
من الضغط والعقوبات والقطيعة إلى حوار وانفتاح سياسي لافت، تحول مسار العلاقات السورية-الأميركية بشكل سريع ضمن خط بياني تصاعدي، عقب التحول السياسي الكبير الذي أحدثه انتصار الثورة السورية وانهيار نظام الأسد المجرم أواخر عام 2024، وما تلا ذلك من رسائل متبادلة ولقاءات رفيعة المستوى جمعت بين قيادتي البلدين، وعلى رأسهما السيد الرئيس أحمد الشرع ونظيره الأميركي دونالد ترامب، ما مهد الطريق لإنهاء حقبة العقوبات والعبور بالعلاقات بين سوريا والولايات المتحدة نحو مرحلة جديدة قوامها الحوار، ودعم الاستقرار المحلي والإقليمي، والشراكة من أجل إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
وجاء لقاء وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، الإثنين الماضي 17 آب الحالي، مع المبعوث الرئاسي الخاص للولايات المتحدة الأميركية إلى سوريا والعراق توماس باراك، في مدينة إسطنبول التركية، في سياق اللقاءات الدورية التي يقوم بها باراك ضمن مهمته الدبلوماسية واسعة الطيف، والتي تمتد من واشنطن إلى دمشق، مروراً بأنقرة، وصولاً إلى بغداد، بحسب المراقبين.
وذكرت وكالة “سانا” أنه جرى خلال اللقاء بحث آخر المستجدات والتطورات الإقليمية في المنطقة، وسبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، إلى جانب بحث أولويات التعافي الاقتصادي في سوريا، بما في ذلك استكمال رفع العقوبات المفروضة عليها ودفع عجلة إعادة الإعمار.
وكان الشيباني قد التقى باراك منتصف حزيران الماضي في مدينة إسطنبول التركية، وبحث معه العلاقات الثنائية بين البلدين وآخر التطورات الإقليمية والدولية.
“فرصة يجب اغتنامها”
وبحسب بيان لوزارة الخارجية والمغتربين، فإن الجانبين ناقشا سبل تعزيز العلاقات السورية-الأميركية، إلى جانب الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة والتطورات الجارية على الساحتين الإقليمية والدولية.
في هذا الإطار، أكدت مصادر مطلعة في وزارة الخارجية لصحيفة “الثورة السورية”، عن قرب افتتاح السفارة الأميركية في سوريا وفتح الأقسام القنصلية وقسم التأشيرات في السفارة، والتي تمثل منصة لتوسيع المصالح الأميركية، ودعم الاستثمار لتعزيز الاقتصاد والتكنولوجيا.
وكان الشيباني قد التقى باراك في العاصمة التركية أنقرة خلال نيسان 2026، حيث بحثا آنذاك التطورات الإقليمية وسبل دعم الاستقرار في سوريا.
وعقب اللقاء، قال باراك: إن سوريا تمثل “فرصة يجب اغتنامها”، معتبراً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظر إلى سوريا باعتبارها “فرصة وليست مشكلة ينبغي إدارتها”، في إشارة إلى دعم واشنطن مسار الاستقرار والانفتاح في البلاد.
ويأتي لقاء إسطنبول بعد أسابيع من قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعيين توماس باراك مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سوريا والعراق، مع احتفاظه بمنصبه سفيراً للولايات المتحدة لدى تركيا، في خطوة عكست توسيع نطاق مسؤولياته الإقليمية.
وجاء التعيين عقب إعلان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو انتهاء مهمة باراك كمبعوث أميركي خاص إلى سوريا، قبل أن يقرر ترامب تكليفه بمهام أوسع تشمل سوريا والعراق.
وينظر إلى باراك على أنه أحد أبرز المسؤولين الأميركيين المنخرطين في ملفات المنطقة، حيث يشارك في متابعة القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية المرتبطة بسوريا والعراق وتركيا، ضمن مساع أميركية لدعم الاستقرار الإقليمي ومكافحة تنظيم “داعش” والحد من النفوذ الإيراني.
وتأتي اللقاءات الدورية للوزير الشيباني مع المبعوث الرئاسي الأميركي إلى سوريا والعراق، بحسب المتابعين، في وقت تشهد فيه العلاقات السورية-الأميركية زخماً متزايداً، بعد سلسلة من اللقاءات والاتصالات الرسمية وغير الرسمية بين المسؤولين السوريين ونظرائهم الأميركيين، والتي تناولت بمجملها ملفات الاستقرار الإقليمي والتعاون الاقتصادي وإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي.
الرئيس الشرع يلتقي باراك في إسطنبول
من جانبه، بحث وزير المالية محمد يسر برنية، في وقت سابق من هذا الشهر، مع مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون تمويل الإرهاب والجرائم المالية جوناثان بورك، عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي، والخطوات اللازمة لتسهيل اندماجها مجدداً في المنظومة المالية الدولية.
وذكرت وزارة المالية، عبر قناتها على “تلغرام” في 9 آب الحالي، أن المباحثات التي جرت عبر تقنية الاتصال المرئي تناولت سبل تعزيز التعاون الفني وبناء القدرات والتدريب بين وزارتي المالية السورية والخزانة الأميركية، ولا سيما في مجالي المالية العامة والقطاع المالي، مؤكدة أن الجانبين تطرقا إلى الإجراءات المزمع اتخاذها عقب رفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا، ولا سيما في ضوء قرار الولايات المتحدة شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ومنها توسيع فرص التعاون مع الهيئات والمؤسسات المالية الأميركية.
وأشارت الوزارة إلى أن الجانب الأميركي رحب بالتقدم المحرز في الإصلاحات المالية في سوريا، مؤكداً دعمه مواصلة هذه الإصلاحات.
وكان الرئيس الشرع قد التقى، خلال زيارته إلى تركيا في 24 أيار 2025، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سوريا في إسطنبول، بحضور وزير الخارجية والمغتربين.
ونقلت وكالة “سانا” حينها عن بيان لرئاسة الجمهورية قوله: إن اللقاء تركز على بحث عدد من الملفات الحيوية، كان أبرزها متابعة تنفيذ رفع العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، حيث أكد الشرع أن العقوبات لا تزال تشكل عبئاً كبيراً على الشعب السوري، وتعوق جهود التعافي الاقتصادي.
وأكد البيان أن المبعوث الأميركي أوضح أن بلاده بدأت بالفعل إجراءات تخفيف العقوبات، تنفيذاً لقرار الرئيس ترامب، وأن العملية مستمرة حتى الوصول إلى الرفع الكامل والشامل لها.
تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا والولايات المتحدة
وكان نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي جاكوب ماكغي قد أكد، خلال انطلاق منتدى الأعمال السوري-الأميركي الأول بدمشق، أن سوريا انتقلت من مرحلة العزلة الاقتصادية إلى مرحلة جديدة من الانفتاح، بما يتيح فرصاً واعدة لتعزيز الاستقرار ودعم النمو الاقتصادي عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مشيراً إلى أن شركات أميركية تستكشف فرص الاستثمار في سوريا، وسط اهتمام متزايد بإبرام اتفاقيات وبناء شراكات في قطاعات مختلفة، بما يعكس تحسناً في بيئة الأعمال وآفاق التعاون الاقتصادي المستقبلي، وفق ما نقلته وكالة “سانا”.
وأوضح ماكغي، في كلمة مسجلة عبر تقنية الفيديو في 13 تموز الماضي، أن إزالة العوائق أمام النمو تتيح للشعب السوري الاستفادة من إمكانياته، وتمكن الشركات ورجال الأعمال من الإسهام بفاعلية في إعادة تنشيط الاقتصاد، مؤكداً أن بلاده تعمل مع الحكومة السورية على تسهيل اندماج سوريا في النظام المالي العالمي، وتوفير حلول مصرفية وبيئة تنظيمية واضحة تدعمان حركة الاستثمار والتبادل التجاري.
ولفت إلى أن مؤشرات التعافي الاقتصادي بدأت بالظهور في سوريا، بالتزامن مع عودة أعداد متزايدة من اللاجئين ونمو النشاط السياحي، مؤكداً استمرار دعم فرص الاستثمار وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا والولايات المتحدة.
ويرى المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو أن اللقاءات والتواصل بين المسؤولين السوريين والأميركيين بمستوياتها المختلفة ضرورية ومهمة في هذه المرحلة، وخاصة فيما يتعلق بمتابعة استكمال إجراءات رفع العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا بشكل نهائي وتام، كي تتمكن البلاد من المضي قدماً في حالة التحرر الكلي من هذه العقوبات، مشيراً إلى أن إغلاق باب العقوبات يفتح الأبواب العالمية أمام سوريا على طريق التعافي الحقيقي وتدفق الاستثمارات العربية والدولية إليها، وذلك ضمن سياسة جادة تريد من خلالها سوريا الجديدة تحقيق الاستقرار والازدهار والارتقاء بمستوى معيشة المواطنين إلى مصاف الدول الطبيعية التي لا تخضع لعقوبات.
الاحتلال الإسرائيلي عقبة أمام تعافي واستقرار سوريا
وأوضح سعدو، في تصريحات لـ”الثورة السورية”، أن استمرار التنسيق بين دمشق وواشنطن سيسهم في توطيد حالة الاستقرار في البلاد، وهو من ضرورات المرحلة لبناء مؤسسات الدولة، وبسط سلطة الدولة السورية على كامل الأراضي السورية، وحصر السلاح بيد الدولة وحدها، وإنهاء جميع الحالات الميليشياوية، مؤكدا أن السوريين ينتظرون بفارغ الصبر الخروج من عنق الزجاجة التي أوصلتهم إليها سياسات النظام المخلوع، والتي نشرت الخراب والدمار في جميع أنحاء سوريا، التي وصلت أواخر سنوات حكم الأسد المجرم إلى نموذج الدولة الفاشلة على مختلف الصعد، حيث باتت نسبة السوريين تحت خط الفقر تتجاوز عتبة 90 بالمئة.
وأضاف سعدو أنه، بعد الانتهاء بشكل نهائي من العقوبات، لا تبقى أمام تعافي سوريا واستقرارها عقبة سوى الاحتلال الإسرائيلي، من خلال سياساته التصعيدية المستمرة في الجنوب السوري واعتداءاته على الأراضي السورية، والتي كان آخرها صباح 18 آب، عبر قصف مطار أبو الظهور في إدلب، مشدداً على أنه أمام هذا المشهد غير المستقر بسبب المواقف الإسرائيلية، يجب أن تعمل واشنطن على لجم “إسرائيل” عن اعتداءاتها المستمرة على الجغرافيا السورية، وأن تمارس ضغطاً جدياً على الاحتلال حتى يتم توقيع التفاهم الأمني مع سوريا وانسحاب قواته من جميع الأراضي التي استولى عليها بعد سقوط نظام الأسد المجرم أواخر عام 2024.
وأدانت سوريا بأشد العبارات الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري، مؤكدة أنها عدوان غير مبرر وانتهاك صارخ لسيادتها ووحدة أراضيها، وتصعيد خطير يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة.
وقالت وزارة الخارجية والمغتربين، في بيان لها الثلاثاء نقلته “سانا”: إن سوريا تؤكد أن استمرار هذه الاعتداءات الإسرائيلية منذ الثامن من كانون الأول 2024 وحتى اليوم، وفي وقت تلتزم فيه الدولة السورية بضبط النفس وتعمل على ترسيخ الاستقرار وتجنب التصعيد، يكشف مجدداً عن محاولات الاحتلال الإسرائيلي تقويض هذه الجهود وجر المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
وأكد البيان أن سوريا تحمّل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية هذا التصعيد، وتدعو المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى إدانة هذا العدوان بشكل واضح، واتخاذ موقف حازم تجاه الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة السورية، مشدداً على أن سوريا ستواصل الدفاع عن حقوقها ومصالحها الوطنية بالوسائل المشروعة التي تكفلها القوانين والأعراف الدولية.
باراك: الغارات الإسرائيلية تصعيد لا يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي
بدوره، أكد المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توماس باراك أن الغارات الجوية الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري في إدلب تشكل تصعيداً غير مبرر لا يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي.
وقال باراك، في تدوينة على منصة “إكس” الثلاثاء: “نشعر بقلق بالغ إزاء الغارات الجوية الإسرائيلية المؤكدة على قاعدة أبو الظهور الجوية، والتي تعد تصعيداً غير مبرر لا يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي”، لافتاً إلى أن الحكومة السورية لم تتبن أي موقف عدائي، بل على العكس، أبدت مراراً وتكراراً رغبتها في خفض التصعيد.
وأوضح باراك أن الولايات المتحدة استضافت في الماضي، وستواصل في المستقبل استضافة النقاشات بغية تشجيع الحوار الدبلوماسي، بدلاً من اللجوء إلى العنف العسكري الذي يسبب إحباطاً لكلا الجانبين، مشدداً على أن اتفاقيات خفض التصعيد الدائمة تبنى دائماً من خلال الحوارات المستمرة مع جميع الدول والأطراف المعنية.
وقال المسؤول الأميركي: “لا تزال الولايات المتحدة تؤمن بأن ضبط النفس والتواصل هما المسار الأكثر بناءً، ونحث جميع الأطراف على إعطاء الأولوية للحوار المنطقي على أي حوادث عسكرية أخرى”.
وشكل انتصار الثورة السورية في 8 كانون الأول 2024 وسقوط النظام المخلوع نقطة تحول تاريخية كبرى، إذ انتقلت واشنطن من سياسة الضغط والعقوبات إلى التعامل مع واقع سياسي جديد، ومنذ ذلك الحين، بدأت سوريا الجديدة مساراً دبلوماسياً مكثفاً لإعادة بناء علاقاتها الخارجية، وكان موضوع رفع العقوبات الأميركية يحتل أولوية قصوى في هذا المسار السياسي الشاق والمعقد، باعتباره شرطاً أساسياً لدعم التعافي الاقتصادي وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وتوج بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منتصف أيار 2025، قراره برفع العقوبات المفروضة على سوريا.
تعزيز التعاون في ملفات الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب
وشكل اللقاء الأول بين الرئيس الشرع والرئيس ترامب في العاصمة السعودية الرياض، بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أولى الخطوات البارزة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، والتي تقوم على دعم سوريا في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، مع التأكيد على أهمية رفع القيود الاقتصادية وتعزيز التعاون في ملفات الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب.
وجاء اللقاء الثاني بين الرئيسين في أيلول 2025، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ليعزز التواصل السياسي.
وفي تشرين الثاني 2025، كان اللقاء الثالث والبارز في البيت الأبيض، خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الشرع إلى العاصمة الأميركية واشنطن، والتي تعد محطة تاريخية غير مسبوقة، لكونها أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ استقلال البلاد عام 1946، وتركزت المباحثات خلالها على تطوير الشراكة السياسية والاقتصادية والأمنية، وصولاً إلى اللقاء الرابع بينهما في العاصمة التركية أنقرة، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي “ناتو”، والذي سلم بعده الرئيس ترامب للرئيس الشرع رسالة رسمية أبلغه فيها بقراره المتعلق بإلغاء تصنيف سوريا على لائحة الدول الراعية للإرهاب، وإحالة القرار إلى الكونغرس وفق الإجراءات المعتمدة.
وارتبطت العقوبات الأميركية على سوريا تاريخياً بسياسات النظام المخلوع ومواقفه الإقليمية، وبدأت أولى مراحلها عام 1979 عندما أدرجت واشنطن سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما أدى إلى فرض قيود مشددة على المساعدات الأميركية، وحظر بيع الأسلحة والمعدات العسكرية، وفرض رقابة صارمة على المعاملات الاقتصادية والمالية.
وخلال ثمانينيات القرن الماضي، استمرت العقوبات، إلا أن تأثيرها بقي محدوداً مقارنة بالمراحل اللاحقة، نظراً إلى طبيعة الاقتصاد السوري آنذاك واعتماده الكبير على المنظومة الاشتراكية والعلاقات مع الاتحاد السوفييتي.
واقع جيوسياسي لا يمكن إلغاؤه
وبعد استيلاء بشار الأسد على السلطة صيف عام 2000 واستمراره ضمن محور إيران و”حزب الله”، أقر الكونغرس الأميركي عام 2003 “قانون محاسبة سوريا”، الذي فرض قيوداً على الصادرات الأميركية إلى سوريا، وحظر بعض التعاملات التجارية، واتخذ إجراءات إضافية ضد المؤسسات المرتبطة بالنظام.
كما شهدت العلاقات مزيداً من التدهور بعد اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وما تبعه من اتهامات دولية للنظام السوري آنذاك بالتورط في الجريمة، ما دفع واشنطن إلى سحب سفيرتها من دمشق وفرض إجراءات عقابية إضافية.
إلى أن جاءت الثورة السورية عام 2011 لتشكل نقطة تحول كبرى في مسار العقوبات، التي انتقلت من استهداف الأفراد والشخصيات إلى استهداف القطاعات الاقتصادية الحيوية والكيانات المرتبطة بالنظام المجرم، وبدأت واشنطن بفرض عقوبات على قطاع النفط السوري، وجمدت الأصول المرتبطة بالنظام، وفرضت قيوداً واسعة على التعاملات المالية والتجارية، وترافق ذلك مع تجميد كامل للعلاقات الدبلوماسية واستدعاء السفير الأميركي من دمشق.
وتوسعت مظلة العقوبات الأميركية خلال السنوات اللاحقة لتشمل حلفاء وداعمي النظام المخلوع، وخصوصاً الجهات والشركات المرتبطة بإيران وروسيا، في محاولة لعزله سياسياً واقتصادياً، حتى بلغت ذروتها مع إقرار “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” في كانون الأول 2019، والذي دخل حيز التنفيذ في حزيران 2020، بالتوازي مع إقرار الكونغرس الأميركي قانونين لمكافحة تجارة الكبتاغون في كانون الأول 2022 ونيسان 2024، مستهدفاً الشبكات المرتبطة بالنظام التي استخدمت المخدرات مصدراً أساسياً للتمويل.
وعليه، يؤكد الخبراء أن الإدارة الأميركية باتت تتعامل مع الدولة السورية باعتبارها واقعاً جيوسياسياً لا يمكن إلغاؤه، وأن هذا الاعتراف العملي يرتبط بهدف استراتيجي رئيسي لواشنطن يتمثل في قطع “الجسر البري” الذي يربط إيران بلبنان عبر الأراضي السورية، وتفكيك البنية اللوجستية التي يستند إليها هذا الممر، بالتوازي مع المضي قدماً في محاربة تنظيم “داعش” الإرهابي في الإطار الدولي.
- المصدر: صحيفة الثورة السورية






