
ليلة واحدة تفصل طلاب السويداء عن امتحاناتهم، وساعات قليلة تسبق انطلاق رحلة الوصول إلى المراكز الامتحانية، وبين جدران المنازل، تتداخل المراجعة الأخيرة مع قلق من نوع مختلف، لا علاقة له بالمنهاج الدراسي، بل بالطريق نفسه وبالظروف المحيطة بيوم الامتحان.
في ريف السويداء الجنوبي، لم تعد التحضيرات لامتحانات الشهادة الثانوية مقتصرة على الكتب والدفاتر، فالمدارس عملت على تأمين وسائل نقل للطلاب، في حين تعاونت شركات نقل مع الأهالي لضمان وصول أبنائهم إلى المراكز صباح 29 من آب.
وفي وقت تتواصل فيه التحضيرات الحكومية لتجهيز المراكز، تثير بعض أماكن الامتحانات اعتراضات محلية، بعدما وُضع عدد منها -بحسب الأهالي- في صالات أفراح أو أماكن لا تبدو مهيأة بالشكل المعتاد لاستضافة امتحانات رسمية، غير أن كثيراً من الطلاب يقولون إنهم في هذه المرحلة لا يطمحون إلى أكثر من فرصة للوصول إلى قاعة الامتحان وتقديم أوراقهم.
وكان الرئيس أحمد الشرع أصدر، في 19 من الشهر الجاري، المرسوم رقم 163 لعام 2026، الذي منح طلاب محافظة السويداء دورة استثنائية للتقدم لامتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة بفروعها كافة، وفق القواعد والشروط المعتمدة للامتحانات، على أن يستفيد منه الطلاب الذين لم يتقدموا لدورة عام 2026 أو لم يتمكنوا من تقديم جميع المواد الامتحانية فيها.
“لم نعد نفكر بالمركز.. نريد فقط أن نقدم“
يختصر نادر مقلد طالب شهادة ثانوية في حديثه لموقع تلفزيون سوريا حالة القبول التي فرضتها الظروف بقوله إنه كان يتمنى مركزاً في مدرسة وظروفاً أفضل، لكن ذلك لم يعد الأهم بالنسبة إليه بعد عام كامل من الدراسة والتعب، ما يشغله فعلاً هو أن يصل إلى القاعة ويقدّم الامتحان، حتى لو لم يكن المكان مثالياً، في حين تبقى فكرة عدم الوصول أصلاً هي ما يخيفه.
ويضيف أنه يتجنب متابعة الأخبار قدر الإمكان هذه الأيام، لأن أي معلومة عن الطرقات أو الحواجز تزيد توتره، لذلك اختار أن يركّز على ما يستطيع التحكم به: “المراجعة، وتجهيز أغراضه، والنوم مبكراً”.
بالنسبة للطالبة نور، تغيّرت طريقة المراجعة كلما اقترب موعد الامتحان. فبدل فتح موضوعات جديدة، اتجهت إلى تثبيت ما تعرفه أصلاً، وتحديداً التعاريف والقوانين والنقاط التي كانت تخطئ فيها سابقاً.
كما جهّزت ملابسها وهويتها وأقلامها منذ الليل، وضبطت المنبه أكثر من مرة خوفاً من ألا تستيقظ في الموعد، وتختصر أمنيتها لهذا اليوم بعبارة لا تتعلق بالعلامات، بل بأن ينتهي اليوم وقد أنجزت الامتحان فحسب.
“الطالب لا ذنب له بكل ما يحدث“
يبدو قلق الأهالي أكبر من قلق أبنائهم في كثير من الأحيان، فالأهل لا يراقبون فقط مستوى التحضير الدراسي، بل يسألون أيضاً عن الطريق الذي سيسلكه أبناؤهم، وإمكانية العودة سالمين إلى المنزل.
يقول أحد الأهالي للموقع إن تقديم الامتحان حق للطلاب لا علاقة له بأي خلاف قائم، وإن الطالب “ليس طرفاً في أي مشكلة”، بل يريد فقط أن يذهب ويقدّم امتحانه ويعود إلى بيته.
ويوضح أن هذا الموقف هو ما دفع الأهالي إلى الضغط على “الحرس الوطني” من أجل السماح للطلاب بالمرور من حاجز أم الزيتون، مؤكداً أنهم لا يريدون مشكلة ولا مواجهة، بل فقط أن “يُترك الطلاب وشأنهم”، فالطالب -كما يصفه- يحمل حقيبته وورقة امتحانه فقط، ولا علاقة له بالسياسة أو السلاح.
“جهزنا السيارة قبل أن يجهز الطالب حقيبته“
في بعض المنازل، بدأت التحضيرات للرحلة قبل أيام من موعد الامتحان. فمع الحديث عن تأمين وسائل النقل من قبل المدارس وشركات النقل، انشغلت العائلات بتفاصيل الانطلاق والوصول.
تقول إحدى الأمهات لموقع تلفزيون سوريا، إنها تسأل منذ يومين عن جهة النقل وموعد الخروج ونقطة التجمع، لضمان وصول ابنها قبل بدء الامتحان بوقت كافٍ.
وتضيف أنها تحاول ألا تُظهر خوفها أمامه، فتطلب منه أن يركّز على الدراسة فقط، لكنها تبقى قلقة من لحظة خروجه من الباب صباحاً حتى يتصل بها ليخبرها أنه وصل بأمان.
وتصف ليلة الامتحان بأنها ليلة لن تنام فيها الأمهات بسهولة، رغم أن كل ما يريده الأبناء في النهاية هو تقديم امتحانهم لا أكثر.
“لم يعد لدينا وقت لنفكر إن كان المكان مناسباً“
لا تغيب الاعتراضات على بعض المراكز الامتحانية عن أحاديث الطلاب، لكنها لم تعد في مقدمة أولوياتهم.
ويقول الطالب نادر مقلد إنه سمع أن بعض الامتحانات ستُقام في صالات أفراح وأماكن غير مدرسية، وإن المدرسة بالتأكيد كانت لتكون أفضل، لكن لم يعد هناك وقت لمناقشة المكان. ويتابع: “طاولة وكرسي وهدوء كاف لتقديم الامتحان”.
وبشير إلى أنهم مرّوا بظروف أصعب من مسألة مكان الامتحان، وأن كل ما يريده هو الجلوس أمام ورقة الأسئلة ليرى ما تبقى في ذاكرته مما درسه. مضيفاً : “أخاف من لحظة الوقوف على الحاجز ومنعي من العبور أكثر من ورقة الأسئلة”.
تختصر الطالبة ناديا أبو زيد مصدر قلقها الحقيقي بقولها إن “الامتحان نفسه لا يخيفها بقدر ما يخيفها الطريق إليه”، فلحظة المرور من الحاجز تسبب لها توتراً أكبر من لحظة استلام ورقة الأسئلة.
وتتمنى معاملة هادئة للطلاب، وأن يدرك الجميع أنهم ذاهبون فقط لتقديم امتحان، لا أكثر ولا أقل: “نريد أن نصل، نقدّم، ونرجع”.
وتضيف أنها تتوقع أن يخف توترها بمجرد جلوسها في القاعة، حين لن يبقى في ذهنها سوى الأسئلة.
تلخّص مطلبها البسيط: “ألا يُعامَل الطلاب إلا كطلاب ذاهبين إلى امتحان، دون تأخير أو خوف في الطريق أو قلق من احتمال منعهم من الوصول، وأن كل ما تتمناه هو أن تصل إلى مقعدها في القاعة، وتكتب اسمها على الورقة، وتبدأ بالحل”.
“أخبرته أن يأخذ معه قلمين وماء فقط“
من جهته، يروي توفيق عزام أحد الآباء لابنه في المرحلة الثانوية أنه حاول إبعاده عن متابعة الأخبار والنقاشات الجانبية، وطلب منه أن يهتم بامتحانه فقط، وأن يجهّز حقيبته بكل ما يحتاجه.
ويرى أن الطلاب يجب أن يشعروا بوجود من يحمي حقهم في التعليم، مؤكداً استعداد الأهالي للتعاون مع المدارس وشركات النقل وكل جهة قادرة على تسهيل وصول أبنائهم.
صباح مختلف
في صباح 29 من آب، تتحول كل هذه الاستعدادات إلى حركة على الطرقات، سيارات تنقل الطلاب، حافلات متجهة إلى المراكز، أهالٍ ينتظرون اتصالات الاطمئنان، ومدارس تتابع وصول طلابها.
وفي سياق التحضيرات، أكدت مديرية إعلام السويداء، لموقع تلفزيون سوريا، استمرار التحضيرات لتجهيز المراكز الامتحانية في ريف السويداء الشمالي، بالتوازي مع استنفار عناصر الأمن الداخلي وأمن الطرق والدفاع المدني لتأمين الظروف المناسبة لسير الامتحانات.
أما مطلب الأهالي الأساسي فيبقى واحداً، أن تمر رحلة أبنائهم من المنزل إلى المركز، ثم العودة، بأمان.
الخلفية السياسية والأمنية للأزمة
ولم تأتِ هذه المخاوف بمعزل عن تطورات سبقت الامتحانات، إذ أعلنت “غرفة عمليات شهبا” و”قيادة القطاع الشمالي” التابعتان لـ”الحرس الوطني”، في 26 من آب، عزمهما إغلاق الطرق ومنع حركة الآليات المخصصة لنقل الطلاب إلى المراكز الامتحانية. وبررت الجهتان هذا الموقف بالحرص على سلامة الطلاب وتحقيق المساواة بينهم، معتبرتين أن مستقبلهم وكرامة الأهالي “خط أحمر”.
غير أن تنفيذ إجراءات المنع على الأرض أثار اعتراضاً مقابلاً من أهالي طلاب قرروا التقدم للامتحانات رغم كل الظروف، معتبرين أن المخاوف المتعلقة بأماكن المراكز لا تمنح أي جهة الحق في فرض مقاطعة على جميع الأسر.
وأصدرت مجموعة من أهالي الطلاب في السويداء بياناً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أكدوا فيه أن التقدم إلى الامتحانات “حق أساسي لا ينبغي تعطيله”، مطالبين باحترام حرية كل أسرة في اتخاذ القرار الذي تراه مناسباً لأبنائها.
وفي الوقت نفسه، أكد الأهالي احترامهم لقرار الأسر التي اختارت عدم إرسال أبنائها، مقابل مطالبتهم بالمثل باحترام قرار من اختاروا المشاركة في الدورة، وطالبوا بالسماح لهم بإيصال أبنائهم إلى المراكز بأمان، من دون تهديد أو إكراه أو منع.
كما رفض البيان إغلاق الطرقات أو اعتراض وسائل النقل، محذراً من تحويل قضية الطلاب إلى خلاف داخلي بين أبناء المحافظة الواحدة.
المصدر: تلفزيون سوريا






