
منذ تحرير جرف الصخر من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في خريف 2014، بات لدى العراقيين، وحتّى لدى الحكومات المتعاقبة، سؤال مُلحّ لم يستطع أحد الإجابة عنه: لماذا لم يعد أهل المنطقة إلى ديارهم؟ نعم، فبعد إعلان الحكومة العراقية انتصارها النهائي على “داعش” في ديسمبر/ كانون الأول 2017، وعودة ملايين النازحين العراقيين إلى مدنهم وقراهم في وسط العراق وشماله، لم يُسمح لأهالي جرف الصخر بالعودة إلى المدينة.
الدولة هي المسؤولة دستورياً وقانونياً عن أراضي العراق ومواطنيه، وهي التي تملك القوات المسلّحة والأجهزة الأمنية والمؤسّسات القضائية والإدارية، وهي التي يفترض أن تحدّد ما إذا كانت منطقة ما آمنةً أو غير آمنة، وأن تزيل الألغام والمتفجّرات، وأن تعيد إعمار البنى التحتية، وأن تحاسب المطلوبين للقضاء بصورة فردية، ثمّ تعيد المدنيين إلى بيوتهم عندما تنتفي أسباب النزوح، فما الذي حدث في جرف الصخر حتّى تستثنى من هذا الواجب الحكومي؟
ليست مشكلة عودة أهالي جرف الصخر مشكلة نازحين فقط، وإنّما هي اختبار لسيادة الدولة، فشلت فيه بتميّز؛ فالسيادة ليست علماً يُرفع فوق المؤسّسات الحكومية، وليست خطاباً سياسياً يقال عند الحديث عن التدخّلات الخارجية؛ السيادة هي قدرة الحكومة العراقية على حماية الدستور وحماية المواطنين ومنع تحكّم قوى غير حكومية بمناطق نفوذ لا تسمح لمؤسّسات الدولة بالقيام بواجبها تجاه جميع مواطنيها من دون تمييز عرقي أو ديني أو مذهبي. وبالنسبة إلى جرف الصخر فإنّ هناك جهات (مليشيات) تعمل لتعطيل قرار الدولة في إعادة أوضاع المناطق التي كانت تحت قبضة تنظيم داعش إلى ما قبل 2014. وهنا تحديداً تبرز المشكلة الخطيرة التي يمكن القول عنها إنّها أكبر بكثير من قضية عودة مهجّرين إلى مدنهم وقراهم.
مشكلة عودة أهالي جرف الصخر ليست مشكلة نازحين فقط، وإنّما هي اختبار لسيادة الدولة
لفتت الأمم المتحدة مبكّراً إلى حساسية ملفّ جرف الصخر. ففي أغسطس/ آب 2017، أعربت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق عن قلقها من قرار صادر عن مجلس محافظة بابل يتعلّق بعدم عودة آلاف النازحين إلى منازلهم في جرف الصخر، وشدّدت على أنّ العودة إلى مناطقهم حقّ أساس ينبغي احترامه. وفي أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023، تحدّثت ممثّلة الأمين العام للأمم المتحدة جينين هينيس ــ بلاسخارت أمام مجلس الأمن عن ضرورة إحراز تقدّم في تمكين العراقيين من العودة إلى مناطقهم الأصلية، وذكرت جرف الصخر بالاسم إلى جانب سنجار. وفي مايو/ أيّار 2024 أصبحت الإشارة أكثر وضوحاً عندما تحدّثت ممثّلة الأمم المتحدة في العراق جينين هينيس-بلاسخارت أمام مجلس الأمن أيضاً عن مناطق بقيت غير متاحة للعودة بسبب النفوذ الذي تمارسه جهات مسلّحة، وذكرت جرف الصخر مرّةً أخرى بالاسم.
على الرغم من معرفة العراقيين بحيثيات قضية جرف الصخر، إلّا أنّ الصمت الحكومي الرسمي طوال عقد بحاجة إلى تفسير؛ فإذا كانت الدولة ترى أنّ استمرار إغلاق المنطقة ضرورة أمنية، فمن واجبها أن تقدّم للرأي العام تفسيراً واضحاً: ما طبيعة التهديد؟ وما حجم المناطق غير الآمنة؟ وما الذي أُنجز طوال هذه السنوات لإزالة المخاطر؟ ومتى تنتهي الحالة الاستثنائية؟ أمّا إذا كانت المشكلة سياسيةً أو مرتبطةً بنفوذ قوى مسلّحة لا تأتمر بإمرة القائد العام للقوات المسلّحة، فإنّ مسؤولية الدولة تصبح أكبر، لأنّ القبول باستمرار هذا الوضع يعني عملياً الاعتراف بوجود مساحة داخل الأراضي العراقية لا تستطيع المؤسّسات الدستورية أن تفرض فيها قرارها بصورة كاملة.
المنطق السياسي والإعلامي للفصائل المسلّحة، التي تقدّم نفسها في أكثر من مناسبة على أنّها ترتبط بدولة جارة للعراق (إيران)، يقول إنّ “أهالي جرف الصخر تعاونوا مع (داعش) عند هجومها على المدينة عام 2014″، علماً أنّ القانون لا يعرف شيئاً يسمّى “المسؤولية الجماعية”. فإن كان هناك شخص متّهم بالإرهاب، فمكانه القضاء، وإذا ثبتت إدانته، يُعاقَب وفق القانون. أمّا أن تتحوّل الشبهة من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى العشيرة، ومن العشيرة إلى منطقة كاملة، فذلك يضعف مفهوم المواطنة الذي يفترض أن تقوم عليه الدولة.
في العراق، عندما تغيب الدولة، تظهر الفصائل المتعدّدة الولاءات، وكذلك التحرّك العشائري. وهذا ما حرّك شيخ عشيرة الجنابيين، التي ينتمي إليها أهالي جرف الصخر، الشيخ عدنان عبد المنعم الجنابي، إلى الخروج بقوّة عن حالة التسويف التي اعتمدتها الحكومات العراقية المتعاقبة مطالباً ومهدّداً الجهات “المحتلّة” لمدينة جرف الصخر بإخلاء المدينة، وبالسماح لأهلها بالعودة إليها، وهو أمر أدّى إلى اصطفاف عشائر عراقية من شمال البلاد إلى جنوبها بجانب الشيخ الجنابي، وهو أمر فسّره بعضهم على أنّه لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرّد تضامن عشائري، بل إنّه، في أحد معانيه، نتيجة طبيعية لفراغ تركته السلطة السياسية. فعندما يبقى ملفّ بهذا الحجم من دون حلّ طوال أكثر من عقد، تنتقل المبادرة من المؤسّسات الرسمية إلى المؤسّسات الاجتماعية التقليدية.
تكشف قضية جرف الصخر حدود سلطة الدولة العراقية وحدود نفوذ القوى الموازية لها
إنّ اصطفاف العشائر اليوم حدث يستحقّ الانتباه. فالعشائر لا تطرح على الحكومة سؤالاً عن الجنابيين فقط، وإنّما تضع أمامها سؤال الدولة: إذا كانت جرف الصخر أرضاً عراقية، وأهلها مواطنين عراقيين، فمن صاحب القرار فيها؟ وهنا لا ينبغي أن تكون الإجابة طائفية، ولا عشائرية، ولا فصائلية. فبعد أكثر من عقد من الصمت والتأجيل، ربّما حان الوقت ألّا يكون السؤال: متى يعود أهالي جرف الصخر؟ بل من منع الدولة العراقية طوال هذه السنوات من أن تحسم ملفّاً يقع في قلب أراضيها؟
عدم تحرّك حكومة الزيدي يعني أنّ العراق يسمح بأن تحلّ العشائر محلّ الحكومة في حلّ القضايا المرتبطة بالحقوق، وأن يتحوّل جرف الصخر إلى مواجهة بين مكوّنات المجتمع. مثل هذا الطريق قد يفتح باباً بالغ الخطورة. ويجب على علي الزيدي أن يقول للعراقيين بوضوح ما الذي يمنع عودة أهالي جرف الصخر، لا ببيان سياسي عام، وإنّما بتقرير رسمي يحدّد عدد النازحين، وحالة ممتلكاتهم، والوضع الأمني للمنطقة، ومساحة الأراضي التي تحتاج إلى إزالة المتفجّرات، وحجم الدمار، والجهات التي تمسك الأرض، والخطّة الحكومية لإعادة السكّان، والجدول الزمني لتنفيذها. لأنّ استمرار المنطقة في حالة استثنائية مفتوحة زمنياً، ليس حلّاً أمنياً بقدر ما هو دليل على عجز سياسي.
إنّ جرف الصخر لم تعد منذ زمن قضية قرية أو ناحية أو عشيرة، بل أصبحت مرآةً تكشف حدود سلطة الدولة العراقية، وحدود نفوذ القوى الموازية لها، قوى لا تحترم قرارات الدولة، بل تهدّدها بالمواجهات العسكرية إذا ما قرّرت إعادة أهالي المدينة بقرار حكومي. وإذا ما أرادت الدولة استعادة ثقة مواطنيها فعليها أن تمنحهم حقوقهم، وأن تفرض هيبتها وسلطتها على كامل أراضيها.
المصدر: العربي الجديد






