قسد.. قوة صنعتها الحرب وأنهتها التحولات

محمد الدغيم

شهدت الساحة السورية، خلال السنوات الماضية، صعود واحدة من أكثر القوى العسكرية إثارةً للجدل. بدأت شريكاً رئيسياً للتحالف الدولي في الحرب على تنظيم “داعش”، ثم تحوّلت إلى لاعب يملك نفوذاً عسكرياً وإدارياً واسعاً، قبل أن تطوى صفحتها اليوم بعد سقوط “الأسد” وسلسلة من التطورات العسكرية والسياسية التي أنهت نفوذها بشكل كامل، فكيف نشأت قوات سوريا الديمقراطية؟ وكيف توسعت؟

في سنوات الثورة والحرب الطويلة، ولدت راية لم تستطع بألوانها وشعاراتها البراقة أن تمنع عنها أسئلة جدلية حول ظروف نشأتها وهويتها وارتباطاتها السياسية والعسكرية وأهداف مشروعها ومصدر دعمها وحتى علاقتها بنظام “الأسد” وحلفائه روسيا وإيران، فكانت منذ تمددها حتى انحسارها عاملًا للتجاذبات الساخنة والحادة بين أطراف محلية وإقليمية ودولية.

“قوات سوريا الديمقراطية”، التي جمعت تحت مظلتها تشكيلات مختلفة عند تأسيسها أواخر عام 2015، لم تستطع أن تخفي جذورها الحقيقية وعمودها الفقري، الذي قامت واستندت إليه، وهو “وحدات حماية الشعب”، الذراع العسكرية لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي”، المرتبط فكرياً وسياسياً وعسكرياً بـ:حزب العمال الكردستاني”.

تبدو “قسد” أمام نهاية مرحلة استمرت عقداً كاملاً، قوة ولدت في زمن الحرب، واتسعت بفضل الدعم الدولي، لكنها انتهت اليوم، بانتهاء الظروف السياسية والعسكرية التي أوجدتها آنذاك..

ومع اتساع خطر تنظيم “داعش” آنذاك، وجدت الولايات المتحدة في هذه القوات شريكاً قادراً على خوض الحرب على الأرض، فدعمت تأسيس “قسد” بصيغة متعددة المكونات، بينما بقي القرار العسكري في يد الوحدات الكردية.

وخلال سنوات قليلة، تمددت “قسد” على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا، وسيطرت على معظم حقول النفط والغاز، وأقامت إدارة مدنية وأجهزة أمنية وعسكرية، لتتحول من قوة تقاتل “داعش” إلى سلطة أمر واقع تدير واحدة من أهم المناطق السورية.

اليوم، تبدو “قسد” أمام نهاية مرحلة استمرت عقداً كاملاً، قوة ولدت في زمن الحرب، واتسعت بفضل الدعم الدولي، لكنها انتهت اليوم، بانتهاء الظروف السياسية والعسكرية التي أوجدتها آنذاك.

ولاقت هذه الإدارة انتقادات واتهامات شعبية وحقوقية، حول هيمنة “حزب الاتحاد الديمقراطي” على القرار السياسي، أو سياسات التجنيد الإجباري وتجنيد الأطفال واعتقال المعارضين وتقييد النشاط الحزبي والإعلامي في مناطق سيطرتها، والأهم من ذلك حالة العداء والاشتباك مع فصائل المعارضة، بمقابل مهادنتها لنظام “الأسد” ومشاركته مناطق النفوذ والسيطرة في الحسكة والقامشلي تحديداً.

لكن هذا الصعود حمل معه تناقضاته، فتركيا رأت في “قسد” امتداداً لـ”حزب العمال الكردستاني”، فشنّت عمليات عسكرية قلّصت مساحة سيطرتها، في حين ظل الدعم الأميركي مرتبطاً بهدف واحد: محاربة “داعش”، لا إنشاء كيان مستقل. ومع انتهاء المعركة ضد داعش، بدأ السؤال الأصعب يفرض نفسه: ما وظيفة “قسد” بعد “داعش”؟

جاءت التحولات الكبرى في سوريا لتغيّر قواعد اللعبة، فمع سقوط “الأسد” وانتصار الثورة وعودة السلطة المركزية في دمشق، تراجعت مبررات بقاء قوة عسكرية مستقلة خارج مؤسسات الدولة، وبدأت مفاوضات الدمج، بالتوازي مع تسليم مواقع عسكرية وأمنية، وإعادة ترتيب المشهد في شمال شرقي البلاد.

اليوم، تبدو “قسد” أمام نهاية مرحلة استمرت عقداً كاملاً، قوة ولدت في زمن الحرب، واتسعت بفضل الدعم الدولي، لكنها انتهت اليوم، بانتهاء الظروف السياسية والعسكرية التي أوجدتها آنذاك، لتطوى بذلك صفحة أحد أبرز الفاعلين السياسيين والعسكريين في العقد الأخير بسوريا، ولتتحول “قسد” من شريك رئيسي في هزيمة “داعش”، إلى مشروع يعيد تعريف نفسه داخل مؤسسات الدولة السورية.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى