حرب اليمن غير البعيدة عن تركيا

نبيل البكيري

                                                                          

منذ اندلاع الحرب اليمنية الأهلية قبل أكثر من عقد، تعاملت تركيا معها إلى حد كبير باعتبارها أزمة عربية معقدة ينبغي البقاء على مسافة منها، والاكتفاء بالدعوة إلى حل سياسي والحفاظ على العلاقات مع الأطراف الإقليمية الرئيسية. لكن التطورات أخيراً، سيما سقوط المخا وتقدّم الحوثيين باتجاه باب المندب، وتصاعد الهجمات على السعودية، ثم التهديدات التي وجهها الحوثيون إلى تركيا وباكستان بعد توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك، تجعل هذا الافتراض أقلّ صلاحية من أي وقت مضى.

فالحرب التي بدت لأنقرة لسنوات بعيدة جغرافياً عن مجاليها، الحيوي والأمني المباشرين، باتت اليوم تمس ثلاثة مستويات من مصالحها في وقت واحد: علاقتها الاستراتيجية الجديدة مع السعودية وباكستان، أمن طرقها البحرية المؤدّية إلى القرن الأفريقي، ومستقبل حضورها العسكري والاقتصادي المتنامي في الصومال وشرق أفريقيا. ولهذا، لم يعد السؤال ما إذا كانت تركيا تريد الدخول في حرب اليمن، وإنما ما إذا كانت تستطيع بالفعل الاستمرار في التعامل معها حرباً لا تعنيها مباشرة.

أولى الإشارات التي ينبغي التوقف عندها هي ما حدث في الساحل الغربي لليمن، فالتقدّم الحوثي السريع وسقوط المخا ومواقع أخرى كانت تسيطر عليها قوات المقاومة الوطنية المرتبطة بطارق صالح لم يكن تحوّلاً ميدانياً عادياً، فالمعلومات تحدثت عن انسحاب عشرات الآلاف من المقاتلين من القوات المناهضة للحوثيين، وعن فتح تحقيقاتٍ في أسباب الانهيار المفاجئ، وسط اتهامات بالخيانة وسوء التنسيق، بينما برّرت قوات المقاومة الوطنية انسحابها بأنه كان تكتيكياً لتجنّب الحصار بعد تكبّد خسائر كبيرة.

وفي المقابل، اتجه محللون إلى تفسير ما حدث بضعف القيادة المشتركة والانقسامات الداخلية وتضارب الولاءات أكثر من كونه نتيجة تفوّق حوثي مطلق، لكن هذا التطوّر لا يمكن عزله عن التحوّلات التي طرأت خلال العام الأخير على شبكة التحالفات الإقليمية في اليمن. ففي أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2025 وصلت الخلافات السعودية الإماراتية إلى مستوى غير مسبوق، عندما شن التحالف الذي تقوده الرياض ضربة على شحنة في ميناء المكلا، قال إنها مرتبطة بقوى انفصالية مدعومة من أبوظبي، وهو المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أنشأته أبو ظبي ، قبل أن تنسحب القوات والأفراد الإماراتيون لاحقاً من اليمن وتصبح المملكة العربية السعودية اللاعب والحليف الخارجي الرئيسي للحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً.

ومن هنا يمكن قراءة ذلك الانهيار المفاجئ في مواقع قوات طارق صالح، التي ارتبطت سنواتٍ بدعم إماراتي مباشر، أنه على الأقل مؤشّرٌ إلى أن الصراع اليمني لم يعد محكوماً بخط مواجهة بسيط بين الحوثيين والحكومة الشرعية، بل ثمّة أجندات إقليمية متقاطعة، وحسابات قديمة وجديدة، وخلاف سعودي إماراتي أصبح معلناً بعد سنوات من التنافس المكتوم.

لم يعد السؤال ما إذا كانت تركيا تريد الدخول في حرب اليمن، وإنما ما إذا كانت تستطيع بالفعل الاستمرار في التعامل معها حرباً لا تعنيها مباشرة

ومن المشروع سياسياً التساؤل عما إذا كانت أبوظبي، بعد خسارتها جزءاً مهماً من نفوذها المباشر في جنوب اليمن أواخر 2025، قد أصبحت أقلّ التزاماً بالمحافظة على الترتيبات العسكرية التي كانت تخدم المعسكر المناهض للحوثيين، أو أكثر استعداداً لاستخدام نفوذها المحلي بما يضغط على الرياض. لكن هذه تبقى فرضية تحليلية تحتاج إلى أدلة إضافية قبل التعامل معها باعتبارها تنسيقاً مباشراً مع الحوثيين أو إيران، وإن بدا لقاء ولي عهد أبو ظبي والرئيس الإيراني بزشكيان على هامش قمة البريكس بالهند مهماً في هذا السياق.

ينطبق الأمر نفسه على الحديث عن تقاطع إماراتي إسرائيلي إيراني. توجد وقائع يمكن البناء عليها، لكن ينبغي التمييز بين الوقائع والاستنتاج، فمن جهة، العلاقة الإماراتية الإسرائيلية ما تزال جزءاً أساسياً من منظومة اتفاقات أبراهام، في الوقت الذي تستمر فيه واشنطن في محاولة دفع السعودية إلى التطبيع مع إسرائيل؛ وقد بقي هذا الملف محوراً رئيسياً في حسابات الإدارة الأميركية والإقليمية خلال 2026.

ومن جهة ثانية، شهدت العلاقة بين الإمارات وإيران تحولاً لافتاً في الأسابيع الأخيرة، فبعد أشهر من المواجهة والهجمات الإيرانية التي قالت أبوظبي إنها استهدفت أراضيها ومنشآتها، التقى ولي عهد أبوظبي خالد بن محمد بن زايد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة بريكس في نيودلهي في 12 الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، وأكد الطرفان أهمية خفض التصعيد والاستقرار الإقليمي، كما شاركت الإمارات وإيران في تبني إعلان بريكس الداعي إلى ضبط النفس وحماية التجارة والملاحة.

لا يُثبت هذا التحوّل وجود صفقة إماراتية إيرانية بشأن اليمن، لكنه يفتح الباب أمام قراءة أوسع لتقاطع المصالح، فأبوظبي تريد حماية أمنها ومكاسبها الإقليمية، وإيران تريد تخفيف الضغوط عنها وتوسيع نفوذ حلفائها، وإسرائيل والولايات المتحدة تريدان إعادة صياغة البيئة الأمنية الإقليمية ودفع السعودية إلى ترتيبات أوسع معها. وفي مثل هذه البيئة، يصبح اليمن، للأسف، من أكثر ساحات الضغط قابلية للاستخدام.

لم يعد في وسع تركيا النظر إلى القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الحوثية وكأنها مسألة محصورة بجنوب الجزيرة العربية والمملكة فحسب

تتعلق القضية الثانية باتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس/ آب الماضي، وينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الدول جميعاً، ويستدعي رداً مشتركاً من الجميع. ولهذا عقدت اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية للاتفاق اجتماعها الأول في إسطنبول في 31 أغسطس، مؤكدة التزام الدول الثلاث بالتنسيق والدفاع المشترك وخفض التصعيد.

لم يمض وقت طويل حتى أصبح الاتفاق أمام اختباره الأول، فالهجمات الحوثية على السعودية دفعت وزير الدفاع الباكستاني، خواجة محمد آصف، إلى القول إن استمرارها قد يؤدّي إلى تفعيل الاتفاق، ثم أعلن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أن أنقرة ترى اعتداءات خطيرة على سيادة المملكة وسلامة أراضيها، وأنها مستعدّة لتلبية احتياجات عسكرية وتقنية سعودية بموجب الاتفاق. وفي 22 سبتمبر، أكدت تركيا والسعودية وباكستان، إلى جانب مصر، حق الرياض في الدفاع عن نفسها وشدّدت على أهمية أمن الملاحة. وفي المقابل، حذّر الحوثيون تركيا وباكستان من تقديم دعم عسكري للسعودية، في إشارة واضحة إلى أن الجماعة نفسها باتت تنظر إلى الاتفاق الثلاثي عاملاً يمكن أن يغير ميزان القوة في حرب اليمن.

وهنا تصبح تركيا طرفاً معنيا باليمن، حتى لو قرّرت عدم إرسال جندي واحد إلى ساحات القتال، فأنقرة أوضحت أن دعمها قد يتركز على التخطيط والتدريب والاستخبارات والاحتياجات التقنية، وأنها لا تتجه إلى تدخل عسكري مباشر داخل اليمن، لكن مجرّد إدراج السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي واحد يعني أن الحوثيين لم يعودوا يستطيعون استهداف المملكة من دون أن يأخذوا في حساباتهم موقفي أنقرة وإسلام أباد. وفي المقابل، لم يعد في وسع تركيا النظر إلى القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الحوثية وكأنها مسألة محصورة بجنوب الجزيرة العربية والمملكة فحسب.

القضية الثالثة، وربما الأهم بالنسبة إلى تركيا على المدى الطويل، باب المندب، ووصول الحوثيين إلى المخا ومواقع حاكمة على المضيق يمنح الجماعة قدرة أكبر على التأثير في واحد من أهم شرايين التجارة العالمية، حيث تفيد تقديرات حديثة بأن نحو 12% من التجارة العالمية تعبر هذا الممر، بما في ذلك نسب مهمّة من تجارة النفط والغاز وسلاسل الإمداد.

تحتاج أنقرة إعادة قراءة حرب اليمن من منظور مصالحها المباشرة، لا من منظور التضامن السياسي مع السعودية وحده

بالنسبة إلى تركيا، لا يتعلق الأمر بالتجارة الدولية فقط، فخلال السنوات الماضية بنت أنقرة واحداً من أهم مشاريع حضورها الخارجي في الصومال، حيث تمتلك علاقات عسكرية وأمنية واقتصادية عميقة، وتدرّب القوات الصومالية، وتشارك في ملفات الطاقة والموانئ والتنمية، كما توسع نشاطها نحو بقية القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، والمسار البحري الطبيعي والأقصر الذي يصل الموانئ التركية بالصومال وجيبوتي وكينيا يمرّ عبر المتوسط ثم قناة السويس والبحر الأحمر وباب المندب. وبالتالي، بالنسبة لتركيا أي اضطراب دائم في مضيق باب المندب يعني ارتفاع كلفة التجارة والنقل والتأمين، وإضعاف التواصل البحري بين تركيا ومجالها الحيوي الذي تعتبره أنقرة من أكثر مناطق نفوذها الخارجي أهمية، كالصومال الذي يعتبر قاعة ارتكاز للنفوذ التركي في شرق ووسط أفريقيا والمحيط الهندي.

ولهذا، ليست السيطرة الحوثية المتزايدة على الساحل الغربي حدثاً يمنياً بعيداً عن الأمن القومي التركي، فإذا أصبحت جماعة مسلحة مرتبطة بإيران قادرة على التحكم بدرجة واسعة في حركة الملاحة عند باب المندب، فإنها تكتسب قدرة غير مباشرة على التأثير في المصالح التركية في الصومال والقرن الأفريقي وشرق أفريقيا. وتزداد خطورة المسألة لأن إيران نفسها باتت تستخدم شبكة من الحلفاء والأذرع الإقليمية باعتبارها امتداداً لاستراتيجيتها التفاوضية والأمنية، فيما دعا وزراء خارجية مجموعة السبع في 21 سبتمبر طهران إلى وقف تسليح الحوثيين ودعمهم، معتبرين هذا يسهم في التصعيد ويهدّد التجارة والاستقرار الدوليين.

أحد الخيارات الاستراتيجية أمام تركيا توسيع التنسيق مع السعودية في دعم بناء مؤسّسات الدولة اليمنية وتوحيد القوى العسكرية التابعة للحكومة

من هنا، تحتاج أنقرة إعادة قراءة حرب اليمن من منظور مصالحها المباشرة، لا من منظور التضامن السياسي مع السعودية وحده، فالمطلوب ليس بالضرورة تدخلاً عسكرياً تركياً، بل إدراك أن بقاء الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ضعيفة ومجزأة، واستمرار تعدد الجيوش والولاءات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، يسمحان لإيران وحلفائها بتحويل الجغرافيا اليمنية إلى أداة ضغط على المنطقة والعالم. وبالتالي، أحد الخيارات الاستراتيجية أمام تركيا توسيع التنسيق مع السعودية في دعم بناء مؤسّسات الدولة اليمنية وتوحيد القوى العسكرية التابعة للحكومة، وربط أمن باب المندب بأمن القرن الأفريقي ضمن رؤية واحدة، فتركيا التي استثمرت لسنوات في الصومال وشرق أفريقيا لا يمكنها أن تحمي تلك الاستثمارات من الضفة الأفريقية وحدها بينما تترك الضفة اليمنية من باب المندب تتحول إلى مجال نفوذ لقوة مسلحة خارج الدولة كجماعة الحوثي.

إذاً، لم تعد الحرب اليمنية بعيدة عن تركيا، واتفاق مكة جعل أمن السعودية مرتبطاً رسمياً بحسابات أنقرة، والحوثيون أنفسهم نقلوا التهديد إلى تركيا وباكستان. أما وقد أصبحوا تهديداً مباشراً للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب فقد نقل المسألة إلى قلب المصالح التركية في القرن الأفريقي، والسؤال الذي ستواجهه السياسة التركية في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت تريد الانخراط في اليمن، بل كيف تحمي مصالحها من نتائج حربٍ أصبحت، بحكم الجغرافيا والتحالفات الجديدة، أقرب إليها مما كانت تتصور.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى