
لا يمكن فهم التحوّلات المؤسّسية في الاقتصاد المصري بعيداً عن مغزاها وسياقها. تواجه السلطة منذ سنوات مطالبات من المانحين الدوليين، وفي مقدّمتهم صندوق النقد الدولي، بوضع خطّة وجدول زمني لتقليص دور الدولة في الاقتصاد وفتح مساحات أكبر أمام القطاع الخاصّ والاستثمار الخاصّ. ويدفع شركاء مصر الإقليميون، خصوصاً في دول مجلس التعاون الخليجي، لتحسين مناخ الاستثمار، ولتحفيز ضخّ استثمارات ضخمة في مصر تحتاج إلى مناخ أكثر تنافسيةً وضمانات ومساحات ليست متاحةً بالقدر الكافي في ظلّ السيطرة المباشرة للدولة ومؤسّساتها المرتبطة بالجيش على مجالات واسعة من الاقتصاد.
كلّما ارتبطت إدارة الأصول العامّة ومصادر الدخل بمؤسّسات تتمتّع بدرجة عالية من الاستقلال المالي والإداري، وتتبع مركز السلطة مباشرة، يصبح النفوذ الاقتصادي جزءاً من بنية السلطة السياسية نفسها
ويمثّل تبنّي القانون رقم 147 لسنة 2026 بشأن إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وما يمنحه من صلاحيات واسعة في إدارة أصول الدولة وأراضيها، مع ارتباطه المباشر برئيس الجمهورية، تحوّلاً مهمّاً في طبيعة الاقتصاد السياسي المصري، لكنّه أشبه بمناورة سياسية وتشريعية. فانتقال تبعية الجهاز من وزارة الدفاع إلى رئاسة الجمهورية لا يعني خروج النموذج الاقتصادي الذي نشأ في كنف المؤسّسة العسكرية من دائرة السلطة، بل قد يمثّل انتقالاً من إدارة عسكرية مباشرة لبعض الأصول والأنشطة إلى إدارة رئاسية لكيان اقتصادي ذي طبيعة خاصّة. وقد وصف الباحث في معهد كارنيغي، يزيد صايغ، هذا التحوّل باعتباره انتقالاً من نموذج يقوم فيه الجيش بدور المنتج والمقاول والمستثمر المباشر، إلى نموذج “الاقتصاد التأجيري العسكري”، فتصبح السيطرة على الأرض والبنية الأساسية والأصول العامّة وسيلةً للحصول على الريع وجذب الاستثمار الخاصّ وإدارته. لا يعني ذلك خروج الجيش من الاقتصاد، بل إعادة تنظيم حضوره الاقتصادي في صورة أكثر تعقيداً. فبدلاً من أن يكون الجيش هو المستثمر المباشر في كلّ مشروع، يمكن أن يصبح مالكاً أو مديراً للأصل، ومحدّداً لشروط الانتفاع به، وشريكاً للمستثمرين المحلّيين والأجانب. وبذلك ينتقل النفوذ الاقتصادي من امتلاك الشركة وتشغيلها إلى التحكّم في الأرض والأصل والبنية الأساسية التي تحتاجها الشركة. وهذه النقلة قد تعني أنّ الجيش لا يعود مجرّد منافس للقطاع الخاصّ، بل يمكن أن يصبح أحد محدّدي شروط دخوله إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد.
يحمل هذا النموذج دلالات سياسية عميقة. فكلّما ارتبطت إدارة الأصول العامّة ومصادر الدخل بمؤسّسات تتمتّع بدرجة عالية من الاستقلال المالي والإداري، وتتبع مركز السلطة مباشرة، يصبح النفوذ الاقتصادي جزءاً من بنية السلطة السياسية نفسها. وقد يسهم ذلك في تعزيز استقلال المؤسّسات العسكرية والجهات المرتبطة بها عن المؤسّسات المدنية، وفي الوقت نفسه تعزيز قدرة الرئاسة على إدارة شبكة أوسع من المصالح والولاءات لتأمين الاستمرار في السلطة فيما بعد انتخابات الرئاسة 2030. ومن هذه الزاوية، لا يتعلّق الأمر فقط بمستقبل دور الجيش في الاقتصاد، بل بمستقبل العلاقة بين السلطة السياسية والاقتصاد والقطاع الخاصّ في مصر.
تقدّم الحكومة النموذج باعتباره وسيلةً لتعظيم قيمة أصول الدولة، وتسريع التنمية، وتحقيق الأمن الغذائي، وجذب الاستثمار الخاصّ. وهذه أهداف مشروعة، لكنّ السؤال: مَن يملك سلطة تحديد هذه الأصول، ومَن يحدّد شروط الانتفاع بها، ومَن يراقب عملية تحويلها إلى عوائد واستثمارات؟ فإذا أصبح الكيان نفسه قادراً على إدارة الأصل وتطويره والدخول في شراكات بشأنه والاستفادة من عوائده، فإنّ الفصل بين المالك والمنظّم والمستثمر يصبح أكثر تعقيداً، ويصبح تضارب المصالح أكبر.
يختلف هذا النمط عمّا جرى في دولة مثل تشيلي التي كانت من أعتى الديكتاتوريات العسكرية في أميركا اللاتينية. فجيش الجنرال أوغستو بينوشيه (استمرّ في الحكم بعد انقلاب عسكري منذ 1973 وحتّى 1990) لم يبنِ اقتصاداً عسكرياً في تشيلي مماثلاً للنموذج المصري، بل دعم نظاماً اقتصادياً ليبراليَ التوجّه قام على الخصخصة وتقوية القطاع الخاصّ ونُخبة رجال الأعمال، مع احتفاظ القوات المسلّحة بامتيازات اقتصادية ومؤسّسية خاصّة. وكان أبرز هذه الامتيازات حصول القوات المسلّحة على جزء من عوائد صادرات النحاس عبر إعادة تنظيم ما عُرف بـ”بقانون النُّحاس السرّي” وتكريسه، ما وفّر لها مصدراً مستقلّاً للتمويل بعيداً عن الموازنة العامّة.
يمكن بيع الشركة أو إعادة هيكلتها، أمّا السيطرة على الأرض والأصول وشروط الاستثمار فتنتج نفوذاً اقتصادياً وسياسياً أكثر عمقاً واستدامةً
وقد استمرّ هذا الامتياز سنوات طويلة بعد سقوط بينوشيه وعودة الديمقراطية، ولم تتمكّن السلطات المدنية من إلغائه إلّا في عام 2019، بعد أن نجح البرلمان والحكومة في إلغاء قانون النُّحاس. وكان إلغاء هذا النظام جزءاً من مسار أطول لإعادة إخضاع تمويل القوات المسلّحة للسلطة المدنية والرقابة البرلمانية. أمّا في مصر، فالصورة أكثر تعقيداً. فبدلاً من انتقال واضح من استقلال اقتصادي عسكري إلى رقابة مدنية، نشهد إعادة تنظيم متواصلة لبعض أشكال الحضور العسكري في الاقتصاد، وانتقالاً من الاستثمار والإنتاج المباشر إلى إدارة الأصول والأراضي وجذب رأس المال الخاصّ.
وهذا ما يجعل نموذج “الاقتصاد التأجيري العسكري” أخطر من مجرّد وجود شركات تابعة للجيش. فالشركة يمكن بيعها أو إعادة هيكلتها، أمّا السيطرة على الأرض والأصول وشروط الاستثمار فتنتج نفوذاً اقتصادياً وسياسياً أكثر عمقاً واستدامة. وقد يصبح المستثمر الخاصّ نفسه محتاجاً إلى المؤسّسة التي تسيطر على الأرض أو الأصل أو البنية الأساسية التي يقوم عليها استثماره. وبذلك يتحوّل الجيش، تحت إدارة الرئيس، من منافس للمستثمر إلى بوابة لدخوله السوق الاستثمارية، وقطاعات معيّنة من الاقتصاد.
فهل تتّجه مصر فعلاً إلى خروج الدولة والجيش من الاقتصاد، كما يطالب صندوق النقد وشركاء مصر الاقتصاديون، أم أنّنا نشهد تحوّلاً في شكل هذا الحضور، من الجيش المستثمر والمنتج إلى الجيش المالك والمدير للأصول تحت سيطرة الرئيس؟ الفرق بين الحالتَين ليس شكلياً. ففي الأولى يتراجع الدور الاقتصادي للمؤسّسة العسكرية. وفي الثانية، قد يتغيّر شكل النفوذ بينما تبقى مصادره الأساسية قائمة. ولا تبقى المعضلة في حجم الاقتصاد الذي يسيطر عليه الجيش، بل في طبيعة السلطة التي تمنحه السيطرة على الأرض والأصول وشروط الاستثمار. وقد يحقّق هذا النموذج صعوداً في الأرقام الإجمالية لحجم الاقتصاد المصري، لكنّه سيظلّ بعيداً عن المؤشّرات الأكثر أهمّيةً لعدالة الاقتصاد وعدالة توزيع نتاجه، ومن بناء اقتصاد تنافسي يستطيع فيه القطاع الخاصّ أن يعمل مستقلّاً عن مراكز النفوذ السياسي والعسكري.
المصدر: العربي الجديد






