
“معك عشرة؟” سؤال يتكرر عشرات المرات يومياً في وسائل النقل والمحلات التجارية والصيدليات، منذ بدء التعامل بالعملة السورية الجديدة، بعدما أصبحت الفئات الصغيرة، ولا سيما فئة الـ5 ليرات، نادرة أو غير متوافرة في التداول.
قد يبدو الأمر بسيطاً عندما يتعلق بمبلغ لا يتجاوز 5 ليرات، لكن تكرار المشكلة في كل عملية شراء أو دفع أجرة نقل يحولها إلى عبء يومي على المواطنين وأصحاب المهن معاً، ويخلق مشادات كلامية تنتهي أحياناً بتنازل أحد الطرفين، وأحياناً أخرى بإلغاء عملية البيع أو حتى توقف رحلة سرفيس كاملة.
وكانت فئة الـ500 ليرة القديمة تؤدي عملياً دور الفئة الصغيرة التي تعادل 5 ليرات بالعملة الجديدة، إلا أن خروج الأوراق القديمة من التداول أفقد السوق واحدة من أهم وسائل “الفراطة” اليومية.
“أنا مو نصاب.. هاي العملة الموجودة“
خلال جولة لموقع تلفزيون سوريا في وسائل النقل العامة بدمشق وفي باص للنقل الداخلي تحت جسر الحرية في دمشق، والمتجه إلى باب توما، يقف عشرات الركاب عند الباب لدفع الأجرة البالغة 35 ليرة جديدة.
يدفع أحد الركاب ورقة من فئة الـ50، وينتظر إعادة 15 ليرة، ينظر السائق إلى صندوقه، يبحث بين الأوراق النقدية، ثم يسأل: “معك عشرة؟”، إذا كان الراكب يملك ورقة من فئة الـ10 ليرات، تنتهي المسألة بسرعة، أما إذا لم تكن معه، تبدأ عملية البحث عن حل آخر، وقد تتطور إلى مشادة عندما يرفض الراكب دفع الفرق، في حين يتمسك السائق بعدم قدرته على إعادة المبلغ كاملاً.
ومن العبارات التي قد تتكرر خلال هذه المواقف، “أنا مو نصاب، هاي العملة الموجودة، شو بدي أعمل؟”. وفي المقابل يرد الراكب: “أنا ما عم اتهمك بالنصب، بس بدي الباقي المحدد للأجرة”.
وتزداد حدة النقاش في حال وجود عدد كبير من الركاب الذين ينتظرون دفع أجورهم، إذ يؤدي الخلاف على مبلغ صغير إلى تأخير صعود الركاب أو انطلاق المركبة.
وفي بعض الحالات، قد يطلب السائق من الراكب النزول إذا استمر الخلاف، أو يعلن عدم قدرته على متابعة الرحلة في ظل عدم الاتفاق على طريقة إعادة الباقي.
وقد تنتهي المشكلة بتنازل أحد الطرفين، فإما أن يعيد السائق مبلغاً أقل أو أكثر من المبلغ المستحق، أو يقبل الراكب بالتنازل عن الـ5 ليرات.
وتتكرر هذه الحالة مع أكثر من راكب خلال اليوم، ما يجعل الفارق الصغير عبئاً على الطرفين، وليس على المواطن وحده.
“كل مرة خمسة ليرات“
المشكلة الأساسية بالنسبة إلى الركاب ليست قيمة الـ5 ليرات منفردة، وإنما تكرارها،
فالمواطن قد يدفع أجرة النقل ويتنازل عن 5 ليرات، ثم يواجه المشكلة نفسها في متجر أو مخبز أو كشك، ما يجعل الفروقات الصغيرة تتراكم خلال اليوم.
وفي المقابل، يواجه السائق المشكلة نفسها من الجهة الأخرى. فإذا اضطر إلى إعادة مبالغ إضافية لعدد كبير من الركاب بسبب غياب الفئات الصغيرة، فإن مجموع هذه الفروقات يتحول إلى خسارة مباشرة من دخله.
