التصعيد الإسرائيلي في سوريا.. لماذا تريثت تركيا وكيف تحمي تعاونها مع دمشق؟

  حمزة خضر

لم تتوقف تداعيات الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور عند الأضرار التي لحقت بالمدرج والحظائر، فالتبرير الذي قدمه مكتب رئيس حكومة الاحتلال نقل الحادثة من استهداف منشأة سورية إلى خلاف أوسع بشأن التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة، بعدما زعم أن سوريا كانت على وشك السماح بانتشار قوات تركية في المطار.

نفت وزارة الدفاع التركية وجود وفد عسكري تركي في المطار قبل الغارات أو في أثنائها، بينما قال المبعوث الأميركي توم باراك إن واشنطن تحققت من المعلومات المتعلقة بانتشار تركي وخلصت إلى أن ذلك لم يكن يحدث.

لم يكن هذا التفصيل هامشياً، إذ نُفذت الغارات استناداً إلى نية مستقبلية نسبها الاحتلال إلى دمشق، وليس إلى وجود تركي ثابت ومعلن في المطار. ومن هذا الفارق انطلق التعامل التركي مع الحادثة، وهو رفض محاولة فرض قيود على تعاونها مع الحكومة السورية، مع تجنب الانتقال إلى مواجهة مباشرة لم تتعرض فيها الأراضي أو القوات التركية للاستهداف.

موقف صاغته مؤسسات الدولة

تولت المؤسسات التركية المعنية صياغة الموقف العلني. فقد دانت وزارة الخارجية الغارات بقوة، وقالت إنها استهدفت البنية التحتية والقدرات السورية وانتهكت وحدة البلاد وسلامة أراضيها، مطالبة المجتمع الدولي بموقف أكثر حزماً وبضمان المحاسبة، وفق بيان الخارجية التركية.

وأكد رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران أن تركيا ستواصل دعم سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وستقف في وجه الخطوات التي تهدد الاستقرار الإقليمي، بحسب دائرة الاتصال في الرئاسة التركية.

أما وزارة الدفاع، فربطت إدانة الغارات بالتأكيد على استمرار مساعدة سوريا في تطوير قدراتها العسكرية وبنيتها التحتية، وفق “رويترز”. كما شاركت أنقرة في بيان مع 11 دولة وصف الهجوم بأنه تصعيد وانتهاك للسيادة السورية، ودعا إلى احترام اتفاق فصل القوات لعام 1974 وانسحاب قوات الاحتلال من الأراضي التي دخلتها.

وبقي الخطاب التركي عند مستوى المؤسسات السياسية والأمنية المعنية، من دون تحويل الحادثة إلى سجال شخصي على مستوى القيادة العليا. وقدّم دوران وصفاً لافتاً لهذا السلوك حين قال إن تركيا دولة “حذرة ومتزنة وقوية”، لا تتهاون في أمنها ولا تنجر إلى خطوات تهدد استقرار المنطقة، بحسب دائرة الاتصال في الرئاسة.

“الخطر” في الحسابات التركية

لم تتعامل أنقرة مع ما جرى بوصفه حادثة سورية معزولة. فقد سبق للرئيس رجب طيب أردوغان أن قال إن الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ولبنان وصلت إلى مستوى يهدد تركيا أيضاً، وإن أمن بلاده مرتبط بأمن البلدين،.

وقبل قصف أبو الظهور بأقل من أسبوعين، وصف وزير الخارجية هاكان فيدان الاعتداءات التي تستهدف سيادة سوريا ووحدة أراضيها بأنها من أخطر التهديدات لاستقرار البلاد، مؤكداً أن حماية أمن سوريا مسؤولية مشتركة لدول المنطقة.

وقال باراك إن تركيا رصدت الطائرات الإسرائيلية متجهة شمالاً نحو حدودها من دون تلقي إنذار مسبق، وإن هذا المسار كان يمكن أن يدفعها منطقياً إلى تحريك مقاتلاتها قبل أن تمنع إدارة الموقف تدهوره.

ورأى الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في القوات الجوية التركية غورسل توكماك أوغلو أن عدم انتقال الرصد إلى اشتباك جوي يعكس انضباطاً في إدارة المخاطر، إذ تجنبت تركيا مواجهة قد تبدأ من نقص المعلومات وسوء تفسير النيات، مع احتفاظها بإمكان اتخاذ تدابير لاحقة، وفق مقاله في “إندبندنت تركية”.

لا تنحصر الخيارات التركية بين الاكتفاء بالاحتجاج والدخول في مواجهة عسكرية، ويكشف سجل الأزمات التي أدارتها أنقرة عن استجابات متدرجة، تبدأ بتثبيت الموقف السياسي، ثم بناء آليات الاتصال والحماية والردع، وصولاً إلى استخدام القوة عندما يقع اعتداء مباشر على الأراضي أو القوات التركية.

شكّلت البيانات السياسية والقانونية المستوى الأول من الاستجابة، لكنها لا تقدم وحدها صورة كاملة عمّا يمكن أن يتغير بعد أبو الظهور. فالمسألة التالية بالنسبة إلى أنقرة تتعلق بمنع تكرار المفاجأة، وحماية تعاونها مع دمشق، وتحديد النقطة التي قد تنتقل عندها من إدارة المخاطر إلى الرد العسكري.

من الاتصال إلى منع الاحتكاك

سبق لفيدان أن أوضح، في نيسان 2025، أن تركيا لا تريد مواجهة مع الاحتلال داخل سوريا، وأن الاتصالات الفنية القائمة تهدف إلى منع سوء الفهم بين العناصر العسكرية، ولا تمثل مساراً لتطبيع العلاقات.

غير أن غياب الإنذار قبل غارات أبو الظهور أظهر أن الاتصال عند الحاجة لا يوفر بالضرورة آلية كافية للتعامل مع حركة الطائرات والعمليات المفاجئة. وقال باراك إن واشنطن تعمل على تطوير آلية لمنع الاحتكاك تضم سوريا وتركيا والاحتلال، وإن الترتيبات القائمة تحتاج إلى موارد وقواعد أكثر فاعلية، وفق “رويترز”.

وانتقل التحرك إلى مباحثات رفيعة المستوى في الأردن تناولت وقف الغارات والاعتقالات والعمليات الإسرائيلية داخل سوريا، ومنع انتقال التوتر التركي-الإسرائيلي إلى الأراضي السورية. وتمسكت دمشق خلالها بحقها في إعادة بناء قواتها المسلحة واختيار تحالفاتها وشراكاتها.

تحتاج تركيا إلى هذا المسار للحصول على الإنذار وتبادل المعلومات ومنع سوء التقدير، لكن المشاركة فيه لا تعني قبول تقييد التعاون السوري-التركي أو منح الاحتلال سلطة تقرير نوع القدرات التي تستطيع دمشق تطويرها. وأشار “Al-Monitor” إلى أن لدى أنقرة حوافز لإنجاح الوساطة الأميركية، في حين قد يؤدي اتساع المطالب الأمنية الإسرائيلية والإصرار على حرية تنفيذ العمليات إلى تعقيد الوصول إلى ترتيب مستقر.

رفع كلفة المفاجأة

لا يقتصر منع تكرار الحادثة على إنشاء خط اتصال. فقد نقلت صحيفة “تركيا” عن مصادر أمنية أن دمشق وأنقرة تدرسان إعداد بروتوكولات دفاعية وأمنية جديدة، وتعزيز المراقبة والإنذار المبكر بواسطة طائرات “أواكس”، وتكثيف الدوريات الجوية قرب الحدود، وتطوير وسائل التعامل مع الطائرات المسيّرة، وتنظيم مناورات مشتركة، وفق تقرير الصحيفة.

وتحدث التقرير كذلك عن احتمال تحديث قواعد الاشتباك والعمل، على المدى المتوسط، على دعم قدرة سوريا في مراقبة مجالها الجوي وإدارته. ولم تعلن الحكومتان اعتماد هذه الإجراءات رسمياً، ولذلك تبقى في نطاق المعلومات أحادية المصدر، لكنها ترسم طبيعة الخيارات التي يمكن بحثها لمعالجة الثغرة التي كشفتها الغارات.

ويرى الخبير التركي محمد أوغوتشو أن الاستجابة قد تتقدم عبر أدوات أقل ظهوراً من التصريحات، مثل تقوية الرادارات والإنذار المبكر والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وحماية القوات، من دون الإعلان عن التفاصيل قبل تنفيذها، وفق تحليله في “Yetkin Report”.

وتكشف التغطية الإسرائيلية مقدار الحساسية التي تحيط حتى بالتجهيزات ذات الاستخدام المدني. فقد أكدت هيئة الطيران المدني السورية أن منظومة الرادار التركية “HTRS-100” التي كان من المقرر أن يتم تشغيلها في مطار دمشق، مخصصة لإدارة الحركة الجوية المدنية، بينما قدمتها “جيروزاليم بوست” ضمن سياق توسع الحضور العسكري التركي. ويوضح التباين أن أي تطوير لمنظومات الرصد والإنذار السورية قد يتحول سريعاً إلى موضوع خلاف، حتى عندما تعلن دمشق أن وظيفته مدنية.

حماية مسار يتجاوز قاعدة واحدة

يمثل أبو الظهور جزءاً من تعاون أوسع بدأ يأخذ طابعاً مؤسسياً بعد توقيع مذكرة التعاون العسكري بين البلدين في آب 2025. وتشمل المذكرة التدريب والاستشارات وتبادل الخبرات وتقديم معدات عسكرية ولوجستية لدعم إعادة تنظيم الجيش السوري. وبعد الغارات، أكدت وزارة الدفاع التركية استمرار دعم قدرات سوريا ضمن إطار “الجيش الواحد”، بما في ذلك التدريب والاستشارات والمساعدة الفنية، بحسب وكالة “ديمير أوران“.

وامتد التعاون إلى المجال البحري. ففي تموز، زار قائد القوات البحرية التركية الأميرال أرجومنت تاتلي أوغلو ميناء اللاذقية بدعوة من قائد القوات البحرية السورية العميد محمد السعود، وبحث الجانبان تبادل الخبرات ودعم إعادة تنظيم القوات السورية. كما يتوسع التعاون الاقتصادي في قطاعات الطاقة والتعدين والنقل. وقال وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار إن بلاده مستعدة للعمل مع دمشق في استكشاف النفط والغاز.

تجعل هذه الملفات استقرار سوريا مصلحة طويلة الأمد لأنقرة. فالمواجهة المفتوحة قد تعطل إعادة بناء المؤسسات وتعرض المشاريع والأفراد لمخاطر إضافية، بينما يؤدي التراجع عن التعاون تحت ضغط الغارات إلى منح الاحتلال قدرة عملية على التأثير في العلاقة بين دمشق وأنقرة.

عتبة استخدام القوة

يكشف سجل الأزمات التركية أن أنقرة تربط أدواتها بطبيعة الحادثة، ولا تضع كل المخاطر في مستوى واحد.

عندما أسقطت تركيا طائرة روسية عام 2015، قالت إن الطائرة خرقت مجالها الجوي بعد إنذارات متكررة، وقدمت قرارها باعتباره تطبيقاً لقواعد اشتباك معلنة ودفاعاً عن السيادة، ثم نقلت إدارة الأزمة إلى حلف شمال الأطلسي والقنوات الدبلوماسية، وفق بيان الخارجية التركية آنذاك.

وفي شباط 2020، أدى مقتل 34 جندياً تركياً في غارة لقوات النظام المخلوع في إدلب إلى إطلاق عملية “درع الربيع” ضد مواقع تلك القوات، قبل انتقال أردوغان إلى تفاهم مع روسيا على وقف إطلاق النار، وفق وكالة “الأناضول”.

وخلال التوتر مع اليونان في شرقي المتوسط عام 2020، حافظت تركيا على مواقفها وتحركاتها، بالتزامن مع إنشاء خط عسكري مباشر وآلية داخل حلف شمال الأطلسي لتقليل مخاطر الحوادث الجوية والبحرية. ووصف الحلف الآلية بأنها وسيلة لمنع الاصطدام وتهيئة مساحة للمفاوضات، لا حل للخلافات الأساسية، وفق حلف شمال الأطلسي.

اختلفت الاستجابة في الحالات الثلاث باختلاف مستوى الخطر، تطبيق قواعد الاشتباك عند خرق المجال الجوي، واستخدام القوة بعد مقتل جنود، واللجوء إلى آليات الاتصال عندما كان المطلوب منع حادث غير مقصود. أما غارات أبو الظهور فلم تستهدف الأراضي التركية أو قوات تركية، ولم تسفر عن ضحايا، ولذلك بقيت الاستجابة عند مستوى التثبيت السياسي، ومنع الاحتكاك، ودراسة إجراءات الحماية والإنذار.

لكن هذا المستوى ليس ثابتاً بالضرورة. فتكرار الغارات على منشآت مرتبطة بتعاون معلن بين الحكومتين، أو تعرض أفراد أتراك للخطر، أو اقتراب العمليات من المجال الجوي التركي، يمكن أن يفرض مراجعة مختلفة لقواعد الاشتباك. وفي هذه الحالة ستصبح هوية المستهدف ومكانه ووجود إنذار مسبق عناصر حاسمة في تحديد طبيعة الرد.

ماذا تكشف القراءة الإسرائيلية؟

تظهر التغطية العبرية أن المخاوف الإسرائيلية لا تقف عند احتمال استخدام أبو الظهور، بل تمتد إلى مساهمة تركيا في إعادة بناء القدرات العسكرية السورية.

قدمت صحيفة “إسرائيل هيوم” الدور التركي بمصطلحات مثل “الإمساك” و”الاستحواذ الهادئ”، واستندت في بعض ادعاءاتها إلى مصدر مجهول. لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى قلق الاحتلال من إمكان مساهمة أنقرة في إعادة بناء القدرات البحرية السورية بعد زيارة الوفد التركي إلى اللاذقية.

ويختلف هذا التوصيف عن الرواية الرسمية التي تقول إن الزيارة تمت بدعوة من القيادة البحرية السورية وفي إطار تعاون متفق عليه بين البلدين. ويكشف التباين اختلافاً أوسع في النظر إلى العلاقة، ما تقدمه دمشق وأنقرة بوصفه تعاوناً بين حكومتين، تنظر إليه دوائر إسرائيلية باعتباره تغيراً محتملاً في البيئة العسكرية السورية يمكن أن يحد مستقبلاً من حرية عمليات الاحتلال.

وفي مادة أخرى، نقلت “إسرائيل هيوم” عن مسؤول إسرائيلي تقديره بأن التوتر المباشر مع تركيا توقف مؤقتاً بعد تدخل واشنطن، لكنه توقع استمرار أنقرة في تعاونها العسكري مع سوريا.

أما معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فرأى أن شمالي سوريا أكثر أهمية للأمن التركي منه للحسابات الإسرائيلية، وانتقد عدم استخدام خط منع الاحتكاك قبل الغارات، معتبراً أن الضربة قد تدفع أنقرة إلى الاستعداد بصورة أكبر لاحتمالات التوتر بدلاً من تقليص دورها، وفق تحليل المعهد.

تتعامل تركيا مع قصف مطار أبو الظهور باعتباره إنذاراً يستدعي تعديل أدوات إدارة المخاطر، لا سبباً كافياً للدخول في مواجهة مفتوحة. وهي تحاول المحافظة على شراكتها مع الحكومة السورية الجديدة ضمن احترام سيادة سوريا وقراراتها، مع منع الاحتلال من فرض إيقاع أزمة قد تنتقل آثارها من مطار عسكري إلى استقرار البلد والمنطقة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى