
يشكّل توقيع السعودية وتركيا وباكستان “اتفاقية مكّة للدفاع المشترك” الحدث الأبرز في منطقة الشرق الأوسط، وأحد تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من تهديدات لأمن دول المنطقة وسيادتها، ونشوب أزمات خطيرة طاولت إمدادات الطاقة العالمية، وانعكست سلباً على اقتصاداتها ونموها.
تكتسي الاتفاقية أهمّيتها من حيث التوقيت والظروف الجيوستراتيجية التي وُلدت فيها، في ظلّ التغوّل الإسرائيلي في المنطقة، وانتقال المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران إلى دول الجوار، وخصوصاً دول الخليج. وبالتالي، لم تعد منطقة الشرق الأوسط تعيش في ظلّ توازنات إقليمية ثابتة، وبات من غير الممكن التعويل على حماية أمن دولها عبر تحالفات ثنائية تقليدية، الأمر الذي دفعها إلى البحث عن منظومة أمنية وردعية جديدة. لذلك سارع الموقّعون عليها إلى الإعلان أنّ هدفها يتمحور حول تأسيس إطار أمني، أو بالأحرى تحالف دفاعي بين دولها الثلاث وفق مبدأ الدفاع المشترك، بحيث يُعدّ أيّ اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على المنظومة بأكملها، على غرار المادّة الخامسة في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، التي تترك لكلّ دولة تحديد طبيعة المساعدة التي تراها ضرورية.
تمهّد الاتفاقية الطريق نحو تنسيق دفاعي إقليمي أكثر عمقاً، يشمل مناورات وتدريبات مشتركة، ونقل التكنولوجيا العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية
على الرغم من أنّ السعودية تبدو صاحبة المصلحة الكبرى في الاتفاقية، إلّا أنّها يمكن أن ترقى إلى مصاف صفقة استراتيجية متبادلة المصالح، ومفيدة لجميع أطرافها، خاصّةً في حال تطويرها ومأسستها بتشكيل هياكل وآليات تنسيق مشتركة، بحيث تصبح أكثر من إطارٍ للتعاون العسكري بين أطرافها الثلاثة التي تمثّل قوىً رئيسةً في الشرق الأوسط، وتمتلك قدرات لا يستهان بها، ويمكنها الاستفادة من التكامل فيما بينها على مختلف المستويات. تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في “ناتو”، ولديها صناعات عسكرية متطوّرة، خاصّةً في مجال المسيّرات، وتمثّل باكستان قوّة عسكرية كبرى، والقوة النووية الوحيدة بين دول العالم الإسلامي، وتملك السعودية أكبر اقتصاد في دول الخليج، وهي أكبر مصدّر للنفط. كما أنّ هذه الدول تستند إلى كتلة اقتصادية كبيرة، إضافة إلى امتلاكها مواقع جغرافية حسّاسة، بما يمكّنها من ممارسة تأثيرها سواء في الخليج العربي والبحر الأحمر، أو في شرق المتوسط والبحر الأسود، أم في بحر العرب وجنوب آسيا.
تأتي الاتفاقية على وقع التوتّرات واستهداف إيران وشبكة حلفائها عديداً من دول المنطقة، منها السعودية، إضافة إلى تنامي القوة العسكرية والاستراتيجية لإسرائيل، وما يثيره دورها في النظام الأمني الإقليمي المقبل من تساؤلات لدى دول المنطقة. لذلك، فإنّ الغاية من الاتفاقية هي تعزيز قدرة الدول الثلاث على الردّ الجماعي حيال التهديدات الإقليمية، وامتلاك القدرة على احتواء النفوذ العسكري والبحري الإيراني، والحيلولة دون تشكيل نظام إقليمي جديد تتسيده إسرائيل، ما يعني أنّ الدول الثلاث تبدو مصمّمةً على منع تفرّد أيّ طرف إقليمي بإعادة تشكيل النظام الاستراتيجي بالقوّة العسكرية أو عبر إجراءات أحادية الجانب.
يتجسّد الردّ الجماعي في أنّ أيّ هجوم مسلّح خارجي ضدّ إحدى الدول الثلاث الموقِّعة سيُعتبر هجوماً ضدّها جميعاً. لكن الاتفاقية لا تتوقّف عند ذلك فقط، بل تمهّد الطريق نحو تنسيق دفاعي إقليمي أكثر عمقاً، يشمل مناورات وتدريبات مشتركة، ونقل التكنولوجيا العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وسوى ذلك. وهو ما يحوّلها إلى نظام دفاعي مشترك، تحسمه حيثيات الاستجابة وآلياتها، وطبيعة الاعتداء وما إذا كان عابراً أم وجوديّاً، إضافة إلى الخطوات التي يُتّخذ القرار بموجبها، وطبيعة القيادة العسكرية المشتركة، وسائر التفاصيل لم تُعلن بعد في نصّ الاتفاقية، وخاصّةً ماهية الحدث الذي يُشكّل اعتداءً مسلّحاً على إحدى الدول ويستلزم تفعيل الاتفاقية. إضافة إلى أنّه في حال التوافق على تسميته اعتداءً يستوجب تدخّل الدول الموقِّعة على الاتفاقية، فإنّ ذلك قد لا يشمل التدخّل العسكري المباشر، بل تقديم المساعدة العسكرية، التي يمكن أن تتم من خلال الدفاع الجوي، والإنذار المبكّر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والدعم اللوجستي، وحماية المنشآت، وسوى ذلك.
تسعى الدول الموقِّعة على الاتفاقية إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في حماية أمنها، بالنظر إلى أنّ التصعيد في المنطقة أظهر عدم جدوى ذلك الاعتماد، مع تراجع الثقة بأنّ الوجود العسكري الأميركي وحده لم يكن كافياً لمنع الاعتداءات على دول المنطقة. لكنّ ذلك لا يعني أنّ الغاية من الاتفاقية هي فضّ الشراكة مع الولايات المتحدة، بل تنويع شبكات منظومة الأمن، وتحويلها إلى منظومة إقليمية تقودها الدول المعنية، من دون أن تقودها الولايات المتحدة.
يبدو أنّ الشرق الأوسط يتغيّر بالفعل، ولكن ليس بالشكل الذي يطمح إليه ساسة اليمين المتطرّف في إسرائيل
الأهمّ أنّ هذه الدول تريد حماية مصالحها، وتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط الذي تمزّقه النزاعات والصراعات، وتوجيه رسالة مزدوجة إلى كلّ من إسرائيل وإيران، تفيد بأنّ مستقبل المنطقة ليس رهين الصراع بين مشروعيهما التوسّعيَين، وأنّ هناك قوى إقليمية قادرة على خلق توازنات جديدة بالاعتماد على تحالفاتها وقدراتها، وبما يغيّر حسابات كلّ من إيران وإسرائيل. ويمتدّ الأمر إلى دول أخرى مثل أفغانستان والهند والولايات المتحدة التي ستضطر إلى التعامل مع هذه الدول الثلاث بوصفها كتلةً استراتيجيةً واحدةً.
كان متوقَّعاً أن يبدي النظام الإيراني انزعاجه من التحالف الجديد، وأن يهاجمه، وأن يوجّه تحذيراً إلى السعودية مفاده أنّ هذا التحالف لن يجلب الأمن إليها. ويتلاقى ذلك مع التوجّس الإسرائيلي منه، إذ سبق أن حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من تشكّل “تحالف سُنّي”، وكشف أنّه يعمل على إقامة “منظومة أشبه بسداسي تحالفات تضمّ الهند ودولاً عربية وأفريقية، إلى جانب اليونان وقبرص اليونانية ودول آسيوية أخرى” ضدّ “محاور سُنّية وشيعية”، وذلك في سياق ترويجه لتغيير شكل الشرق الأوسط برمّته بفعل الحرب التي شنّها إلى جانب الولايات المتحدة ضدّ إيران.
يبدو أنّ الشرق الأوسط يتغيّر بالفعل، وسيتغيّر بالتأكيد، ولكن ليس بالشكل الذي يطمح إليه ساسة اليمين المتطرّف في إسرائيل، بل وفق طبيعة النظام الإقليمي الذي سيتبلور.
المصدر: العربي الجديد






