
استُقبل تعيين امرأة، أول مرّة في المغرب، رئيسة للحكومة بقدر كبير من الترحيب داخل البلاد وخارجها، وسارع كثيرون إلى وصف الحدث بـ”التاريخي”، وهي صفة لها ما يبرّرها من الناحية الرمزية، فوصول امرأة إلى رئاسة الحكومة في بلد عربي يظل حدثاً لافتاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصية تتصدّر الحزب الفائز في الانتخابات. لكن أهمية الرمز لا ينبغي أن تحجب عنا الوقائع، لأن الأحداث السياسية الكبرى لا تُقرأ فقط من خلال الصورة التي تنتجها، وإنما أيضاً من خلال السياق الذي جاءت فيه والمسار الذي قاد إليها، وما إذا كانت تعكس تحوّلاً حقيقياً في المجتمع أم مجرّد تغيير في واجهة السلطة. ومن هذه الزاوية، يستحقّ تعيين فاطمة الزهراء المنصوري قراءة أكثر هدوءاً وأقلّ احتفالية، بعيداً عن الشوفينية الوطنية وخطابات التنويه التي قد تحوّل حدثاً سياسياً مهماً إلى احتفال بإنجاز مجتمعي لم يتحقق بعد.
لم يكن تعيين المنصوري مفاجئا؛ فالدستور المغربي ينص على تعيين الملك رئيس الحكومة من الحزب المتصدّر انتخابات مجلس النواب، والمنصوري منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة الذي تصدّر الانتخابات، ولذلك كان تجاوزها لاختيار شخصية أخرى من الحزب سيطرح سؤالاً محرجاً عن سبب استبعاد المرأة التي تقود الحزب الفائز. ويزداد هذا السؤال أهمية بالنظر إلى الصورة التي حرص المغرب على تقديمها منذ إصلاح مدوّنة الأسرة سنة 2004 باعتباره بلداً يسير تدريجيّاً نحو توسيع حقوق النساء، فضلا عن اعتماد آليات للتمييز الإيجابي رفعت حضورهن داخل المؤسسات المنتخبة، وهو ما جعل قضية المرأة واحداً من أبرز العناوين التي استند إليها الخطاب الرسمي في تقديم صورة المغرب في الخارج، وبالتالي كان تجاوز المنصوري سيبدو تراجعاً رمزياً عن أحد أهم الإنجازات التي تُحسب إيجابا لعهد الملك محمد السادس.
ولكن قوة الرمز تنتهي عندما تبدأ أسئلة الواقع، فالمنصوري لم تأت من خارج تجربة السلطة التي يفترض أن تقود اليوم مرحلة جديدة بعدها، وإنما كانت وزيرة في الحكومة المنتهية ولايتها، وتشغل عمودية مدينة مراكش، وسبق أن تولت مسؤوليات قيادية داخل حزبها، ما يجعلها جزءاً من حصيلة سياسية وحكومية تعرّضت لانتقادات واسعة بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتصاعد الجدل حول الفساد وتضارب المصالح. كما أن تسييرها شؤون مراكش لم يخل من انتقادات، وظل اسمها حاضراً في جدل سياسي وإعلامي بشأن ملفات عقارية وتضارب محتمل للمصالح، ولذلك يصعب تقديم تعيينها باعتباره قطيعة مع المرحلة السابقة، أو عنواناً لتحول سياسي جديد لمجرّد أن الشخص الذي أصبح على رأس الحكومة امرأة.
يوفر تعيين امرأة على رأس الحكومة صورة قوية وسهلة التسويق دوليا
كان لتعيين امرأة على رأس الحكومة أن يحمل معنى مختلفاً لو جاء تتويجاً لمسار مجتمعي واضح، ولتراكم نضالات النساء المغربيات من أجل المساواة والحقوق والمشاركة السياسية، وهي نضالاتٌ موجودة فعلاً وتقودها منذ عقود نساء وجمعيات وناشطات دفعت بعضهن ثمناً باهظاً من التضييق والمنع والمتابعات والمحاكمات وسنوات طويلة وراء القضبان. لكن من الصعب اعتبار وصول المنصوري تتويجاً مباشراً لهذه السيرورة، فهي تنحدر من أسرة ميسورة وذات امتداداتٍ داخل دوائر الأعيان والسلطة، ولم تُعرف مسيرتها السياسية بتاريخ بارز في الحركة النسائية أو النقابية أو الطلابية أو في النضال من أجل حقوق النساء قبل التحاقها بحزب الأصالة والمعاصرة، الذي أسّسه فؤاد عالي الهمة، صديق الملك ومستشاره الحالي، وهو ما يجعل تعيينها أقرب إلى ترقية سياسية لشخصيةٍ تنتمي أصلاً إلى النخبة القريبة من دوائر القرار منه إلى تتويج لمسار نضالي نسائي طويل.
وتزداد هذه المفارقة وضوحاً عندما توضع صورة امرأة تصل إلى أعلى منصب حكومي في مواجهة واقع ملايين المغربيات اللواتي ما زلن بعيدات عن أبسط شروط الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، فنسبة مشاركة النساء في سوق العمل لا تزال شديدة الانخفاض، والبطالة في صفوفهن مرتفعة، والفوارق في الأجور والفرص مستمرّة، فيما الأمية أكثر انتشارا بين النساء في القرى والمدن على حد سواء. وداخل المجتمع فإن النساء ما زلن يتعرضن لكل أشكال العنف المادي والمعنوي واللفظي والرمزي. وداخل المؤسسات المنتخبة لا يتجاوز تمثيل النساء في البرلمان الجديد نحو 27%، رغم آليات التمييز الإيجابي عبر تخصيص لوائح خاصة بالنساء ظلت موضع انتقادات بسبب ما يثار حول تدخل القرابة والزبونية والولاءات الحزبية في اختيار مرشّحاتها. لذلك، لا يعني وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة في حد ذاته أن المجتمع أصبح أكثر مساواة، أو أن العقليات تغيرت، أو أن البنيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تنتج التفاوت بين الرجال والنساء قد تبدلت.
المقياس الحقيقي لتقدّم المرأة ليس صورة امرأة في أعلى هرم الحكومة، وإنما واقع ملايين النساء في أسفل السلم الاجتماعي
من هنا يصبح البعد الاتصالي للقرار واحداً من مفاتيح فهم توقيته، خصوصا أن صورة المغرب في الخارج تعرضت خلال الفترة الأخيرة لاختبار قاس مع مشاهد الهروب الجماعي لآلاف المغاربة في اتجاه سبتة المحتلة، وهي صور حملت دلالات اجتماعية وسياسية بدت مناقضة للصورة التي يسعى الخطاب الرسمي إلى تسويقها عن الاستقرار والتنمية والنجاح. وفي مثل هذا السياق، يوفر تعيين امرأة على رأس الحكومة صورة قوية وسهلة التسويق دولياً، فالمغرب الذي شاهد العالم شبابه، وهم يحاولون الهروب منه جماعيا بسبب قساوة ظروفهم المعيشية، هو نفسه الذي يقدم اليوم أول امرأة تتولى رئاسة حكومته. وبين الصورتين مسافة واسعة تسمح بإعادة إنتاج السردية وتلميع الصورة، واللتين يُراد تقديمهما إلى الخارج.
ولا يعني هذا التقليل من قيمة الرمز، فرؤية امرأة رئيسة الحكومة قد توسّع أفق الممكن لدى فتيات كثيرات، وهذه قيمة لا ينبغي إنكارها، لكن الرمز يصبح مضللاً عندما يقدّم دليلاً على تحوّل لم يقع بعد، لأن ما رجّح كفة المنصوري لا يمكن اختزاله في أنها امرأة أو في نتائج الانتخابات وحدها، وإنما يرتبط أيضا بموقعها الاجتماعي والسياسي وانتمائها إلى حزب قريب من دوائر السلطة وشبكة العلاقات التي أحاطت بمسارها. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تعيينها، إلى جانب مقتضيات الدستور ونتائج الانتخابات، باعتباره خياراً ملائماً للسلطة في لحظة تحتاج فيها إلى تلميع صورتها في الخارج وامتصاص جزء من الاحتقان الاجتماعي في الداخل، ولو إلى حين.
تعيين امرأة على رأس حكومة في مملكة يترأسها ملك يحمل صفة “أمير المؤمنين” حدث رمزي، لكنه لا يصبح لمجرّد رمزيته انتصارا للمرأة المغربية، لأن التحولات الاجتماعية الحقيقية لا تنزل بقرارات فوقية، وإنما تصعد من المجتمع عندما تتغير شروط التعليم والعمل وتوزيع الثروة والوصول إلى السلطة، وعندما يصبح حضور النساء في مواقع القرار نتيجة طبيعية لتكافؤ الفرص لا حدثا استثنائيا يحتفى به. أما مظاهر الحداثة، مهما كانت برّاقة، فقد تصلح لصناعة عناوين جذّابة في الصحافة الدولية، لكنها لا تصنع بالضرورة مجتمعاً حداثياً أو حديثاً، لأن المقياس الحقيقي لتقدّم المرأة ليس صورة امرأة في أعلى هرم الحكومة، وإنما واقع ملايين النساء في أسفل السلم الاجتماعي، ومن هناك تحديداً ينبغي قياس حجم التحول الحقيقي داخل المجتمع وانعكاسه على وضع المرأة المغربية.
المصدر: العربي الجديد