وهذا ما يجعل الخلاف بين الطرفين يتجاوز أحياناً قيمة المبلغ نفسه، ليتحول إلى نقاش حول من يتحمل كلفة نقص الفئات النقدية.
فعلى سبيل المثال، إذا نقل سائق 200 راكب خلال اليوم، وواجه مشكلة الفراطة في 20 معاملة، وكان متوسط الفرق 5 ليرات، فإن مجموع الفروقات يصل إلى 100 ليرة يومياً، وإذا ارتفع عدد الحالات إلى 30 معاملة، يصل الفرق إلى 150 ليرة
الصيدليات.. البدائل لا تناسب جميع الحالات
في الصيدليات، لا تتوقف أزمة الفراطة عند فئة الـ5 ليرات، بل يمكن أن تتطلب العملية فئات أعلى، ولا سيما الـ10 والـ20 ليرة، في ظل وجود فئة الـ25 ليرة.
فعندما يكون المبلغ المستحق للزبون 20 ليرة، ولا يملك الصيدلي فئة الـ10، بينما تتوافر لديه فئة الـ25 فقط، قد يطلب من الزبون شراء سلعة أخرى بقيمة 20 ليرة بدلاً من إعادة المبلغ نقداً.
على سبيل المثال، إذا كان ثمن الدواء 80 ليرة ودفع المواطن 100 ليرة، يحتاج الصيدلي إلى إعادة 20 ليرة، وإذا لم تتوافر لديه فئة الـ20 أو فئتا الـ10، فقد يقترح على الزبون شراء منتج آخر بقيمة 20 ليرة.
يقول الصيدلي: “لا أملك فئة العشرين ليرة أو فئتي العشر، ويمكنك اختيار منتج آخر بقيمة عشرين ليرة”.
لكن الزبون قد يرفض، لأنه دخل الصيدلية لشراء دواء محدد وليس للحصول على سلعة إضافية.
وقد يرد: “أنا لا أحتاج إلى منتج آخر، أريد المبلغ المتبقي نقداً”.
وفي حال عدم وجود حل، قد يضطر الزبون إلى إلغاء عملية الشراء، أو يبحث عن صيدلية أخرى، بينما يرى الصيدلي أنه لا يستطيع إعادة فئة نقدية غير موجودة لديه.
وهنا لا تعود المشكلة مرتبطة بخمسة ليرات فقط، بل بغياب منظومة متكاملة من الفئات الصغيرة التي تسمح بإعادة المبالغ بدقة.
مشادات داخل المتاجر
في بعض الحالات، تبدأ المشادة بعبارة بسيطة من البائع: “ما معي فراطة”، لكنها قد تتطور عندما يرى الزبون أن المبلغ المتبقي حق له ولا ينبغي أن يتحمل مسؤولية عدم توافره.
ومن النماذج المتكررة التي رصدها موقع تلفزيون سوريا أن يطلب البائع من الزبون إضافة سلعة بقيمة 5 أو 10 ليرات، في حين يرفض الزبون لأنه لا يحتاج إليها.
وقد يقول الزبون: “ال10 ليرات حق ربطة خبز، لماذا أشتري شيئاً لا أحتاجه؟”.
في المقابل، يرد صاحب المحل بأنه لا يستطيع إعادة مبلغ غير متوافر لديه، وأنه لا يستطيع تحمل الفروقات من ماله الخاص.
وفي حالات أخرى، قد يقرر الزبون ترك المشتريات والمغادرة، بينما يفضل صاحب المحل إلغاء عملية البيع على أن يتحمل الفرق.
“اختفاء وحدة القياس الدقيقة“
ويرى الخبير الاقتصادي إبراهيم نافع قوشجي أن المشكلة تتجاوز مسألة نقص الفئات النقدية، لتصل إلى وظيفة النقود نفسها.
ويقول قوشجي، في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، إن تبديل العملة السورية من دون إصدار فئات نقدية صغيرة أدى إلى مشكلة نقدية تتمثل في اختفاء وحدة القياس الدقيقة، موضحاً أن النقود ليست مجرد أوراق للتداول، وإنما أداة لقياس الأسعار وضبط حركة السوق وحماية القدرة الشرائية.
وبحسب قوشجي، فإن غياب فئة الـ5 ليرات وغيرها من الفئات الصغيرة يؤدي إلى فقدان الدقة في التسعير، لأن جزءاً من الأسعار في السوق يحتاج إلى فئات صغيرة لا تتوافر في التداول.
وتظهر المشكلة، وفق هذا التصور، عندما يصبح السعر الفعلي لسلعة أو خدمة غير قابل للتطبيق نقدياً، فإذا كان السعر 21 ليرة مثلاً، في حين لا يستطيع البائع والزبون تبادل المبلغ بدقة، فقد ينتهي الأمر بالدفع إلى أقرب فئة متاحة، الأمر الذي يجعل التقريب جزءاً من عملية التسعير اليومية.
ويحذر قوشجي من أن تكرار هذه الفروقات الصغيرة يمكن أن يتحول إلى عبء على المواطن، خصوصاً عندما تتكرر المعاملة مرات عديدة خلال اليوم.
هل يمكن أن تتحول “الفراطة” إلى تضخم؟
المشكلة هنا ليست في قيمة الـ5 ليرات بحد ذاتها، وإنما في تكرارها، فالمواطن الذي يخسر 5 ليرات في وسيلة النقل، ثم 5 أخرى في متجر، ثم مبلغاً مشابهاً في معاملة أخرى، يجد نفسه أمام خسارة يومية قد تبدو صغيرة في كل مرة، لكنها تصبح أكثر وضوحاً عند جمعها.
ويرى قوشجي أن غياب الفئات الصغيرة يمكن أن يسهم في دفع الأسعار نحو الفئات المتاحة، موضحاً أن التقريب الإجباري للأسعار يمثل نوعاً من التضخم الناتج عن آلية التعامل النقدي، وليس بالضرورة عن ارتفاع كلفة السلعة أو الخدمة.
وبذلك تصبح أزمة “الفراطة” جزءاً من مشكلة أوسع، عندما لا تكون هناك فئات نقدية كافية لتنفيذ الأسعار بدقة، فإن السوق يبدأ عملياً بتكييف أسعاره مع الفئات الموجودة.
حلول تبدأ من الفئات الصغيرة
يقترح قوشجي مجموعة من الإجراءات لمعالجة المشكلة، تبدأ بتحديد أسعار للخدمات والسلع تكون قابلة للتطبيق نقدياً، مثل 25 و50 و75 و100 ليرة، بدلاً من اعتماد أسعار لا يمكن تحصيلها أو إعادتها بسهولة.
كما يرى أن إصدار فئات معدنية صغيرة، مثل فئة الـ5 أو الـ10 ليرات، يمكن أن يكون حلاً عملياً لسد الفجوة، خصوصاً أن العملات المعدنية مصممة أصلاً للتعامل مع القيم الصغيرة والمتكررة.
ويشدد كذلك على ضرورة وجود تعليمات واضحة تمنع رفع الأسعار أو فرض مبالغ إضافية على المواطن تحت ذريعة عدم وجود الفراطة.
لكن الحل، في نهاية المطاف، لا يتعلق بالسائق أو البائع وحدهما. فهؤلاء أنفسهم يحتاجون إلى الفئات الصغيرة كي يتمكنوا من إعادة الباقي للزبائن. لذلك فإن تحميل طرف واحد مسؤولية المشكلة لا يعالج أصلها.
المصدر: تلفزيون سوريا






