عزلة الكتابة  

سمر يزبك

 

في كلّ مرّة أنتهي فيها من كتاب، أكتشف أنّ شيئاً حدث في الخارج. لا أقصد هنا الأحداث الكُبرى، وإنّما ذلك الجزء الصغير من حياة الناس حولي، الذي لا يُحتفظ له بأرشيف. أخرج من الكتاب وفي ذهني وهم أنّني سأعود إلى حيث كنت قبل أن أبدأه، ثمّ أجد أنّ المكان نفسه لم يعد موجوداً.
يصعب عليّ التعامل مع العزلة بوصفها ذلك الامتياز الذي تحبّ الثقافة أن تنسبه إلى الكتّاب. لم تكن عزلتي موقفاً من الناس، فمشاريع كتبي التوثيقية تقتضي أن أقضي وقتاً طويلاً بينهم، ولم أعش يوماً بمعزل عن الأحداث السياسية المحيطة بي. العزلة ليست استثناء يستحقّ الاحتفاء. إنّها في معظم الأحيان ضرورة عمل. فالكتاب حين يصبح مشروعاً يحتلّ من الوعي أكثر ممّا تشي به الساعات التي نقضيها أمام الصفحات البيضاء. المشكلة ليست في الوقت الذي تأخذه الحياة الاجتماعية، وإنّما في قدرتها على قطع التركيز الذي يحتاجه الكتاب. بعد عدد من الكتب، صرت أقلّ يقيناً بأنّ هذه العزلة ستنتهي بانتهاء المشروع. ما يبدأ ترتيباً مؤقّتاً للحياة يكتسب مع التكرار شيئاً من الدوام. يعتاد الكاتب/ة حماية وقته، ويعتاد الآخرون غيابه، ثمّ يصبح من الصعب تحديد اللحظة التي تحوّلت فيها ضرورة الكتابة إلى طريقة في العيش. هنا تبدأ المحنة: ماذا صنعت به السنوات التي احتاج فيها إلى هذه العزلة؟ ثمّة شيء مربك حين أعتذر عن لقاء إنسان حيّ لأنّ عليّ أن أمضي المساء في صحبة أشخاص لا ألقاهم إلّا في صفحات الكتاب. الكتابة تغيّر ترتيب الحضور والغياب في حياة صاحبها. وفي الرواية قد يذهب هذا الحضور نفسه إلى شخص لم يوجد أصلاً.
أكثر كلمة خدعت بها نفسي في أثناء الكتابة كانت “بعد”. بعد أن أنتهي من هذا الفصل سأخرج أكثر. بعد تسليم المخطوط سأستعيد صداقات ابتعدتُ عنها. بعد صدور الكتاب، سأمنح نفسي بضعة أشهر لا يكون فيها الصباح بداية ليوم عمل. ما لم أنتبه إليه طويلاً أنّ المشروع حين ينتهي يترك وراءه الطريقة التي رتّبتُ بها حياتي من أجله. للزمن الاجتماعي طبيعة لا تشبه زمن المخطوط. أستطيع أن أترك فصلاً ناقصاً شهوراً ثمّ أعود إليه، فأجد الجملة في المكان الذي تركتها فيه. البشر لا ينتظرون بهذه الطاعة. العلاقة التي لا نجد وقتاً لها تتغيّر في أثناء الغياب عنها، حتّى حين يبقى الودّ. اكتشفت متأخّرةً أنّ بعض ما كنت أؤجّله لن أعثر عليه لاحقاً.
يهمني أبو العلاء المعرّي أكثر من الحكايات الشائعة عن عزلة الأدباء. في المعرّي، “رهين المحبسين”، لا أرى شاعراً أغلق على نفسه باباً. ما يعنيني أكثر تلك المسافة التي تنشأ بين الإنسان والجماعة حين يقيم طويلاً خارج إيقاعها اليومي. بدأ لزوم المعرّي بيته في ظروف معلومة، لكنّه لم يبقَ مجرّد ظرف في حياته. مع الزمن صارت العزلة نفسها موضعاً للفكر. لهذا لم أعد واثقة من أنّ العزلة التي أعيشها هي نفسها التي اخترتها في البداية. فالاختيار يفترض أنّ الرجوع عنه ما زال متاحاً بالسهولة نفسها. لست واثقةً من ذلك. قد أكون دخلت العزلة في المرّة الأولى من أجل كتاب، لكنّني بعد كتبٍ كثيرة لا أستطيع أن أجزم بأنّ الكتاب هو السبب الوحيد لبقائي فيها. ربّما يكون الخطأ في وضع الكتابة في جهة والحياة في جهة أخرى، كأنّ السنوات التي قضيتها في البحث والكتابة تقع خارج عمري الحقيقي. لم تكن الكتابة انقطاعاً عن حياتي. كانت من أكثر ما عشته فيها كثافة. لكنّها أخذت من الوقت ما لم يعد متاحاً لأشياء أخرى. لو استطعت استعادة السنوات التي أخذتها كتبي، فلست واثقةً ممّا سأفعله بها. أعرف الآن أنّ بعض العلاقات لا تعود من حيث توقّفت، وأنّ بعض اللحظات لا تقبل التعويض. كان يفترض أن تجعلني هذه المعرفة أكثر حسماً حين أختار مرّة أخرى، لكنّها لم تفعل. فما إن ينتهي كتاب حتّى أجدني أمام سؤال جديد يستحقّ أن أتتبّعه. أعرف ماذا سيطلب منّي، وأعرف الآن أكثر من السابق ما قد يأخذه. في البدايات كنت أظنّ أنّ للكتابة ثمنًا أدفعه مؤقّتًا ثمّ أعود إلى حياتي. بعد هذه السنوات صرت أعرف أنّ الثمن نفسه جزء من الاختيار، ومع ذلك، حين أفكّر في حياة أوسع اجتماعياً وأقلّ امتلاءً بالكتب، لا أشعر أنّني أنظر إلى الحياة التي ضيّعتها. أشعر أنّني أنظر إلى حياة امرأة أخرى كان يمكن أن أكونها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى