جريمة إعلامية

فاطمة العيساوي

قتلت حملة تشهير إعلامية عاتية الأستاذ الجامعي الأسود جيسون أردي، بعد أن دفعته إلى الاستقالة من جامعة كامبريدج على خلفية اتهامات بتزوير شهاداته وإنتاجه العلمي. هل اختار الموت بعدما نزعت عنه الحملة الإعلامية التي قادتها صحافة اليمين إنسانيته، فلم يبقَ أمامه سوى الانتحار للنجاة من دوامة التشهير اليومي؟

لم تكن المحاكمة الإعلامية موجّهةً فقط إلى شخص الأستاذ الجامعي الأسود الذي عُيّن في منصب مرموق من دون إنجازات علمية تؤهّله له، بل إلى التنوّع الجامعي الذي أتاح وصوله إلى منصبٍ بهذه الأهمية، وهو النظام نفسه الذي فتح أبواب جامعات النُّخبة أمام الطلّاب من أوساط اجتماعية لم يكن متاحاً لها الوصول إليه، بما في ذلك السود وأبناء الاغتراب والإثنيات على تنوّعها.

اتُّهم جيسون أردي بتزوير شهاداته بعدما عيّنته جامعة كامبريدج أستاذاً في كلّية التربية، ليصبح أصغر بروفيسور جامعي أسود في تاريخ الجامعة. لم يكن تعيين أردي في هذا المنصب مفاجئاً فحسب، نظراً إلى صغر سنّه (37 عاماً) وضعف إنجازاته العلمية، لكن تبيّن لاحقاً أنّه بالغ في هذه الإنجازات واختلق بعضها، إضافةً إلى عمليات تزوير في الأوراق العلمية التي أنتجها وفي أطروحة الدكتوراه التي أنجزها.

قُدّمت قضية الأستاذ الأسود فرصةً ذهبيةً لليمين البريطاني للانقضاض على البيئات الجامعية التي تواجه حالياً أزمةً وجوديةً في ظلّ عمليات تحجيم وإغلاق أقسام وطرد آلاف المدرّسين والعاملين

رفض أردي هذه الاتهامات كلّها، قائلاً إنّه تعرّض لحملة تشهير منذ تعيينه قبل ثلاثة أعوام. الفضيحة التي حوّلها الإعلام إلى قضية وطنية دفعت الأستاذ الجامعي إلى الاستقالة، من دون أن توقف الحملة ضدّه بقيادة الإعلام اليميني بصورة خاصّة. في مذكّراته التي تحمل عنوان “أشياء عظيمة ومؤسفة”، التي صدرت أخيراً في الولايات المتحدة، على أن تصدر لاحقاً في هذا الشهر (أغسطس/ آب) في بريطانيا، كتب أردي أنّ تولّيه منصب أستاذ في جامعة كامبريدج كان أمراً “يكاد لا يمكن تصوره”، خصوصاً أنّه كان طفلاً مصاباً بالتوحّد.

تحولت إنجازات الأستاذ الجامعي إلى موضوع تحقيق صحافي على مدار أسابيع، وبعضها يبدو من صنع الخيال، مثل أنّه أكمل 30 سباق ماراثون في 35 يوماً، وركض مسافة 600 ميل في ستّة أيّام، وجمع خمسة ملايين جنيه إسترليني للأعمال الخيرية على مدار سنوات. خلال الأسابيع الماضية، نشرت الصحافة البريطانية أكثر من مئتَي مقال، معظمها تشهيري، عن الأستاذ الجامعي الأسود، في متابعة إعلامية غير مسبوقة لشخص ارتكب خطأً لا يحمل أيّ معنى على مستوى وطني، في وقت لم تبذل الجهد نفسه في التحقيق في قضايا أكثر أهمّيةً مثل الفساد أو العلاقات مع اليمين المتطرّف الأميركي أو نظام الإبادة الإسرائيلي.

بادرت الصحافة اليمينية إلى شيطنة الأستاذ الجامعي المستقيل وتدمير سمعته

تحوّلت قضية الأستاذ الجامعي الأسود إلى حملة ضدّ التنوّع في النظام الجامعي، لتعيد إحياء الأطر المُفبرَكة حول تعيينات جامعية يسيطر عليها تمثيل الأقلّيات، وتقود إلى تراجع المستوى العلمي لهذه الجامعات. السؤال الأوّل الذي يُطرح هنا، وبات موضوع تحقيق مستقلّ بطلب من أكاديميي الجامعة العريقة: هل كانت إدارة الجامعة تجهل ضعف نتاجه العلمي؟ الأرجح أنّ إدارة الجامعة العريقة صنعت من قصّة الأستاذ الجامعي الأسود، الشاب، الذي قال إنّه عانى من مشكلات تعليمية منذ صغره ونشأ في بيئة متواضعة، حلماً للتلاميذ الوافدين من بيئات لا يجدون غالباً منفذاً إلى مقاعدها، أو الطامحين إليها، ومادّة ترويجية لأولئك الذين يريدون الاحتفال بالجامعة بوصفها نموذجاً للانفتاح على المجموعات المهمَّشة. بلغ الجهد الترويجي للجامعة حدّ إنتاج تحقيق إعلامي مع شبكة الإعلام العمومي البريطانية (بي بي سي)، نشاهد فيه المسؤولة في القسم ترحّب بالأستاذ المعيّن حديثاً آنذاك، وتعِدُه بأنّه صار قريباً جدّاً من تحقيق حلمه.

حالما خرجت قضية أردي إلى العلن، بادرت الصحافة اليمينية إلى شيطنة الأستاذ الجامعي المستقيل وتدمير سمعته. لم تترك الصحافة، واليمينية منها خصوصاً، أيّ جانب من القصّة إلّا وأثارته؛ من الحديث إلى تلاميذه السابقين (وبعضهم قال إنّه لم يكتسب أيّ معلومة مفيدة من محاضراته، وتلك ادعاءات نادراً ما تعيرها الصحافة أهمّيةً)، إلى محاورة طبيب نفسي لتحليل شخصيته. ولم تكتفِ الحملة به، بل شملت زملاء له في الطاقم التعليمي، إلى حدّ بثّ الذعر في أوساط الأساتذة من غير “البيض” في الجامعة.

قتلت الصحافة رجلاً أسودَ لمجرّد أنّه كذب، في عالم يحكمه كاذب كبير وكذّابون آخرون لم يحظوا بالقدر نفسه من الاهتمام

قُدّمت قضية الأستاذ الأسود فرصةً ذهبيةً لليمين البريطاني للانقضاض على البيئات الجامعية التي تواجه حالياً أزمةً وجوديةً في ظلّ عمليات تحجيم وإغلاق أقسام وطرد آلاف المدرّسين والعاملين الإداريين، ومع تراجع حجم إقبال التلاميذ، خصوصاً من خارج البلاد. لكنّ هذا الاهتمام الإعلامي لم يشمل المشكلة الأساس في النظام التعليمي النخبوي بامتياز، إذ تتحكّم شبكاتُ العلاقات إلى حدّ كبير بالتعيينات، ومنها تعيين الأقرباء والأصدقاء والأولاد والزوجات، وغيرها من أشكال التنفيعات التي جعلت الصرح الجامعي حصناً منيعاً على أيّ “دخيل” من خارج حلقات المعارف وأشكال الولاء على اختلافها. هل كانت تهمة تزوير شهادة ستنال هذا الحجم كلّه من الاهتمام الإعلامي السلبي لو كان المتّهم أستاذاً جامعياً أبيض من الطبقة الوسطى، كما هي حال الغالبية العظمى من الأساتذة الجامعيين؟ هل ستحقّق الصحافة في الامتيازات والمهارات التي يملكها هؤلاء الذين حصلوا على مناصبهم بالعلاقات العامّة أو الخاصّة، بما في ذلك من أبناء البلاد “الأصليين”؟ هل ستشكّل قضية الأستاذ الأسود مدخلاً لحملة شيطنة للأساتذة الجامعيين من غير البيض “الأصليين”، ممَّن قد يُتّهَمون، ضمناً أو علناً، بأنّهم مخادعون سرقوا المناصب التي لا يستحقّونها بالحيلة؟ هل كان أردي المخادع الوحيد في هذا النظام الجامعي المتهاوي تحت وطأة مختلف أنواع المشكلات؟

فتح نظام الإدماج باب التحصيل الجامعي لا أمام الطلّاب من السود فحسب، بل أيضاً أمام الطلّاب من ذوي الاحتياجات الخاصّة، والتنوّع الجندري، وأبناء الأوساط الاجتماعية المتواضعة والفقيرة من السود والبيض على حدّ سواء، والطلّاب المتحدّرين من بيئات الاغتراب. خلافاً للمفهوم النُّخبوي للجامعات التي كانت حكراً على أبناء الطبقات الميسورة، ولا تضمّ حالياً، على سبيل المثال، أكثر من 1% من الأساتذة من السود، يفتح نظام الإدماج الباب واسعاً أمام من يحمل “إمكانية” النجاح رغم ظروفه.

قتلت الصحافة رجلاً أسودَ لمجرّد أنّه كذب، في عالم يحكمه كاذب كبير وكذّابون آخرون لم يحظوا بالقدر نفسه من الاهتمام.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى