقع العربي بشكل صارخ، لتقول إنّ الواقع العربي لا يمتّ بصلة إلى ما يتحدّث عنه خطاب السلطة.
لهذه الأسباب كلّها، وما يفيض عنها، كانت البلدان العربية مهيأةً للثورات التي اندلعت، ويبدو أنّ الثورات، وعلى الرغم من التضحيات كلّها، لم تستطع أن تغيّر من آلية صنع السياسة في البلدان العربية، وهو ما نراه يتكرّر، ما يعني تكرار إنتاج الأزمات، وتكرار نزف مزيد من الدماء.
المصدر: العربي الجديد






