هاشم الأتاسي.. حين كانت الدولة أكبر من الحاكم

ماسه بشار الموصلي

حين تمر الأوطان بمراحل انتقالية حرجة، تبرز الحاجة إلى رجل دولة يضع مصلحة الوطن فوق اعتبارات السلطة، ويحتكم إلى الدستور قبل القوة، وإلى المؤسسات قبل الأشخاص. هذا النموذج من رجال الدولة برز في النصف الأول من القرن الماضي، في زمن كانت فيه سوريا تخوض معارك الاستقلال وتبحث عن شكل دولتها الجديدة. ومن بين أولئك الرجال يبرز هاشم الأتاسي، أحد أهم رجالات الدولة في التاريخ السوري الحديث، وربما أحد أكثرهم تعبيرًا عن فكرة أن تكون الدولة أكبر من الحاكم.

لا تهدف هذه القراءة إلى استعراض حياة هاشم الأتاسي أو إعادة سرد تاريخ سوريا في النصف الأول من القرن العشرين، فذلك ميدان المؤرخين والباحثين، وإنما تحاول الاقتراب من البعد الإنساني والأخلاقي في شخصيته، ومن القيم التي وجّهت مسيرته ومواقفه السياسية، وأثرت في طريقته في التعامل مع السلطة والمناصب.

وُلد الأتاسي عام 1873 في حمص، في مرحلة كانت بلاد الشام تعيش تحولات عميقة. شهد نهاية الدولة العثمانية، وقيام المملكة العربية السورية، ثم الاحتلال الفرنسي، وبعد ذلك نشوء الجمهورية السورية. وخلال هذه التحولات تقلد أعلى المناصب السياسية، لكنه لم يتعامل معها باعتبارها غاية في ذاتها، بل باعتبارها وسيلة لخدمة الدولة وترسيخ مؤسساتها. وربما لهذا السبب ارتبط اسمه، في الذاكرة السياسية السورية، بفكرة الشرعية الدستورية أكثر مما ارتبط بأي إنجاز شخصي أو مكسب سياسي.

في عام 1919 ترأس المؤتمر السوري العام، الذي مثّل أحد أهم التعبيرات السياسية السورية في أعقاب انهيار الدولة العثمانية. وانبثقت عنه الجمعية التأسيسية التي شكّلت لجنة لصياغة دستور ترأسها الأتاسي. وفي عام 1920 أُقر الدستور السوري الأول في ظل المملكة العربية السورية، متجهًا إلى إقامة ملكية دستورية ذات نظام برلماني وفصل للسلطات وضمانات للحقوق المدنية، لكن هذا المشروع الدستوري لم يعش طويلًا إذ أطاح الاحتلال الفرنسي بالنظام السياسي الناشئ بعد معركة ميسلون ودخول القوات الفرنسية دمشق في يوليو/تموز 1920، لكن ذلك لم يجعل الأتاسي يتخلى عن رأيه بأنه لا استقلال حقيقيًا من دون دولة دستورية، ولا دولة مستقرة من دون مؤسسات. ولذلك كان خياره في مقاومة الانتداب الفرنسي، العمل السياسي والتفاوضي إلى جانب النضال الوطني، بدل أن يجعل السلاح الطريق الوحيد إلى الاستقلال.

في عام 1936، قاد الأتاسي الوفد السوري إلى باريس للتفاوض مع الحكومة الفرنسية، وانتهت المفاوضات بتوقيع المعاهدة الفرنسية السورية التي كان يُفترض أن تفتح الطريق أمام الاستقلال، لكن المعاهدة لم تدخل حيز التنفيذ بالصورة التي كان السوريون يأملونها.

وكان الأتاسي من أبرز قادة الكتلة الوطنية التي قادت جانبًا أساسيًا من الحركة السياسية المناهضة للانتداب. وفي عام 1928 ترأس الجمعية التأسيسية التي انتُخبت لصياغة دستور جديد. جاء المشروع الدستوري في سياق محاولة لإقامة نظام جمهوري برلماني، لكنه اصطدم بالسلطات الفرنسية التي اعترضت على عدد من مواده، ولا سيما تلك المرتبطة بوحدة البلاد وسيادتها وحدود سلطة الانتداب. رفض الأتاسي وأعضاء الجمعية إدخال التعديلات التي طالب بها الفرنسيون، فتعطلت أعمال الجمعية وحُلّت لاحقًا، قبل أن تصدر سلطات الانتداب دستورًا عام 1930 بصيغة معدلة.

وفي عام 1936، قاد الأتاسي الوفد السوري إلى باريس للتفاوض مع الحكومة الفرنسية، وانتهت المفاوضات بتوقيع المعاهدة الفرنسية السورية التي كان يُفترض أن تفتح الطريق أمام الاستقلال، لكن المعاهدة لم تدخل حيز التنفيذ بالصورة التي كان السوريون يأملونها، وترافقت السنوات التالية مع تراجع فرنسي عن التزاماتها، وصولًا إلى أزمة لواء إسكندرون. وفي 7 يوليو/تموز 1939 استقال الأتاسي من رئاسة الجمهورية، بعد أن أصبح واضحًا أن المسار الذي وعد بالاستقلال يتجه إلى طريق مسدود، بالتزامن مع تعطيل الدستور وسلخ لواء إسكندرون.

هنا تظهر إحدى السمات اللافتة في شخصيته، حيث لم يكن المنصب عنده أهم من المبدأ الذي يفترض أن يخدمه المنصب.

فرضت فرنسا حكم المندوب السامي خلال سنوات الحرب ، ولكن في عام 1943 وتحت الضغط الشعبي اضطرت لإعادة الدستور وأعلنت إجراء انتخابات رئاسية، حينها توجه شكري القوتلي إلى حمص للقاء الأتاسي في منزله، وعرض عليه دعم الكتلة الوطنية الكامل له لإعادة ترشيحه لرئاسة الجمهورية باعتباره الأقدر على قيادة المرحلة، وطلب منه مباركته له للترشح في حال قرر الزهد في المنصب، فبارك له ترشحه ودعمه لأنه سبق وأن اتخذ قرارا بعدم قبول أي منصب ما دامت سوريا تحت سلطة الانتداب،  ثم جاء يوم 17 نيسان 1946 يوم جلاء آخر جندي فرنسي من سوريا لتدخل البلاد مرحلة الاستقلال الكامل.

لكن الاستقلال لم ينهِ أزمة الدولة السورية؛ بل بدأ معه اختبار آخر: هل تستطيع المؤسسات التي نشأت في ظل الانتداب أن تحمي نفسها من نفوذ الأشخاص والعسكر؟

جاءت واحدة من أهم الإجابات في أزمة عام 1948، حين اقتربت ولاية شكري القوتلي من نهايتها. كان الدستور القائم يمنع إعادة انتخاب الرئيس قبل مرور مدة محددة، وكان قرار القوتلي تعديل النص الدستوري بما يسمح له بالترشح لولاية جديدة، وانتُخب بالفعل في أبريل/نيسان 1948، في ذات الوقت كانت الأزمة السياسية العربية مع إسرائيل على أشدها وكان الوضع العربي محمومًا وبحاجة إلى اتخاذ مواقف من جميع الدول، فطلب القوتلي من الأتاسي تشكيل حكومة للخروج من حالة الاضطراب السياسي الداخلي الناتجة عن تعديل الدستور وعن الاحتقان الشعبي بسبب خسارة حرب 1948 . قبل المهمة في البداية، لكنه سرعان ما اعتذر عندما اتضح له أن تم ربط المسار السياسي بالتعديل الدستوري وهذا يتعارض مع قناعته الراسخة بعدم تغيير قواعد الحكم من أجل شخص بعينه. لم يكن اعتراضه، في جوهره، على شخص القوتلي، وإنما على المبدأ الذي يؤمن به بأن الدستور لا ينبغي أن يتغير لأن الحاكم يريد البقاء في السلطة.

لقد كانت تلك لحظة كاشفة في شخصية الأتاسي إذ كان يستطيع أن يعود إلى دائرة السلطة، لكنه اختار أن يبقى خارجها حين رأى أن دخوله إليها قد يعني قبولًا بمبدأ يرفضه.

كان دستور 1950 واضحًا في تكريس الجمهورية البرلمانية، ووضع قيودًا على السلطة التنفيذية، وأكد استقلال القضاء والحريات العامة.

ثم جاءت سنة 1949، ومعها الانقلابات العسكرية التي بدأت بانقلاب حسني الزعيم على القوتلي. وبعد انقلاب سامي الحناوي على الزعيم، وقبل الأتاسي العودة إلى الواجهة ضمن مرحلة انتقالية هدفت إلى إعادة الحياة الدستورية، ثم رئيسًا للجمهورية، وفي تلك المرحلة قام بتعين لجنة دستورية من خيرة رجال القانون والسياسة لصياغة دستور جديد للبلاد، فكان دستور 1950 أحد أهم التعبيرات عن رؤيته للدولة.

كان دستور 1950 واضحًا في تكريس الجمهورية البرلمانية، ووضع قيودًا على السلطة التنفيذية، وأكد استقلال القضاء والحريات العامة. ونص على أن الناخبين هم الرجال والنساء السوريون الذين أتموا الثامنة عشرة، كما أتاح الترشح للنيابة للسوريين من الجنسين الذين استوفوا شروط الترشح. وكانت هذه خطوة مهمة في ترسيخ الحقوق السياسية للمرأة لا سيما أن قانون الانتخابات لعام 1949 كان قد منح المرأة حق التصويت فقط وبشروط لم تكن مساوية تمامًا لشروط الرجال.

لكن حصل انقسام حصل داخل المؤسسة العسكرية وأبدى بعض الضباط وعلى رأسهم الشيشكلي انزعاجًا من تقليص نفوذهم السياسي كما اتهم الحناوي وضباط آخرين بدعم تيار الوحدة مع العراق مما سيؤثر في سلطتهم العسكرية، فقام الشيشكلي بانقلاب ضمن المؤسسة العسكرية واعتقل الحناوي، وعين قائداً للجيش ووزيرا للدفاع.

ربما هنا تكمن أهم لحظة في سيرة الأتاسي كلها، لقد كان بإمكانه الاحتفاظ بالمنصب الرئاسي، لأن الشيشكلي أراد بقاءه في سدة الرئاسة كغطاء سياسي مدني لسلطته العسكرية، لكنه رفض فذلك كان أكبر من قدرته على احتماله. لقد كان الثمن هو شرعية الدولة نفسها، فإما أن يسلم بمنطق القوة العسكرية أو يدافع عن الدستور، لهذا قرر مغادرة الرئاسة عائداً إلى حمص.

قام الشيشكلي بتعطيل الحياة البرلمانية وإلغاء دستور 1950، واتجه إلى نظام رئاسي أكثر تركيزًا للسلطة، وصولًا إلى إقرار دستور 1953 الذي عزز صلاحيات الرئاسة. وفي المقابل، تحولت دار الأتاسي في حمص إلى مساحة للمعارضة السياسية. وفي 4 يوليو/تموز 1953 عُقد في منزله مؤتمر وطني ضم قوى سياسية مختلفة من معارضي الشيشكلي، وخرج إعلان ميثاق وطني برفض الصيغة الدستورية الديكتاتورية التي فرضها الشيشكلي في الحكم  ويطالب بعودة الحياة الدستورية البرلمانية.

وفي فبراير/شباط 1954 سقط حكم الشيشكلي تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية والانقسامات داخل المؤسسة العسكرية. وفي 1 مارس/آذار عاد هاشم الأتاسي إلى رئاسة الجمهورية لاستكمال مدته الدستورية، وأعيد العمل بدستور 1950 والبرلمان المنتخب سابقًا، وحين انتهت ولايته في سبتمبر/أيلول 1955 غادر منصبه مسلّماً السلطة بعد انتخابات ديمقراطية ونزيهة جرت تحت قبة البرلمان إلى شكري القوتلي، وكان تلك اللحظة الوحيدة في التاريخ السياسي السوري المعاصر التي تنتقل فيها السلطة من رئيس إلى آخر دون انقلاب أو إقصاء أو إراقة دماء.

لا يمكن فهم مكانة هاشم الأتاسي من دون التوقف عند مفهومه للدولة؛ فقد كان يؤمن، كما تكشف مواقفه المتكررة، بأن الدولة لا تقوم على الأشخاص مهما بلغت مكانتهم، وإنما على احترام الدستور واستقلال المؤسسات وسيادة القانون. ولذلك ظل معارضًا لكل محاولة تجعل إرادة الحاكم فوق النصوص الدستورية، لأن الاستثناء في نظره قد يتحول إلى قاعدة، والقاعدة إذا فسدت هدمت الدولة من داخلها.

إن قيمة هاشم الأتاسي اليوم لا تكمن في استحضار سيرته بوصفها فصلًا من الماضي، بل في استعادة المعاني التي مثلها. ففي كل مرحلة انتقالية تمر بها الدول.

وفي الوقت نفسه، لم يكن الأتاسي زعيمًا شعبويًا يعتمد على الخطابة أو صناعة الهالة حول نفسه، بقدر ما كان رجل مؤسسات حريصًا على أن يكون العمل السياسي مساحة للحوار والتوافق. وربما لهذا كان منزله في حمص محطة لعدد من رجال السياسة المختلفين معه في الرأي، لكنهم وجدوا فيه شخصية تتقدم فيها فكرة الوطن على الانتماء الحزبي.

إن قيمة هاشم الأتاسي اليوم لا تكمن في استحضار سيرته بوصفها فصلًا من الماضي، بل في استعادة المعاني التي مثلها. ففي كل مرحلة انتقالية تمر بها الدول، يعود السؤال ذاته: هل تحتاج البلاد إلى رجل سلطة يمتلك أدوات القوة، أم إلى رجل دولة يمتلك شرعية القانون وثقة الناس؟

تقدم سيرة الأتاسي إجابة واضحة: قد تُدار الدول بالقوة لفترة، لكنها لا تستقر إلا حين يحكمها القانون، ويكون الحاكم أول من يخضع له.

لذلك، لم يكن هاشم الأتاسي مجرد رئيس سابق للجمهورية السورية، بل أراه رمزًا لفكرة ما تزال المجتمعات العربية في أمسّ الحاجة إليها: أن النزاهة ليست شعارًا، وأن احترام الدستور ليس ترفًا سياسيًا، وأن أعظم ما يتركه رجل الدولة بعد رحيله ليس القصور ولا الأوسمة، وإنما الثقة التي يودعها في ضمير شعبه.

وربما لهذا بقي الأتاسي حاضرًا في الذاكرة السورية رغم أن عهده لم يدم طويلًا مقارنة بعقود الحكم التي عرفتها البلاد لاحقًا، فقد كان رجلًا مرّ على السلطة، لكنه لم يسمح للسلطة أن تمرّ على مبادئه.

وحين تكون الدولة أكبر من الحاكم، يصبح رحيل الحاكم أمرًا طبيعيًا، وتبقى الدولة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى