
زار في أواسط الشهر الماضي (يوليو/ تمّوز) رئيس هيئة التسلّح السويسرية أورس لوهر تل أبيب، زيارةً غير مُعلَنة. أخذ الأمر وقتاً حتّى تسرّبت بعض أخبار هذه الزيارة إلى الإعلام، فنُشِر أنّ غرضها كان الاطّلاع على تقنيات مكافحة الطائرات المسيّرة. يبدو الأمر في ظاهره عادياً، فأغلب الدول الأوروبية تتمتّع بعلاقة صناعية ودفاعية جيّدة مع الكيان، وتتبادل معه الزيارات والتعاون، لكنّ الأمر في الحالة السويسرية مختلف، بل محرج فعلاً، وهو ما يجعل هذه الزيارة غير تقليدية.
للتوضيح، نقول إنّ سويسرا ظلّت تلعب في الساحة الدولية منذ فترة طويلة دور اللاعب المحايد، الذي لا ينحاز إلى أيٍّ من أطراف أيّ صراع، وتحكم تحرّكاته مبادئ العدالة والقانون الدولي. سويسرا، التي نصّ دستورها منذ عام 1848 على مبدأ الحياد، كثيراً ما كانت تُطرح مكاناً مناسباً لعقد المباحثات التفاوضية بين أطراف الصراعات. هذا الدور، الذي لعبته سويسرا عقوداً مضت، وجعلها تبدو حصناً آمناً وبلداً مستقرّاً سياسياً واقتصادياً، يدخل مرحلة خطيرة من التشكيك، أشعلها في المقام الأول الموقف السلبي من الحرب على غزّة.
النقاش الذي أشعلته تلك الحرب، وبدأ مع وصول أعداد الضحايا الفلسطينيين إلى عشرات الآلاف، لم ينته، بل تحوّل إلى أسئلة سياسية محرجة تلاحق المسؤولين، منها: هل إدانة طرف معتدٍ تُعدّ خروجاً من الحياد؟ وهل يتناقض هذا مع مبادئ القانون الدولي الذي تعلن سويسرا أنّ جميع تحرّكاتها تستند إليه؟
على الرغم من أنّ تل أبيب تخوض حرباً دموية، بل تُعتبر عنصراً فاعلاً في أحد أكبر صراعات العالم، لم يمتنع المسؤولون السويسريون عن اعتبارها أحد أهمّ الشركاء خارج المظلّة الأوروبية
كان المسؤولون الحكوميون يردّون بالقول إنّ إدانة أيّ طرف تعني الخروج الفعلي من الحياد، وهو أمر ستكون له تكلفة كبيرة على البلد، الذي بنى سمعته انطلاقاً من أنّه بعيد من التجاذبات. واكتفت البيانات الرسمية السويسرية بإدانة الحرب والعنف، وتوصية الأطراف المتحاربة إلى مراعاة القانون الإنساني والحرص على حماية المدنيين، وهي بيانات كانت أقرب إلى أن تكون ذرّاً للرماد في العيون منها تعبيراً عن موقف.
اتّساع الحرب وانتشار صور التوحّش الإسرائيلي، وتعمّد جيش الاحتلال إلحاق الضرر بأكبر عدد ممكن من المواطنين المدنيين، خلقا انقساماً كبيراً وتبايناً في الموقف بين الجماعات والمنظّمات والشخصيات المستقلّة التي ترى أنّ واجبها الأخلاقي يحتّم عليها التعاطف مع المأساة الإنسانية، والحكومة التي تغلب عليها سيطرة الأحزاب اليمينية المرتبطة بالكيان بروابط قويّة.
بالنسبة إلى بلد يدّعي أنّ ما يحرّكه على الصعيد الدولي هو الأخلاق المحضة، كانت العلاقة مع جيش متورّط في إبادة ومجازر جماعية محرجةً، ما يفسّر التكتّم على تفاصيل هذه الزيارة. للتذكير، ظلّت سويسرا ترفض الانخراط في تعاون مع أوكرانيا، على الرغم من الحاجة إلى مزيد من الخبرات في المجالات التي تبرع فيها، وفي مقدّمها التعامل مع الطائرات المسيّرة. كان مبرر الإحجام عن التعاون هو أنّ أوكرانيا بلد يخوض في الوقت الحالي صراعاً، ما يجعل التعاون معها أو تبادل الخبرات والتدريب يبدو اصطفافاً ضدّ روسيا التي تحاربها.
هذا المنطق، الذي لم يُطبّق في الماضي، حين ملأت سويسرا خزائنها من خلال التعاون المالي مع جميع الأطراف المتحاربة، بمَن فيهم الألمان النازيون إبّان الحرب العالمية الثانية، يبدو متجاهلاً أيضاً اليوم. فعلى الرغم من أنّ تل أبيب تخوض حرباً دموية، بل تُعتبر عنصراً فاعلاً في أحد أكبر صراعات العالم، لم يمنع هذا المسؤولين السويسريين من اعتبارها أحد أهمّ الشركاء خارج المظلّة الأوروبية، خاصّةً في ما يتعلّق بالتكنولوجيا الدفاعية أو استيراد الأسلحة وتصديرها.
سؤال آخر كان يُطرح حين يتعلّق الأمر بالحياد: فهل المشاركة في عقوبات دولية على بلد ما تُعتبر أمراً مقبولاً؟ وهل هناك فرق بين العقوبات الاقتصادية والعسكرية؟ كان السياسيون يقولون إنّ الأمر لا غضاضة فيه ما دام أنه كان إنفاذاً للقانون الدولي، لكنّ هذا كان يولّد سؤالاً آخر: ما هو القانون الدولي؟ وهل هو محايد فعلاً وعادل؟
يفرّق ميثاق الأمم المتحدة بين الأطراف المعتدية التي يجب ردعها والمتضرّرة التي لها الحقّ في الدفاع عن نفسها
مفهوم الحياد، الذي أقرّته اتفاقات لاهاي في عام 1907، ووضّحت حقوق الدول المحايدة وواجباتها في أثناء الحرب وفصّلت في أشياء من قبيل عدم السماح بمرور قوات عسكرية أو تقديم أيّ نوع من الدعم، مختلف عن الحياد بالمعنى الفضفاض المعاصر، الذي يُعد ميثاق الأمم المتحدة أهم تجلٍّ له. فميثاق الأمم المتحدة، الذي أقرّه الجميع، لا مكان فيه للحياد، إذ تُفرّق أحكامه بين الأطراف المعتدية التي يجب على الجميع ردعها، وتلك المتضرّرة التي يجب منحها الحقّ في الدفاع عن نفسها. وبهذا، فإنّ مساعدة الطرف المتضرّر، ولو عبر تقديم السلاح، لا تُعدّ انتهاكاً للقانون أو تأجيجاً للحرب، بل هي مسموحة بمعيار القانون الدولي.
هذا فارق مهم بين المعاهدات القديمة والاتفاق الأممي الجديد الذي لا يطلب من الدول أن توقف دعمها للطرفَين من أجل إظهار الحياد وعدم الرغبة في الانخراط في الصراع، بل يسمح، أو يقتضي، ألّا تمتنع الدول عن مساعدة الطرف الأضعف المُعتدى عليه، وهو المبدأ الذي اعتُمِد عليه إبّان الاستنفار العالمي لصدّ عدوان صدّام حسين على الكويت، وهو ما جعل سويسرا تقبل بعد تردّد أن تنخرط في العقوبات الاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا بعد اندلاع الحرب.
المشكلة التي تواجه سياسة الحياد السويسرية هذه أنّها تتحوّل، في أوقات كثيرة، إلى شكل من أشكال التواطؤ، وهي التهمة التي يُواجَه بها وزير الخارجية السويسري تعليقاً على موقفه من التطوّرات في الأراضي الفلسطينية.
لحسم الجدل، ولمعرفة ما يريده الشعب، دُعي إلى التصويت على “مبادرة الحياد” التي ستُطرح الشهر المقبل، وسيكون لها ما بعدها في إعادة تعريف ما يعنيه الحياد في هذا العصر بالنسبة إلى سويسرا.
المصدر: العربي الجديد






